شرح الشمائل المحمدية 68

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 68، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

صفة نوم النبي وآدابه

يصف المقطع كيفية نوم النبي صلى الله عليه وسلم على شقه الأيمن مع وضع يده تحت خده، وقراءته المعوذات والنفث في يديه ثم مسح جسده. كما يذكر دعاءه بالحمد لله عند أواه إلى فراشه واختلاف هيئته في النوم ليلاً وقبيل الفجر.

هدي النبي في النوم والقيام

يستعرض المقطع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في النوم خفيفاً مستيقظ القلب، والأذكار المشروعة قبل النوم كالمعوذتين وآية الكرسي. ويبرز شدة عبادته في قيام الليل حتى تورمت قدماه شكراً لنعم الله.

عبادة النبي شكراً لا طلباً للمغفرة

يبيّن المقطع أن مغفرة ذنوب النبي ﷺ جاءت ابتداءً من الله، فعبادته الشديدة كانت شكراً على النعمة لا خوفاً من العقاب. ويستدل العلماء بحديث «أفلا أكون عبداً شكوراً» على مشروعية تشديد العبادة شكراً لله بشرط عدم الملل.

ختام المحاضرة بالشكر والدعاء

يؤكد المتحدث أن شكر الله يتجلى في ازدياد العبادة، ويدعو الله أن يوفق الجميع لما يرضيه. ثم يختم بالحمد لله وشكر المشاهدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، ووقفنا عند آخر باب من هذا الكتاب: باب ما جاء في صفة نوم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا الباب ذكر الإمام الترمذي رحمه الله تعالى كيف كانت صفة نوم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. منها حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن، ثم يقول: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك». وكذلك أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه - يعني قبل أن يأخذ مضجعه ويضطجع على شقه الأيمن وينام - فكان قبل ذلك يجمع كفيه فينفث فيهما، ثم يقرأ بالمعوذتين و«قل هو الله أحد». يقرأ بالمعوذات الثلاث، فدخلت «قل هو الله أحد» سورة الإخلاص في المعوذتين من باب التغليب كما قال بعض العلماء. ثم بعد ذلك يمسح جسده ما استطاع من جسده، فيمسح وجهه ويديه وصدره، وهكذا يقبل بهما ويدبر. حتى بعد ذلك يصنع عليه الصلاة والسلام كما تقدم في حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما. فهذا من باب النفث، وكذلك قراءة المعوذتين و«قل هو الله أحد»؛ لأجل أن يكون المسلم ينام على ذكر الله سبحانه وتعالى، فهو ينام على طاعة، ينام على قراءة القرآن. ويستحب له قبل النوم الوضوء، فيتوضأ ويأخذ مضجعه ويقرأ هذه السور التي جاءت كما في الصحيح. والحديث قد ذكرنا أنه رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى. وهذا من باب الرقية أيضًا، أن المسلم يرقى نفسه، وأيضًا له أن يرقى بنيه ويعوذهما كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين. وأن يكون بكلام الله سبحانه وتعالى، أو بكلام مفهوم من كلام العرب؛ يعني الرقية تكون بالقرآن، وأيضًا تكون بكلام مفهوم، كلام عربي واضح مفهوم، كالأوراد النبوية التي وردت بعض الرقى فيها. وأيضًا أن لا يعتقد أنها مؤثرة بذاتها، وإنما بإذن الله سبحانه وتعالى، وأن المؤثر هو الله سبحانه وتعالى، وإنما ذلك من باب أخذ الأسباب المشروعة. وأيضًا جاء في هذا الباب حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم من لا كافي له ولا مؤوي». فيه الشاهد أنه يحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعم: النعم مثل الطعام والشراب، وكفاية الرزق والحفظ وغير ذلك، والمأوى حيث يأوي إلى فراشه بعد عناء وتعب، يأوي إلى النوم ويخلد إليه. فهذه نعمة من الله، وهو يذكر الله سبحانه وتعالى الذي هيأ له هذه الأمور. فكم من إنسان لا يجد الكفاية، وكم من إنسان لا يجد المأوى، ربما يباتوا في العراء في الصحراء، في الجبال، في الأودية، في الشعاب، في البحار، من نحو ذلك، ولا يجدوا الطمأنينة. فإذا أنت وجدت هذه الأمور قد تهيئت لك من الله سبحانه وتعالى، فعليك أن تحمد الله سبحانه وتعالى. فهذا من باب الشكر باللسان، الشكر بأن تشكر الله سبحانه وتعالى بهذا الذكر حال النوم. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه وأخذ مضجعه أيضًا قال هذا الدعاء: «الحمد لله الذي كفانا - أو أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا - فكم من لا كافي له ولا مؤوي». والحديث أيضًا قد رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. وذكر المؤلف أيضًا حديث أبي قتادة والحارث بن ربعي رضي الله تعالى عنهما، وهو من فرساني النبي عليه الصلاة والسلام، شهد أحدًا والحديبية مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عرّس بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرّس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه. هذه الهيئة وهي هيئة نصب الذراع؛ لكي لا يستغرق في النوم؛ لأنه قبيل الفجر. بخلاف وضع الكف تحت الخد والاضطجاع إذا كان الوقت متسعًا وطويلًا، بحيث الشخص يخلد إلى النوم، فإن فيه استغراق في النوم عندما يضطجع على شقه الأيمن. ولكن إذا كان هناك وقت يسير ولحظات قبيل الفجر، فإن من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه ينصب ذراعه حتى لا ينام ويخلد إلى النوم. وقد جاء كما هو معلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام نام، كما في قصتهم في أحد الغزوات، نام عليه الصلاة والسلام، وكان بلال تلك الليلة حارسًا ولكنه نام أيضًا. نام بلال، والنبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة ناموا، ثم بعد ذلك استيقظ عليه الصلاة والسلام بعدما طلعت الشمس. فهذا يصيب البشر، لكن قلبه عليه الصلاة والسلام لا ينام. فهو إن نام كنوم البشر، ولكن قلبه لا ينام. عينه تنام، كما سيأتي إن شاء الله في باب كيف كانت عبادة النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الباب، أنه قال لعائشة: «تنام عيني ولا ينام قلبي». لما سألته: كيف تنام يا رسول الله قبل أن توتر؟ قال: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي». يعني أنه قد ينام عليه الصلاة والسلام، لكن قلبه لا ينام؛ لأن الوحي ينزل عليه، الوحي ينزل عليه، فهو عليه الصلاة والسلام مستيقظ ومنتبه لذكر الله سبحانه وتعالى. فالشخص ينبغي له أن يتخذ الأسباب المشروعة للاستيقاظ لصلاة الفجر. فانظروا حال النبي عليه الصلاة والسلام عندما يكون هناك وقت يسير للنوم، يعني لصلاة الفجر، ما يجعل نومه ثقيلًا، كبعض الناس أنه يجعل الأمور عادية عنده، سواء كان بقي لحظات من الفجر أو بقي ساعات من الفجر، ما يهمه ذلك أن يستيقظ للصلاة. لكن من كان حريصًا على أداء الصلاة في وقتها وفي جماعة، فإنه سيتخذ الأسباب المشروعة. أقل شيء لم يكن عنده منبه، سيجعل من أهله من يوقظه لصلاة الفجر. ولم تكن هناك منبهات يعني في الزمن الذي كان فيه النبي عليه الصلاة والسلام، كالساعات هذه الآن وغيرها من المنبهات أو غير ذلك، إنما كان الصارخ وهو الديك. كان هناك الديك، والنبي عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة: كان إذا سمع الصارخ قام. الصارخ هو الديك الذي يصرخ في تقريبًا يعني قبل الفجر، قبل طلوع الفجر، ربما في وقت الأذان الأول. وهذا مشهود ومعلوم حتى في زماننا هذا. لكن الآن أين ستسمع صراخ هذه يعني الديكة؟ ما يسمعها إلا القليل؛ لأنها لا تكاد تكون الآن موجودة إلا عند قليل من الناس. وأيضًا الزمن الأول كان الهدوء يسود، فربما يسمع الواحد الصارخ من بعيد، الصوت يسمعونه من بعيد. أما مع هذه الآن التي صارت الضوضاء الكثيرة، فإنه يصعب سماع ذلك. فالشاهد من هذا الحديث، حديث أبي قتادة رضي الله عنه، أن المسلم يتخذ الأسباب المشروعة لقيامه لصلاة الفجر، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا عرّس قبيل الفجر، فإنه لا يضطجع ذاك الاضطجاع الذي يجعله يستغرق في النوم، وإنما ينصب ذراعه ويضع خده على كفه، حتى يكون منتبهًا للأذان، منتبهًا للمؤذن ونحو ذلك. هذا ما جاء في الباب: باب كيف كانت صفة النوم، نوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يستخلص من هذه الأحاديث استحباب الطهارة قبل النوم، والذكر قبل النوم، النفث وقراءة المعوذتين و«قل هو الله أحد»، «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك»، والدعاء الآخر في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم من لا كافي له ولا مؤوي». ثم يضطجع على شقه الأيمن، ويضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن. وهكذا جاءت أحاديث أخر غير ما ذكره الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في الشمائل، جاءت في غيرها من الأحاديث أيضًا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قراءة بعض الآيات كآيتين من آخر سورة البقرة ونحو ذلك. يشرع أن يقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة. وأيضًا جاء كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: قراءة آية الكرسي، يقرأها قبل النوم. والنبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي هريرة: «صدقك وهو كذوب». فهذا من باب الحفظ، أن الله عز وجل يحفظك في نومك، ولا يتلاعب بك الشياطين في الأحلام المزعجة ونحو ذلك. فالمسلم إذا حافظ على هذه، حفظه الله سبحانه وتعالى وكفاه. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: باب ما جاء في عبادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يعني كيف كانت عبادته؟ عبادته كانت عليه الصلاة والسلام أكمل العبادات، وحاله عليه الصلاة والسلام أكمل الأحوال. فلن يبلغ أحد من بعده عليه الصلاة والسلام، ولن يقوم أحد مقامه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وستسمعون في الأحاديث كيف كانت عبادته عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وبشر بن معاذ، قال: حدثنا أبو عوانة، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه. فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». هذا الحديث متفق عليه، متفق عليه. قد ذكره الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التهجد، وأيضًا الإمام مسلم رحمه الله تعالى ذكره في صحيحه. فانظروا كيف عبادته عليه الصلاة والسلام: يصلي ويقوم من الليل حتى تتفطر، وتتفطر يعني تتشقق. وجاء في بعض الروايات: تتورم، حتى تورمت قدماه كما في حديث أبي هريرة. يعني تتورم، فإذا تورمت تشققت. فهذا حاله عليه الصلاة والسلام في العبادة. ابن مسعود رضي الله عنه لما دخل مع النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، وقرأ بسور كبيرة وأطال الصلاة، قال: لقد هممت بأمر سوء، إلهي، وما هممت. قال: هممت أن أدعه، يعني يترك النبي عليه الصلاة والسلام يصلي ويترك الصلاة معه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه شق عليه. وهم صحابه رضي الله تعالى عنهم. انظروا صحابه يقول: هممت بأمر سوء، وصلى خلف النبي عليه الصلاة والسلام. فمن ذا يطيق هذه الصلاة غيره عليه الصلاة والسلام؟ ثم يسأل: لماذا يا رسول الله تتكلف هذا، والله عز وجل قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ يقول لهم: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». في بعض الروايات: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا». هناك أيضًا من العبادات العظيمة: عبادة الشكر. عبادة الشكر وهو أن الله عز وجل إذا أنعم عليك بالنعم، فإنك تزيد له شكرًا بماذا؟ بالطاعة. تزيد له شكرًا بالطاعة. وغفران الذنوب للنبي عليه الصلاة والسلام فضل ومنه من رب العالمين، عليه فضل ومنه، لا بسبب كثرة ذنوبه عليه الصلاة والسلام كما عند الآخرين، كما عند غيره. مثلا عنده ذنوب، عنده كذا، يصلي من أجل أن تغفر ذنوبه. فبعض الناس يستجيد من الطاعة، عنده معاصي، عنده ذنوب، عنده كذا، يستشعر أنه عنده ذنوب، عنده تقصير، عنده أسباب تجعله يستكثر من الطاعة، ومنه مثلا الصلاة، ويشق على نفسه العبادة لأجل أن ينال الرحمة والمغفرة من الله سبحانه وتعالى. لكن المغفرة والرحمة من الله لنبيه عليه الصلاة والسلام جاءت ابتداء، جاءت ماذا؟ ابتداء. فيقول لهم عليه الصلاة والسلام: هذا الغفران من الله عز وجل والرحمة لي، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، لا تحتاج إلى عبادة، تحتاج إلى شكر. وهناك عبادات عظيمة جليلة، منها هذه العبادة. وذكر الحافظ رحمه الله أن الفاء في قوله «أفلا» للسببية. الفاء للسببية، يعني بسبب غفران الذنوب أنا أعبد الله عز وجل هذه العبادة التي ربما أنتم ما تستطيعون لها. أنتم ما تستطيعون لها: يقوم حتى تتفطر قدمه، حتى تتشقق وتتورم. من حبه عليه الصلاة والسلام، أحد يطيق ذلك؟ الجواب: ما يطيق أحد ذلك. وهو عليه الصلاة والسلام يحب الصلاة، كما جاء في بعض الأحاديث أنه قال عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». يعني يحب أن يصلي لله سبحانه وتعالى. قال الحافظ: والفاء في قوله «أفلا أكون» للسببية، وهي عن محذوف، تقديره: أأترك تهجدي فلا أكون عبدًا شكورًا؟ يعني لو تركت التهجد، أين أكون عبدًا شكورًا؟ والله وصف نوح عليه الصلاة والسلام بأنه كان عبدًا شكورًا. قال: والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرًا، فكيف أتركه؟ قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك؟ فضلًا عن من أنه استحق النار. يعني هذا إذا كان عليه الصلاة والسلام قد غفر له وفعل هذا، فكيف بمن لم يعلم أنه غفر له؟ فإنه من باب أولى أن يجتهد في العبادة. فكيف ممن عنده أشد وأشد، عنده ذنوب كبائر؟ فإنه ينبغي له أن يجتهد أكثر في عبادة الله عز وجل، عسى الله أن يغفر له. قال الحافظ: ومحل ذلك إذا لم يفضِ إلى الملال. لأن حال النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه. بل صح أنه قال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». خرج من حديث أنس وغيره. فإذا خشي الملل، لا ينبغي له أن يكره نفسه. وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا». فأخذ من هذا أن للشخص أن يشدد على نفسه في العبادة، ما لم يصل به إلى الملل. والنبي عليه الصلاة والسلام لا يمل من عبادة الله سبحانه وتعالى؛ لأن حاله أكمل الأحوال. لكن غيره ربما في بعض الأوقات يمل. لكن إن لم يجد الملل، فعليه أن يكثر من العبادة، سواء كان قراءة قرآن، أو كانت كذلك قيام الليل، كما كان السلف يقومون من الليل ويأخذون من الليل، وهكذا في سائر أنواع الطاعات. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه مشروعية الصلاة للشكر. وفيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. إذن من الشكر أيضًا الطاعات: الصلاة، الصدقة، يعني تكون عبادات فعلية، كما أنك أيضًا تقول الحمد لله وتشكر الله سبحانه وتعالى بلسانك، وتعترف بقلبك. أيضًا من الشكر أنك تعبد الله عز وجل وتقوم بعبادات فعلية شكرًا لله سبحانه وتعالى. قال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفًا من الذنوب وطلبًا للمغفرة والرحمة. فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك. فأفادهم أن هناك طريقًا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، وإسباغ النعمة لمن لا يستحق، عليه فيها شيئًا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك. والشكر: الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة. هكذا يقول القرطبي: بالشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة. فمن كثر ذلك منه سُمِّي شكورًا. فمن كثر ذلك منه سُمِّي شكورًا. ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. ما معنى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾؟ ربما يذكر الله بلسانه، يشكر الله بلسانه، لكن ما يقوم بالخدمة الواجبة عليه، والطاعة الواجبة عليه. الشكور هو من يقوم بالخدمة والطاعة الواجبة عليه، ويكثر من عبادة الله سبحانه وتعالى، فيسمى شكورًا. قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة العبادة، لعلهم لعلمهم بعظيم نعمة الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم. يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تراهم أكمل الناس عبادة، أكمل الناس عبادة في كل العبادات التي أمروا بها أقوامهم، فهم لا شك أنهم يؤدونها على أكمل وجه، وزيادة على ذلك. مع أن العباد لن يؤدوا شكر نعم الله سبحانه وتعالى، لكنهم علموا أن الله عز وجل ابتدأهم بالنعم، فأنزل عليهم الكتب، وهكذا أرسل إليهم الوحي، فهم يعبدون الله سبحانه وتعالى لعلمهم بعظيم نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم. وهكذا المسلم ينبغي عليه أنه يشكر الله جل وعلا على عظيم نعمه التي لا تعد ولا تحصى. فمن واجب الشكر أنه يزداد عبادة لله جل وعلا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. إلهنا، والحمد لله رب العالمين. شكرًا للمشاهدة.