فضائل الصحابة

المحاضرة بعنوان فضائل الصحابة، وكانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية الجمعة 19 ذو القعدة 1433هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في فضائل الصحابة ومنزلتهم

يتناول المقطع أهمية ذكر فضائل الصحابة ونشرها بين المسلمين، ويشير إلى منزلة الصحابة ومكانتهم عند الله تعالى كما ورد في القرآن الكريم وأقوال الصحابة.

منزلة الصحابة وثناء الله عليهم

يُثني الله تعالى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، ويذكر صدقهم وإخلاصهم، ويُبيِّن أنهم حزب الله المفلحون وسبيل الهداية لمن تبعهم.

موقف أهل السنة من الطعن في الصحابة وأهمية المصادر الموثوقة

يُبين المقطع موقف أهل السنة من الفرق التي تتهم الصحابة وتطعن فيهم، ويرد على شبهاتهم، ويؤكد على أهمية الرجوع إلى المصادر الموثوقة لمعرفة أحوال الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

الحكومة والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقلوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. نحمد الله جل وعلا الذي أنشأ لنا مثل هذه المجالس، وجزى الله خيرا القائمين على هذا المسجد على حسن ظنهم بإخوانهم في إقامة هذه المحاضرات، وذلك من باب التعاون على البر والتقوى والتناصح. موضوع المحاضرة كما أعلم هو فضائل الصحابة، ففي هذا المقام نشرح ألسنتنا ونعقب أسماعنا ونطيب خواطرنا ونشرح صدورنا بذكر شيء من فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. هؤلاء القوم وهذا الجيل الذي له حق على كل من أتى بعده من الدعاء لهم وذكرهم ومآثرهم ونشر ذلك بين أوساط المسلمين. كان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله تعالى يتداولون فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمون أولادهم ذلك كما يعلمونهم القرآن، حتى قال بعضهم: كانوا يعلموننا فضائل الصحابة كما يعلموننا القرآن. وذلك لأهمية هذا الأمر، خاصة في هذه الأزمنة التي قويت فيها الحملات الشرسة من قبل أعداء هذا الدين من الداخل والخارج. فمن الحق الواجب لهم علينا أن نذكر فضائلهم بين الفترة والأخرى وننشر ذلك في أوساط المسلمين. فهم حملة الشريعة ونقلة هذا الدين، نقلوا هذا الدين بدلوهم وفي نقله إلينا وإيصاله إلينا أرواحهم وأموالهم، وبدلوا الغالي والنفيس في تعلمه وتعليمه وتحمله حتى وصل إلينا هذا الدين. قال عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: من كان مستن فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا يأمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أضبط هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإقامة دينه. قال عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أيضا: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل قلوب العباد فاصطفاهم لنفسه واجتباهم لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير القلوب فاختارهم وزراء لنبيه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأى المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ. من أعظم فضائل الصحابة كما ذكر في كتاب الله جل وعلا أن الله جل وعلا رضي عنهم، قال جل وعلا في كتابه الكريم: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا. وهذه بيعة الرضوان التي كان فيها عدد كبير من الصحابة. قال جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما في البخاري: كنا 1400، وفي لفظ كنا 1500. فهذا العدد الغفير من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم أجمعين، وقد رضي الله جل وعلا عنهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم. فالله جل وعلا أطلق الرضا لهم، وأما من جاء بعدهم فالشرط في حقهم الاتباع بإحسان. قال جل وعلا في كتابه الكريم: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. فالله جل وعلا زكاهم وذكر صدقهم مع الله جل وعلا، فإنهم لم تأخذهم في الله لومة لائم، ومنهم من قتل أباه ومنهم من قتل أخاه، وذلك لعظيم الولاء والبراء عندهم لله سبحانه وتعالى. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ورضوان من الله أكبر ذلك الفوز العظيم. فإذا رضي ربنا جل وعلا عن العبد فهذا من أعظم السعادة، ومن أفضل الأمور. في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يبيض وجوهنا ألم يدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ثم تلا هذه الآية ورضوان من الله أكبر. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما. وقال جل وعلا: والذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم لهم مغفرة وأجر عظيم. ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا في الجنة، نشهد لهم بعموم النصوص، ومن جاء في حقهم نصوص خاصة نشهد لهم على وجه الخصوص. كذلك الله سبحانه وتعالى أثنى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما زكاهم ظاهرا وباطنا، قال جل وعلا في كتابه الكريم: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. قال جل وعلا في كتابه الكريم: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. فالله جل وعلا في هذه الآيات أثنى على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وزكاهم باطنا وظاهرا، وأن تلك السيماء على وجوههم فيها الصدق والإخلاص لله سبحانه وتعالى. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: بلغنا عن النصارى الذين رأوا الصحابة الذين فتحوا بلاد الشام كانوا يقولون: هؤلاء أفضل من الحواريين. أي: أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا في كتابه الكريم: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. فأثنى الله جل وعلا على الذين خرجوا في غزوة تبوك وعامة الصحابة، إلا الثلاثة الذين تخلفوا نزلت توبتهم فيما بعد. قال جل وعلا في كتابه الكريم: وخذ جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. وأمر الله جل وعلا نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام بأن يصبر نفسه مع صحابته. قال جل وعلا في كتابه الكريم: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق. فمن كان إيمانه موافقا لإيمان الصحابة فذلك هو المقبول عند الله جل وعلا. في حديث الافتراق أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، سئل النبي عليه الصلاة والسلام من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة. وفي لفظ قال عليه الصلاة والسلام: هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم لهم فضائل كثيرة، ومنها ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما جاء في الصحيحين حديث عمران بن حسين وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: النجوم أمنة لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون. في حديث معاذ رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ظهرت الفتن، منها الردة في عهد أبي بكر، ومنها ما وقع في عهد عثمان وعلي رضي الله عنهم، وظهور الفرق المختلفة كالخوارج والروافض. قال عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: إذا لقيتم هؤلاء القدرية فأعرضوا عنهم، فإنهم زنادقة. وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: من نطق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة فهو صاحب هوى. الفرق التي تدعو إلى الطعن في الصحابة وتجعل هذا دينا يتعبدون الله جل وعلا به هي أربع فرق: الروافض والخوارج والناصبة والمعتزلة. لهم قواعد يسيرون عليها، منها أن الصحابة وقعت منهم معاص، وأن القرآن لم يزكي جميعهم، وأن لو قلنا بأنهم كلهم عدول على زعمكم أهل السنة، إذن يترتب على ذلك أنهم كلهم في منزلة واحدة. قال علماء أهل السنة رداً على هذه الشبهات: ليس هناك تلازم بين العدالة وبين العصمة، فالصحابة بشر يصدر منهم الهفوات والزلات، ومع ذلك قد تاب الله جل وعلا عليهم. الصحابة كلهم عدول، وأما التفاضل في الرتب فهو أمر آخر، فهم يتفاوتون في الرتب، أما في العدالة فكلهم سواء. في حديث الحوض الذي رواه البخاري قال عليه الصلاة والسلام: يرد علي رجال أعرفهم ويعرفونني يذادون عن الحوض يمنعون عن الحوض فأقول أصحابي أصحابي فيقال يا محمد إنك لا تدري ما أحدث بعدك. قال علماء أهل السنة: قول النبي أصحابي أصحابي يعمل على محامل، منها أن هؤلاء من كان من أهل النفاق، أو من ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. في قوله تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما. قال المبتدعة: إن كلمة "منهم" للتبعيض، أي: أن بعض الصحابة لهم الأجر العظيم والبعض الآخر ليس لهم ذلك. فرد علماء أهل السنة: كلمة "من" هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض. عليك يا عبد الله أن تحسن الظن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تعتقد بأنهم عدول، وأن تكف عما شجر بينهم. في الفتن التي وقعت بين الصحابة، مثل ما دار بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، يجب عليك أن تحسن الظن بهم، وأن تعلم أنهم اجتهدوا فيما وقع بينهم. يجب عليك أن ترجع إلى المصادر الموثوقة في معرفة أحوال الصحابة، ولا تأخذ من الكتب التي فيها طعن فيهم أو أخبار كاذبة عنهم. أسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا وأن يهدينا سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.