الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول شرح معاني المحكم والمتشابه في القرآن الكريم واختلاف العلماء في تفسيرها. يُوضح أن القرآن يحتوي على آيات محكمة ومتشابهة.
يناقش تفسير المتشابه في القرآن وآراء العلماء حوله، حيث يرى البعض أن الراسخون في العلم يعلمونه بينما يرى آخرون أنه من المعارف التي استأثر الله بعلمها.
يشرح معنى المتشابه في القرآن خاصة فيما يتعلق بآيات الصفات، موضحًا أن معاني الصفات معلومة لكن كيفية اتصاف الله بها غير معلومة.
يشرح أن بعض الآيات القرآنية تُعتبر تحديًا للعرب لإتيان بمثلها، مما يدل على إعجاز القرآن وبلاغته حتى في استخدام الحروف المقطعة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: المحكم المتشابه. قال المؤلف رحمه الله: في كتاب الله محكم ومتشابه إلى آخره. اعلم أن بعض الآيات دل على كون القرآن كله محكما، كقوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ الآية، وغيرها من الآيات يعني التي بمعنى هذه الآية في ذكر إحكام القرآن. وبعضها دل على كونه كله متشابها، وهو قول: ﴿كتابا متشابها﴾ الآية. وبعضها دل على أن منه محكما ومنه متشابها، وهو قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات المحكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ الآية. ولا معارض بين الآيات؛ لأن معنى كونه كله محكما هو اتصاف جميعه بالإحكام الذي هو الإتقان، اتصافه بالإحكام بمعنى الإتقان، أنه متقن؛ لأن جميعه في غاية الإتقان في ألفاظه ومعانيه، أحكامه عدل، وأخباره صدق، وهو في غاية الفصاحة والإعجاز والسلامة من جميع العيوب. فهذا ظهر في معنى الإحكام على جهة العموم، يعني كل القرآن محكم بهذا المعنى، أنه متقن في ألفاظه، وفي معانيه، وفي أحكامه، في فصاحته وبلاغته، وإعجازه، وسلامته من العيوب. قال: ومعنى كونه كله متشابها أن آياته يشبه بعضها بعضا في الإعجاز والصدق والعدل والسلامة من جميع العيوب؛ كذلك أيضا يشبه بعضه بعضا في ذكر القصص، قصة موسى وإبراهيم مثلا، ونوح أيضا، في ذكر بعض الأحكام تجدها متشابهة. قال: ومعنى أن منه آيات محكمات وأخر متشابهات اختلف فيه اختلافا مبنيا على الاختلاف في معنى الواو؛ وذلك أن الواو لها معاني كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ثمانية، وبعضهم إلى عشرة. فغاية الواو ترفع ما بعدها، كواو الاستئناف -يعني التي تستانف بها ابتداء الجملة جديدة-، وواو الحال كذلك يرفع ما بعدها، وتكون في محل نصب على الحال. طيب، مثال الاستئناف: قال الله جل وعلا: ﴿ونقر في الأرحام ما نشاء﴾، والحال مثلا: جاء زيد والشمس طالعة، هنا الواو حالية وما بعدها مرفوع. وقد تأتي الواو تجر ما بعدها، كواو القسم: «والله لا أفعلن كذا وكذا» مثلا. وتأتي الواو ينصب ما بعدها مثل واو المعية مثلا: جاء زيد ورفيقه أو وصاحبه. نعم، وتأتي الواو أيضا وتكون على حسب ما قبلها، إن كان مجرورا جر ما بعدها، وإن كان منصوبا نصبت ما بعدها. هذه الواو وأيضا تأتي زائدة مثل موصلة. وهذه ذكرها ابن الشجري في كتاب القواعد، قواعد الإعراب. ولا كتاب أيضا في ذكر الواوات الزائدة، الواوات المزيدة للعلاء تكلم على هذه الواوات. المهم أن الخلاف الآن في معنى كونه بعضه محكم وبعضه متشابه على الاختلاف في الواو في قوله جل وعلا: «والراسخون في العلم». قال: فمن قال إن الواو استئنافية، والراسخون مبتدأ، خبره جملة «يقولون آمنا به»، والوقف تام على قوله «إلا الله»، فإنه يفسر المتشابه بأنه ما استأثر الله بعلمه. قال: وعلى هذا القول أكثر أهل العلم، وعليه درج صاحب المراقب، بقوله: «وما به استأثر علم الخالق فذاته شابه عليه أطلقا». هذا قول الجمهور: أن الواو استئنافية، وبه قال ابن عمر، ابن عباس، وعائشة، وعروة بن الزبير، وابن عبد العزيز، وغيرهم: أن الواو استئنافية، والوقف عند قوله «إلا الله». والراسخون هنا جملة استئنافية، فيكون المعنى أن لا يعلم تأويله إلا الله، يكون هذا في الأمور التي استأثر الله بعلمها، مما استأثر الله بعلمه، ككيفيات الصفات وحقائق الأمور، حقيقة الجنة وما يؤول إليه، والنار، هذه أشياء لا يعلمها إلا الله، استأثر الله بعلمها. وهذه قراءة سبعية، القراءة الوقف عند قوله «إلا الله»، وأن الواو استئنافية سبعية. وكذلك أيضا قراءة العطف، قال: وهو على هذا القول واضح؛ لأن الضمير في قوله «وما يعلم تأويله إلا الله» راجع إلى ما تشابه منه، وهو بعينه المتشابه. ومن قال بأن الواو عاطفة، وكذلك قراءة سبعية، فإنه فسر المتشابه بما يعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم، يعني لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، يعني كذلك يعلمونه. وهذه الأشياء التي قد تخفى على كثير من الناس، كمعرفة مثلا معنى «القرء» في قوله تعالى: ﴿ثلاثة قرؤ﴾، هذا ما يعلمه كثير من الناس إلا راسخون في العلم يعلمون معناه، ونحو ذلك مما يخفى من العلم على كثير من الناس. قال: كالآيات التي ظاهرها التعارض، وهي غير متعارضة في نفس الأمر، كقوله: ﴿لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾، وقوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾، مع قولي: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ الآية، وقولي: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾، ونحو ذلك من الآيات. يعني يقول: أن هذا مما يخفى على كثير من الناس وجه الجمع بين هذه الآيات التي في ظاهرها التعارض. الآية الأولى فيها عدم سؤال المجرمين، عدم سؤال المجرمين: أنهم لا يسألون عن ذنوبهم، وفي الآيات الأخرى إثبات السؤال: أنهم يسألون. والجمع بينها أنهم يسألون سؤال توبيخ وتقريع، أنهم يسألون سؤال توبيخ وتقريع، نعم، لا يسألون سؤال الشفقة ورحمة. والإمام الشنقيطي رحمه الله له كتاب اسمه «رفع إيهام الاضطراب في آيات القرآن»، جمع من الآيات ظاهرها التعارض، بجمع طيب، وقد طبع في بعض النسخ مع «أضواء البيان» في آخره. قال: وقول من قال: إن المتشابه القصص والأمثال، فسر المتشابه بما يشبه بعضه بعضا؛ لأن قصص الأمم الماضية يشبه بعضه بعضا، وكذلك الأمثال. ورجح المؤلف رحمه الله أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه، وأن الوقف تام على قوله «إلا الله»، أي: «وما يعلم تأويله إلا الله» وحده. بقراءة «في الآية». فمن القراءات المعنوية اللفظية: أنه لو أراد عطفا على راسخين لقال «ويقولون» بالواو. ومن القراءات المعنوية: أنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك معلوما للراسخين لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما، يعني في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾، ثم قال: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، فهو يرجح أن الوقف على قوله «إلا الله»، ولو أراد العطف لقال «ويقولون»، وأن الله ذم مبتغي التأويل لهذا المتشابه، قال: ولو كان مبتغيه ممدوحا لما ذم. قال: لأن قولهم «آمنا به» يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقف على معناه، لا سيما إذا أتبعوه بقولهم «كل من عند ربنا»، فذكرهم ربهم هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه من عنده كالمحكم. ولأن لفظة «أما» في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ لتفصيل الجمل، فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إياهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله، يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة، وهم الراسخون. ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالف القسم الأول بابتغاء التأويل. قال مقيد -عفا الله عنه-: مراده أن قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ الآية، يفهم منه ما مضمونه: وأما الراسخون في العلم فلا يتبعون ما تشابه منه ولا يبتغون تأويله. وقول المؤلف رحمه الله في هذا المبحث: والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله سبحانه وتعالى مما يجب الإيمان به ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ إلى آخره، لا يخلو من نظر. وهذا مما زل به من قدام رحمه الله وتابع فيه الغزالي؛ لأن آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى من غير تفصيل؛ لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابها، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بها ليست معلومة للخلق. إذن يكون التشابه في صفات الله من حيث الكيفية، وأما من حيث المعنى فهي محكمة. فنقول: صفات الله جل وعلا من حيث المعنى محكمة، ومن حيث الكيفية من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، ويفوض. ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بها ليست معلومة للخلق. وإذا فسرنا المتشابه بأنه ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، كانت كيفية الاتصاف داخل فيه، لا نفس الصفة. إذا فسرنا المتشابه بما استأثر الله بعلمه دخل فيه كيفية الصفة، كيفية الصفات مما استأثر الله بعلمه. ما أخبر الله كيف استوى، لكن أخبر أنه استوى، ومعنى الاستواء معلوم. فالصفات معناها معلومة، وكيفية اتصافه هذا مما استأثر الله بعلمه، فتكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. قال: وإيضاح ذلك أن الاستواء إذا عدي بعلى معناه في لغة العرب الارتفاع والاعتدال، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بهذا المعنى المعروف عند العرب لا يعلمها إلا الله جل وعلا. قال: كما أوضح هذا التفصيل إمام دار الهجرة مالك بن أنس -تغمده الله برحمته- بقوله: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول». فقوله رحمه الله: «الاستواء غير مجهول» يوضح أن أصل صفة الاستواء ليست من المتشابه، أن معناها معروف ومعلوم: العلو والارتفاع. قال: وقوله: «والكيف غير معقول» يبين أن كيفية الاتصاف تدخل في المتشابه، بناء على تفسيره بما استأثر الله تعالى بعلمه كما تقدم. قالوا: هذا التفصيل أبعد من خلافا لظاهر كلام المؤلف رحمه الله. وقد بسطنا الكلام بإيضاح هذه المسألة في كتابنا «أضواء البيان» في أول سورة آل عمران، والعلم عند الله تعالى. فالخلاصة أن على قراءة الاستئناف، فقوله: «لا يعلمه إلا الله» يكون المتشابه هنا الأمور التي استأثر الله بعلمها، كحقيقة الصفات، كيفية الصفات، علم الغيب، حقائق الأمور، ما تؤول إليه الجنة والنار إلى آخره، هذا لا يعلم إلا الله. ولا قراءة العطف، فيكون المتشابه ما يخفى على كثير من الناس، كما عرفت مثلا معنى «القرء»، معرفة بعض الأحكام الشرعية التي تخفى على الناس، الجمع بين الآيات في ظاهرها التعارض، ونحو ذلك. قال: فإن قيل: فسرنا المتشابه بأنه ما استأثر الله بعلمه، فما الحكمة في خطاب الخلق بما لا يفهمونه؟ فالجواب أن الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء، فلا مانع من أن يكلفهم الإيمان بما لا يعلمون معناه امتحانا وبلاء لهم. ويدل لهذا الوجه ما ذكره تعالى في الراسخين في العلم من قولهم: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾، فإنهم آمنوا به لأنهم علموا أنه من عند ربهم كالمحكم. والله تعالى أعلم. على أننا لا نقول: إن في القرآن شيئا لا يعلم معناه، لا نقول ونقر بأن في القرآن شيئا لا يعلم معناه؛ فالكل ما في القرآن يعلم معناه، إذ أن الله تعبدنا بتلاوته وبتدبره، ولا يمكن تدبر الإنسان شيئا لا يفهمه ولا يعرف معناه. والله عز وجل أخبرنا أنه أنزل القرآن عربيا، طيب، ولو عربيا يعني معناها معلوم. فهذا هو القول الصحيح: أنه ليس في القرآن شيء لا يعلم معناه. نعم، وشيخ الإسلام تكلم على هذه المسألة كما في «مجموع الفتاوى» في المجلد الثالث عشر صفحة مائتين وخمسة وثمانين: أنه لم يقل أحد من السلف ولا الأئمة أن هناك آيات لا يعلم معناها أو لا يفهم معناها. ويجد في بعض المصاحف يعني أنت من الحروف المقطعة، ويقول: أن الله أعلم. ليس هذا من التفسير، يقال: يعني الله أتى بها من باب التحدي والإعجاز للعرب، العرب بها الفصاحة وبلاغة، فالله تحداهم يعني بهذه الآيات المقطعة أن يأتوا بمثلها، فيكون المعنى فيها هو الإعجاز، إعجازهم، وبيان يعني فصاحة القرآن وبلاغته، حتى باستخدام هذه الحروف على هذا الوجه، والله أعلم. يكون هذا المعنى هذا القول يكون يعني التفسير. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.