الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الآية الكريمة التي تبيح الطلاق قبل المسيس وقبل فرض المهر، وتوجب على الزوج متعة المطلقة بحسب يساره أو إعساره جبراً لخاطرها. كما يتناول حكم النساء المطلقات قبل الدخول بهن وقبل تحديد المهر، مبيناً أن المهر شرط لصحة النكاح ولا يشترط تسميته، فإن لم يسم يُعطى مهر المثل.
يشرح المقطع اختلاف العلماء في تقدير المتعة للمرأة المطلقة قبل الدخول إن لم يُسمّ المهر، ويرجح قول الجمهور بأن من سُمّي مهرها يُعطى نصفه، ومن لم يُسمّ يُعطى متعةً بالمعروف. ويناقش وجوب المتعة من عدمه، مرجحاً وجوبها استدلالاً بقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ وأمر الله بالتمتع في سورة الأحزاب.
يبيّن المقطع أن المتعة واجبة إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول بها ولم يسمّ لها مهراً، أما إذا دخل بها فقد استحقت المهر كاملاً (المسمى أو مهر المثل) وتكون المتعة مستحبة لا واجبة. ويستدل على ذلك بالآيات القرآنية وحديث النبي صلى الله عليه وسلم مع أميمة بنت شراحيل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾. قال رحمه الله: ليس عليكم يا معشر الأزواج جناح ولا إثم في تطليق النساء قبل المسيس وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسر لهن فإنه ينجبر بالمتعة، فعليكم أن تمتعوهن بأن تعطوهن شيئا من المال جبرا لخواطرهن، على الموسع قدره وعلى المقتر -أي المعسر- قدره، وهذا يرجع إلى العرف وأنه يختلف باختلاف الأحوال، ولهذا قال: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾، أي: فهذا حق واجب على المحسنين، ليس لهم أن يبخسوهن، فكما تسببوا لتشوفهن واشتياقهن وتعلق قلوبهن ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه، فعليهم في مقابلة ذلك المتعة. الآن في هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾، أي: لم يدخل عليها بعد، ﴿ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾، أي: لم يقدر لها مهرا. أن المهر لابد منه، المهر لابد منه، وعند المالكية أنه شرط من شروط النكاح وهو الصحيح، لأن النبي عليه الصلاة والسلام -بل ربنا جل وعلا- قد أمر بإعطاء النساء هذا المهر، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لذاك الرجل: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، التمس ولو خاتمًا من حديد، فلهذا فهو شرط، لكن ليس شرطا مثلا أن يكون مسمى عنها كذا وكذا، المهم أنه شرط أن يكون مهرا سواء كان قليلا أو كثيرا، ولو كان مثلا بتعليمها، أن مهرها تعليمها، هذا يجوز كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا فلابد أن يكون مهر، لكن لا يشترط شيء لم يأتِ شرط في المهر، ولا يشترط أيضا تسميته، معنى: لو قال مثلا: سأعطيها مهرا، أو إذا لم يسمه فإنها يعطيه مهر المثل، يعطي زوجته هذه مهر المثل مثل نسائها التي يقربن لهن، أو عرف الناس، مثلا ناس يعطون مثلا خمسمائة فيعطي كذلك إذا لم يسمى المهر. طيب، وله أن يجعله عاجلا وله أن يجعله مؤجلا، لا شيء في ذلك، لكن أهم شيء أن يكون مهرا. طيب، هنا الآن قال ربنا جل وعلا: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾. معنى: هناك هنا ذكر ربنا جل وعلا قيدين، القيد الأول: أنه لم يدخل عليها، والقيد الثاني: أنه لم يفرض لها مهرا، وإنما مفوضة كما يسميها الفقهاء العلماء، مفوضة، فوضت مهرها، لم يفرضه لها، لم يسمه. فماذا هنا الحكم؟ ﴿ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وَتَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾، قال: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ ﴾، أي: أعطوهن متعة، أعطوهن شيئا يتمتعون به، وهذا المتعة يكون شيئا من المال أو من الثياب أو من الطعام، أو شيء يكون مالا سواء كان بالنقد أو بالطعام أو الكسوة. وقد ذكر إمامنا الشافعي رحمه الله في كتابه «الأم» قال: لم يحدد الشرع شيئا من ذلك، لكن أحب إلي أن يكون قدر الثياب تصلي فيها، فيعطيها مثلا قميصا لأجل تصلي فيه، هذا يقول أقل شيء، الإمام الشافعي رحمه الله، وبعض العلماء لم يقدر شيئا كما هو قول الإمام أحمد، على ما يتعارف عليه الناس: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾، على حسب العرف، فيعطيها شيئا يكون مالا معنى تتمتع به. فهذا متى؟ إذا كان طلقها ولم يمسها ولم يفرض لها فريضة. وأما إذا كان قد فرض لها فريضة، إذا فرض لها فريضة، قال مثلا: سأعطيها كذا وكذا، أربعمائة مثلا، معنى أربعمائة ألف مثلا، ثم لم يدخل عليها، لم يمسها، فهنا قال الله عز وجل: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ كما سيأتي في الآية الثانية، ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾، فيعطيها نصف المهر. فأنا هذا إذا قدره لها سماه، معنى كذا وكذا، ولم يدخل عليها، يعطيها وطلقها، يعطيها نصف المهر. وأما إذا لم يسمه فيعطيها متاعا، يعطيها متاعا. طيب، لو دخل عليها ولم يسمى المهر، هل يعطيها متاعا؟ فهذا خلاف بين العلماء، لأن آية الأحزاب قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾، هنا لم يذكر الدخول، ما دخل عليها، ولم يذكر أيضا المهر، فقال: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ ثم ذكر المتعة: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾، فلهذا حصل خلاف بين العلماء: إذا كان مثلا دخل أو لم يدخل عليها ولم يسمِ لها مهرا، هل يجب عليه المتعة؟ هنا مسألة. والمسألة الثانية: إذا أعطاها مهرا وسمى لها مهرا، هل عليه أيضا كذلك متعة، أو أنه يعطيها نصف المهر؟ فابن عباس يقول: أن آية الأحزاب نسخت آية البقرة، معنى: أنه لا يعطيها نصفا، يعطيها متعة. لكن أكثر أهل العلم، وهو قول جمهور أهل العلم وأكثر المفسرين وقول أكثر السلف: أنه إذا لم يدخل عليها، فإن سمى لها مهرا أعطاها نصفه، وإن لم يسمِ لها مهرا أعطاها متعة، وإن لم يسمِ لها مهرا أعطاها متعة. وهل هذه المتعة واجبة أم أنها مستحبة؟ فقول جماعة من السلف كعطاء، وأيضا جاء عن قتادة، وهو قول الشافعي، منه من يقول هو القديم ومنه من يقول أيضا هو الجديد، قال الشافعي رحمه الله: أنه واجب، هذه المتعة واجبة. وذهب أكثر أهل المذاهب على أنها مستحبة، ليست واجبة. والصحيح في الآيات أنها واجبة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾، فبعضهم قال: الله عز وجل قال: ﴿ عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ ولم يقل على المسلمين أو المؤمنين، وإنما حقا من باب الإكرام، من باب الإكرام. لكن الله عز وجل في الآية الأخرى، آية الأحزاب، قال: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾، أمر بالتمتع: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾، فالظاهر أنه واجب، وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، على أنه واجب. معنى واجب: أنه يمتعها إذا كان لم يدخل عليها. وأما إذا كان دخل عليها فهي أيضا مسألة خلاف، إذا دخل عليها متعها أيضا إذا طلقها، أيضا جاءت في الآيات أنه قال ربنا جل وعلا: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾، أنه جعل الله عز وجل أيضا الطلاق أو المتعة في كل طلاق، ولهذا قال كثير من العلماء: أن إذا دخل عليها ثم طلقها فإنه يستحب أن يمتعها، لأنه قد أعطاها المهر، يعني إذا دخل عليها وقد أعطاها المهر، أو أن المهر أجله، المهم أن لها مهرا، فإذا دخل عليها استحقت المهر كله، أن إذا دخل عليها ومسها، في قول الشافعي رحمه الله: أي جامعها، فإنه يعطيها المهر كله، إن كان قد سمى لها مهرا فيعطيها ما سماه أو يكون عليه دين، وإن لم يسمه، معنى: ما سمى المهر، يعطيها مثل نساءها، معنى: مثل ما يعطى النساء، وخاصة أقاربها. لكن إذا كان مثلا دخل عليها وقد أعطاها المهر، فهل هنا إذا طلق يمتعها؟ نعم، لكن ليس من باب الوجوب، من باب الاستحباب، من باب الاستحباب، لما جاء في حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بنت شراحيل، أميمة بنت شراحيل، فلما مسها فكأنها كرهت، وجاء في رواية أنها قالت: أعوذ بالله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد عذت بعظيم»، فقال لسهل بن سعد: قال له: «أعطيها متعة وسرحها إلى أهلها»، أنها متعها النبي عليه الصلاة والسلام وسرحها إلى أهلها، فتبين من هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطاها متعة لأنه طلقها، فلهذا فكل طلاق يستحب له المتعة. لكن يجب متى يجب؟ يجب إذا لم يمسها ولم يسمِ لها الفريضة، أو أقصد: ولم يفرض لها مهرا، ولم يفرض لها مهرا، إذا دخل أو لم يدخل عليها ولم يفرض لها مهرا عما سماه، فهنا تكون المتعة واجبة، تكون المتعة واجبة. فقال الله عز وجل: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ ﴾، معنى: بدل المهر تكون المتعة، يعطيها شيئا يمتع، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره. الموسع: معنى الذي وسع الله عز وجل عليه، يعطي على وسعه، على أكثر، وعلى المقتر: المعسر، على المقتر هو المعسر، يعطي أيضا على ما قدره الله عز وجل له على حسب استطاعته، فلهذا فقلنا: أنه إذا كان لم يدخل عليها ولم يفرض لها فمتعتها واجبة، وإن دخل عليها استحقت المهر، سواء كان سمى له أو لم يسميه، فإن كان قد سمى أعطاها ما سمى، وإن لم يسمِ أعطاها المثل، فإن أيضا لم يدخل عليها وسمى لها المهر فإنه يكون نصفها، كما سيأتي في الآية التي بعدها، يعطيها نصف المهر الذي سماه لها. فهذه بعض الأحكام التي ذكرها الله عز وجل، ثم قال مؤلفنا: فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي، ودلّه على حكمة شرعه ورحمته، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر، ثم ذكر بعد ذلك حكم المفروض لهن، للذي طلقها ولم يمسها لكن قد فرض لها فريضة، فهذا في الآية التي بعدها، فإن شاء الله نبين بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر