الدرس في شرح الشمائل المحمدية 52، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبين المقطع الفرق بين تطيب الرجال والنساء في الإسلام، حيث يتطيب الرجال في المجالس والأعياد بينما تمتنع النساء عن التطيب عند الخروج، كما يصف كلام النبي ﷺ بأنه كان مفصلاً غير مسرد، قليلاً محفوظاً، جامعاً للمعاني، داعياً إلى الاقتصاد في الكلام.
كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم واضحاً فصلاً غير ملتبس، قليل الكلمات بحيث يستطيع المستمع عده وحفظه، ولم يكن يسرد الحديث استعجالاً بل يتكلم روياً ليفهمه جميع الناس، وقد ردت عائشة رضي الله عنها على أبي هريرة مبينة أن كلامه كان بيناً محسوباً.
يشرح المقطع أن النبي ﷺ كان يعيد الكلمة ثلاث مرات ليفهمها الحاضرون مستدلاً بحديث أنس بن مالك، ويناقش العلماء حكم التكرار في التعليم مؤكدين أنه مطلوب في الكلام المهم، وأن البخاري بوب عليه للرد على من كرهه، مبيناً أن التكرار يراعي تفاوت الأفهام وقد يكون لبيان ما أشكل أو للإبلاغ في التعليم والزجر في الموعظة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في باب الشمائل، باب ما جاء في تعطر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه الصلاة والسلام قال: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه». والحديث صحيح، رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث فيه التفريق بين طيب الرجال وطيب النساء، وأن الرجال يتطيبون في غالب أحيانهم في بيوتهم وفي مساجدهم، ويتأكد ويستحب في الأعياد والجمع، وكل ما كان فيه اجتماع مع المسلمين. وأما النساء، فإنها لا تتطيب إذا خرجت، سواء خرجت إلى المسجد، أو خرجت كذلك إلى السوق أو نحو ذلك؛ فإنها إن خرجت من بيتها لا تتطيب، لأنها لو تطيبت وشم ريحها الرجال، فإنها تعتبر زانية، عياذاً بالله، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولها أن تتطيب في بيتها عند زوجها لما شاءت، وإذا أرادت الخروج أن تغسل ذلك الطيب. قال الترمذي رحمه الله تعالى: باب كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يعني: كيف كان صفة كلامه؟ هل كان عليه الصلاة والسلام عندما يتكلم يسرد الكلام، بمعنى يستعجل فيه ويتابع الكلام، أم أنه كان عليه الصلاة والسلام يفصل كلامه بجمل ويتأنى فيه؟ فهذا المراد من باب كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضاً كان كلامه صلى الله عليه وسلم قليلاً، حتى لو عده العاد لأحصاه، يعني ممكن أن يحصى في المجلس الواحد كم جمل تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ما كان عليه الصلاة والسلام يكثر الكلام. ولهذا تجد الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ربما تكون كلمتين، ربما تكون كلمتين: «لا يدخل الجنة نمام»، «لا يدخل الجنة قتات»، وهكذا. «إن من الشعر لحكمة»، مُطَوَّلات كلمات، أو كلمتان من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحوي المعاني الكثيرة، لأنه أوتي جوامع الكلم. وهكذا المتكلم ينبغي له أن يقصر من الكلام، ولا يكثر الكلام، لأن الكلام محسوب على الإنسان، كلما كثر الكلام كثر السقط من ذلك الإنسان، وكلما قل كلامه كان محموداً. قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا حميد بن مسعدة البصري، وهو صدوق، قال: حدثنا حميد بن الأسود، وهو صدوق يهم قليلاً، قال: عن أسامة بن زيد، وهو الليثي، صدوق يهم، قال: عن الزهري، وهو محمد بن مسلم، الشهير بالزهري؛ لأن نسبه إلى عبد الرحمن بن عوف الصحابي الجليل، وهو من بني زهرة. قال: عن عروة، وهو ابن الزبير، ولقب بالصابر المحتسب لما قد ابتلي به، عليه رحمة الله، حيث مات أحد أولاده فصبر واحتسب، وقطعت رجله كذلك في ذلك اليوم فصبر واحتسب، فسمي ولقب بالصابر المحتسب. وجزع وما قنط، ولكنه استرجع وحمد الله سبحانه وتعالى على تلك المصائب، وهو كثير الرواية عن خالته عائشة رضي الله عنها. قال: عن عائشة، وهي أم المؤمنين الطاهرة العفيفة المبرأة من رب العالمين، وقد قذفها المنافقون في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفضحهم الله. وهكذا الرافضة، قبحهم الله، يسبون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. ومن سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها واتهمها، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لأن براءتها قد جاءت في القرآن، فهو مكذب لكلام الله سبحانه وتعالى. وهي زوجة رسول الله عليه الصلاة والسلام في الدنيا، وأيضاً في الآخرة، وهي أيضاً أحب النساء إليه، وأعلم النساء، أعلم أزواجه بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة في بيته، وروت الكثير عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث. قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه». هذا هو حال النبي عليه الصلاة والسلام، يتكلم بكلام بين، أي واضح، ما فيه خفاء ولا لبس، واضح كلام بين فصل، قاطع حجة، مباشرة، يفهم منه الشخص قول النبي عليه الصلاة والسلام كذا، يفهم منه كذا، ويخرج وهو فاهم، لأن كلامه عليه الصلاة والسلام كان بيناً فصلاً. وكان أيضاً قليلاً، بحيث أن الواحد يستوعب من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وربما أطال عليه الصلاة والسلام أحياناً، فيه القطبة، كما جاء في الحديث الذي فيه أنه خطبهم من بعد صلاة الفجر إلى الظهر، ثم صلى، ثم خطبهم من بعد الظهر إلى العصر، ثم صلى، ثم خطبهم إلى المغرب. وهذا لا شك أن فيه خطبة طويلة، ولا يستطيع الإنسان أن يحفظ كل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الصحابة قالوا: حفظ منا من حفظ، أي من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، فما من شيء قال إلى قيام الساعة إلا وبيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الخطبة الطويلة. لكن كلامه عليه الصلاة والسلام ما كان سرداً متتابعاً، وإنما كان بيّناً فصلاً. يقول الحافظ رحمه الله تعالى في معنى هذا الحديث، وهو قوله أو قول عائشة: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا»: قال: أن يتابع الحديث استعجالاً، بعضه إثر بعض، لئلا يلتبس على المستمع. وقال الطيبي: يقال: فلان سرد الحديث، إذا تابع الحديث بالحديث استعجالاً. وسرد الصوم، وسرد الصوم تواليه، يقال: فلان سرد الصوم، أي تابع الصوم يوماً بعد يوم. قال: يعني لم يكن حديث النبي عليه الصلاة والسلام متتابعاً بحيث يأتي بعضه إثر بعض فيلتبس على المستمع، بل كان يفصل كلامه، لو أراد المستمع عده لأمكنه، فيتكلم الكلام بكلام واضح مفهوم في غاية الوضوح والبيان. وهذا الحديث الذي بين أيدينا، وحديث عائشة قالته رضي الله عنها رداً على من رد على صحابي جليل كان يحدث بحديث كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أبو هريرة. جاء مرة إلى حجرة عائشة، يعني من وراء الحجرة، فقال: «يا ربة الحجاب، اسمعي»، وسرد أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. من أحفظ الصحابة على الإطلاق أبو هريرة، أبو هريرة، كما قال المهاجرون والأنصار: كانوا في الأسواق، أو كانوا في أعمالهم، لكن هو كان ملازماً للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان أيضاً أشد الناس حفظاً، وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو أراد أن يذكرها ما نسيت، أو أراد أنه يعطيها من الحديث الذي لم تسمعه ولم تشهده، فلهذا جاء إلى حجرتها محدثاً، فكان يسرد بعض الأحاديث، يذكر، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، واستمر. فبعد، بعدما انتهى وذهب، عائشة ماذا قالت؟ قالت لمن عندها في البيت: «أما أعجبكم من أبو فلان، أبو فلان؟» تقصد أبا هريرة رضي الله عنهم. قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أو قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا»، يعني ترد على أبي هريرة، «وإنما كان يتكلم بكلام بين فصل»، حتى قالت: «لو عده العاد لأحصاه». لو عده واحد، كم كلمات ممكن يعدها بأصابعه، ويقول: اليوم تكلم النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الدرس مثلاً، أو هذه الموعظة، بعشرين كلمة، أو بعشرين كلمة ممكن أن يعدها، لو عده العاد لأحصاه. وهذا من النبي عليه الصلاة والسلام شفق ورحم بأمته، وهو كيف يعلم أيضاً المخاطبين، هؤلاء المخاطبون تختلف درجاتهم، فمنهم الذي يحفظ بسرعة، ومنهم من هو أقل حفظاً، ومنهم الذي هو يفهم بسرعة، ومنهم من هو أقل فهماً. ولهذا كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم بيناً واضحاً فصلاً، وأيضاً لم يكن يسرد، بمعنى يستعجل الحديث، وإنما كان يتكلم، كما يقال عندنا: حبة حبة، يعني يتكلم روياً روياً صلى الله عليه وسلم، من أجل أن يفهمه الناس، لأنه معلم. وهكذا على المعلمين، وأخذ الشراح والعلماء من هذا فائدة: أن المعلم ينبغي عليه أن يتأنى في كلامه ليفهمه السامعون والحاضرون، وخاصة المحدثون في ذلك الزمان، الذين كانوا يقرؤون الناس، وكانوا أيضاً يحدثون حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حفظهم، ربما ما عنده كتاب، يأتي حافظ من الحفاظ الكبار الذي يحفظ الأسانيد ويحفظ أيضاً المتون، فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، والناس يكتبون، فلو كان مستعجلاً ويسرد، لما لحقه كثير من الطلبة، وإنما قالوا: ينبغي أن يكون حديثه كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن يحيى، وهو الذهلي، وهو إمام ثقة حافظ، وكان شيخ البخاري رحمه الله، قال: حدثنا أبو قتيبة سلمة بن قتيبة، وهو صدوق، عن عبد الله بن المثنى، صدوقنا أيضاً، قال: عن ثمامة، وهو صدوق، وعبد الله بن المثنى ربما كذلك كان كثير الغلط. قال: قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه». وهذا حديث آخر يضاف للحديث المتقدم، أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم من صفاته في الكلام أنه يعيد الكلمة ثلاث مرات. وهل هذا في كل كلام؟ الجواب: لا، وإنما في الكلام الذي يراه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مهماً، وأن الناس ينبغي أن يعقلوه ويعوه، فربما كرر الكلمة ثلاثاً، يكررها ثلاثاً لتفهم ولتعقل عنه، لأنه ما بعد الثلاث شيء. لما يكرر الواحد عليك الخطاب أول مرة، ربما ما يكون عندك ذلك الاستيعاب، أو ما يكون عندك ذلك الفهم لتفهمه من أول مرة، أو ربما قد يكون عندك عدم شعور، كما يقال، بأهميته، تقول: ربما كلام عادي، لكن لما يكرر لك مرة ثانية، فإذا كرره المرة الثالثة، لا شك أنك ستفهم مراد المخاطب والمتكلم من هذا الكلام. هذا الحديث، حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، بَوَّبَ عليه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، قال: باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه. قال الحافظ: قال ابن المنير: نبه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كره إعادة الحديث، بعض كره: لماذا يكرر ثلاث مرات؟ ما في داعي. لكن البخاري أراد الرد على من كره ذلك، وأنكر على الطالب الاستعادة، وعده من البلادة، يعني قال: إذا كرر هذا، يكون الطالب هذا بليداً، يعني يكرر عليك ثلاث مرات وأنت لا تفهم، لا شك أنك بليد. وعندنا مثال مشهور تعلمونه: التكرار يعلم... هذا مثال نقول عند العامة، عند العامة، لكن التكرار مفيد، التكرار مفيد للإنسان، حتى أن البخاري رحمه الله تعالى كان يكرر الحديث في صحيحه، لو رأيتم ذلك، يكرر الحديث الواحد في عدة مواضع من صحيحه، يستشهد بكلمة منه على هذا الموضع، ثم يعيد في موضع آخر يستشهد منه بكلمة أخرى. اعترضوا فيه المكرر، كما نبهوا على أن مسلماً أفضل، يكرر الحديث، والبخاري يكرره، لكن رده: أن المكرر هذا يكرره البخاري لماذا؟ لفائدة في الحديث. قال: والحق أن هذا يختلف باختلاف القرائح، فلا عيب على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد، يعني أعاده مرة أخرى، ولا عذر للمفيد إذا لم يعد، بل إعادته عليها آكد من الابتداء، لأن الشروع مرزم. وقال ابن التين: فيه أن الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان. قال السندي: وهو محمول على الحديث المهتم بشأنه، هذا الحديث الذي هو أنه كان صلى الله عليه وسلم يكرر الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه. قال: هذا محمول على ماذا؟ الحديث المهتم بشأنه، وإلا لما كان لقول الصحابة في بعض الأحاديث: قاله مرتين أو ثلاث مرات، كثير وجه. وقال الخطابي: إعادة الكلام ثلاثاً، إما لأن من الحاضرين من يقصر فهمه عن وعيه فيكرره ليفهم، وهذا حاصل، الناس تتفاوت في الأفهام، والله عز وجل يؤتي فضله من يشاء في الفهم، فكان عليه الصلاة والسلام يكرر الحديث لأن بعض الحاضرين من يقصر فهمه، فلهذا يكرره لأجل أن يفهم. وإما أن يكون القول فيه بعض الإشكال، فيتظاهر بالبيان، عندما يكرره مرة أخرى، الشخص عندما يسمعه يقول: هذا ربما فيه إشكال، يدور الكلام في رأسه، فلما يعيده صلى الله عليه وسلم، يزول ذلك الإشكال، ويتضح له المعنى المراد من كلامه صلى الله عليه وسلم. وقال بعض الأئمة: أو أراد الإبلاغ في التعليم والزجر في الموعظة، وهذا أيضاً واقع في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ربما الم