قبس من السيرة النبوية  32

قبس من السيرة النبوية 32

الدرس في قبس من السيرة النبوية 32، تابع الحوادث التي تتعلق ببعثته عليه الصلاة . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نزول الوحي والجمع بين العزلة والخلطة

يتحدث عن نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ومسألة الجمع بين العزلة والخلطة مع الناس، حيث يختلف استحباب كل منهما باختلاف الشخص وقدرته على مواجهة الفتن. كما يستفاد من الحديث وصف عائشة لتأثير الوحي على النبي.

دعم أهل البيت للنبي في مواجهة الوحي والتحديات

يصف شدة الوحي على النبي ودور زوجته خديجة في دعمه وتثبيته، مشيراً إلى أهمية دعم أهل البيت للشخص الذي يواجه التحديات في سبيل الدعوة. يُبرز موقف خديجة كدليل على فضل حسن الخلق وتمكين الله لصاحبه.

أهمية حسن الخلق في نيل تمكين الله

يُظهر أهمية حسن الخلق في نيل تمكين الله في الدنيا والآخرة، مستشهداً بموقف السيدة خديجة مع النبي. يُبين أن حسن الخلق يقي من مصارع السوء ويجلب السعادة في الدنيا والآخرة.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه، ويُظهر تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى. يُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، نواصل -إخواني في الله- فيما تم ذكره في درس أمس عما يتعلق بحديث الغار، والفوائد المستفادة من ذاك الحديث، في قصة لقياه عليه الصلاة والسلام لجبريل لأول وهلة ولأول مرة في غار حراء. فكان الكلام عما يتعلق بالرؤية الصالحة، أو ما تسمى بالرؤية الصادقة. ثم كان الكلام كذلك على هذه الآيات، والتي تعتبر من أول الآيات نزولًا على نبينا عليه الصلاة والسلام، وفيها أهمية العلم، وكذلك فيها الخلوة والفائدة منها، حيث إن نبينا عليه الصلاة والسلام قد حببت إليه الخلوة قبل أن ينزل عليه الوحي. وذكرنا ما يتعلق بفوائد الخلوة، ومنها كذلك استفاد العلماء بمشروعية العزلة باعتزال الناس وتركهم بما هم عليه من فساد. وهذا قد يشكل عند بعض الناس أن يسمع ويرى من بعض العلماء من يرى مشروعية العزلة، بالمقابل يرى تلكم الأحاديث القاضية بخلطة الناس بالمخالطة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». فهذا فيه استحباب المخالطة، وبالمقابل هناك أحاديث فيها استحباب العزلة، وأن الرجل يذهب إلى شعف الجبال يفر بدينه من الفتن. فقال علماء الجمع بين أطراف الحديث: بينما يتعلق باستحباب الخلطة وباستحباب العزلة، أن هذا يرجع إلى الشخص، ويرجع كذلك إلى المجتمع والبيئة. فإن كان الشخص يرى من نفسه الضعف، حيث إنه إذا خالط المجتمع يتأثر في دينه ويضعف في تدينه، وأنه لا يمكن أن يجابه المجتمع بما فيه من فساد، فهذا الأصلح له والأولى أن يعتزل الناس. وأما إن وجدت -يا عبد الله- من نفسك القوة؛ لأنك تدفع عن نفسك، وأن تنفع غيرك دعوة ونصيحة وإرشادًا وتربية، وكذلك دلالة على الخير، وجدت من نفسك منفعة للغير، فالأولى والأفضل أنك تعاشر الناس. وبهذا تجتمع الأدلة بين العزلة وبين الخلطة. وكذلك مما يستفاد من هذا الحديث -إخواني في الله- في وصف عائشة رضي الله تعالى عنها لضم جبريل عليه السلام لنبينا عليه الصلاة والسلام، حيث إنه ضمه إليه ضمًا شديدًا. وفي هذا دلالة على شدة الوحي، وعلى شدة تأثيره على نبينا عليه الصلاة والسلام. فإن الوحي إذا أتى، وإذا نزل على نبينا، فإن نبينا عليه الصلاة والسلام يلاقي منه الجهد، ويلاقي منه التعب. بل جاء في الصحيح أن من صور الوحي أنه يأتيه مثل صلصلة الجرس حتى يغمى عليه، عليه الصلاة والسلام، من شدة ما يجد من ثقل هذا الوحي. بل جاء في بعض الروايات أن نبيًا لو ربما يكون في مجلس، وركبته في المجلس، لضيق المجلس، لربما تقع ركبته على ركبة رجل بجواره، فينزل عليه الوحي وهو على هذه الهيئة. فيروي الراوي: يقول الراوي أن ركبته تكاد أن تنفك لشدة وطأة ركبة نبينا عليه الصلاة والسلام. أي انظر حمل الوحي على نبينا يشتد على رسول الله، حتى إن من بجواره يجد شدة هذا الحمل. قال: «حتى ظننت أن وركي سينفك لشدة ماذا؟ اتكاء نبينا عليه الصلاة والسلام». وهذا كذلك فيه دلالة على أن الوحي شديد، وعلى أن الدعوة إلى الله جل وعلا شديدة. ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، فالوحي ثقيل، وما فيه ثقيل، وحمل ما في الوحي ثقيل. ولهذا عندما أمر ربنا جل وعلا نبينا بالدعوة إلى الله جل وعلا أمره بالصبر، بدأها بالدعوة وختمها بالصبر سبحانه وتعالى، لعلمه جل في علاه أن نبينا متى ما قام للناس بشيرًا ونذيرًا فإنه سيلاقي بذلك العنت، وسيلاقي بذلك التعب والنكد. وهذا الذي جرى في سيرته عليه الصلاة والسلام. ولهذا ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، فالأمثل فالأمثل». ولهذا فليعلم أنه من سار على درب الأنبياء فإنه سيصيبه مثل هذا البلاء. من سار على درب الأنبياء سيصيبه مثل هذا البلاء. وكذلك -إخواني في الله- من فوائد هذا الحديث ما فيه من فضيلة خديجة رضي الله تعالى عنها، المرأة العاقلة الحصيفة. وجاءت في ذاتها الكثير والعديد من الأحاديث، الذي فيها أن الله جل وعلا بشرها ببيت في الجنة من قصر لا صخب فيه ولا نصب، وأنها من سيدات العالمين، رضي الله تعالى عنها وارضاها. لكن يفيدنا ونستفيد من هذه القصة ما كان من فعلها؛ لأن نبينا عليه الصلاة والسلام لما دخل عليها وهو على هذا الحال من الخوف ومن القلق، قامت ماذا؟ ووقفت بجانبه، قالت: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك... وإنك... وإنك». وذكرت من فضائله، وكذلك من محاسن أخلاقه عليه الصلاة والسلام. وهكذا فلتكن المرأة هكذا، فلتكن المرأة إن كان زوجها داعيًا، أو كان طالب علم، أو كان على علم، وكان على ثغر، لو ربما يجد في دعوته التعب والشدة والضيق والكآبة، فإذا دخل على أهل بيته، فليكونوا على هذا الحال، يقفون بجانبه، يعزون عنه هذه المآسي، يذكرونه بالعواقب الحميدة، ويهونون ما به نزل من ألم ومن ضيق. لا على ما عليه كثير من نساء هذا الزمان، إذا خرج أو جاء زوجها وهو داعٍ أو قل كذلك: مسلم، يجد من هذه المجتمعات شيء من الضيق، وكذلك شيء من الجفاء، فيدخل على أهل بيته، فإذا بهم عليه ليسوا معه. قد أخبرنا: «كن مع الناس»، ليش هذا التعنت؟ لماذا هذا اللباس؟ لماذا تماشي فلان، فلان من الأخيار؟ افعل مع الناس، دعك من هؤلاء. فتقف المرأة عليه لا تقف معه، هذا ما ينبغي، هذا ليس من موقف المؤمنين، أو كذلك من مواقف المؤمنات. وإنما المؤمنة الصادقة في إيمانها أنها تقف مع زوجها، تقف لا تخزله في مثل هذه المواقف. جاء نبينا عليه الصلاة والسلام خائفًا قلقًا، فإذا بخديجة تطمئنه: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم» إلى آخر ما ذكرت، رضي الله تعالى عنها. وكذلك في هذا الحديث -إخواني في الله- فضائل، أو فضيلة حسن الخلق. فإن من فضائل، ومن الكرامات الذي ينالها من حسن خلقه أن الله جل وعلا ينصره، وأن الله جل وعلا يجعل له التمكين في الدنيا والآخرة، يجعله التمكين في الدنيا والآخرة. إذا ربيت نفسك -يا عبد الله- على الأخلاق الحميدة، بالعفو والصفح والإحسان، وبذل الندى وطلاقة الوجه، وتباشر الناس بكل معروف، وتعاشر بكل خير وبر، فإذا كان هذا ديدنك في دنياك -يا عبد الله- اعلم بأن الله سيمكنك في الدنيا، إما تمكين مادي حسي، أو تمكين معنوي في قلوب العباد، يكون لك الاحترام، يكونون لك التبجيل، لما وصلت به -يا عبد الله- من الأخلاق الحميدة. انظر كيف استفادت خديجة رضي الله تعالى عنها بأن نبينا عليه الصلاة والسلام، الحق لم تعرف شيئًا إلا ما كان من خلاله، وما كان من أخلاقه. قالت: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا». كيف عرفت خديجة بأن الله جل وعلا لن يخزي محمدًا؟ لم تظهر له النبوة، لم تعرف له رسالة. كيف عرفت؟ بأخلاقه. قالت: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق». ذكرت من أخلاقه ما فيه دلالة على أن هذا الصد يمكنه الله جل وعلا في الناس، في قلوبهم، وكذلك في بلدانهم. «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا». ولهذا قال إمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم عند هذا الحديث: «قالوا في ذلك دلالة على أن حسن الخلق وخصال الخير تقي صاحبها من مصارع السوء». تقيك من مصارع السوء. إذا أردت أن ماذا؟ تنعم بحسن خاتمة، وتريد أن الله يمكنك في البلاد وفي قلوب العباد، وأن تكون لك السعادة في الدنيا والآخرة، فما عليك -يا عبد الله- إلا أن تحسن من أخلاقك. كن كما كان عليه صلوات ربي وسلامه عليه، من نشر الخير لجميع الناس، تقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتحمل الكل، إلى آخر ذلك. ولو أطلت عليكم -إخواني في الله- فهذه إشارة سريعة، وتنبيه لأهم الإشارات أو المعالم المذكورة في هذا الحديث. وسيأتي كذلك بقية لهذا الحديث من فوائد، يأتي ذلك في حينها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.