الدرس في كتاب الصيام 5، ألقاها
يجوز للحامل والمرضع الفطر إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، وعليهما القضاء والإطعام في بعض الحالات. هناك خلاف بين العلماء في وجوب القضاء والإطعام أو الإطعام فقط أو التخيير بينهما.
ناقش المقطع أربعة أقوال في حكم الحامل والمرضع واستدل على الراجح منها بحديث أنس بن مالك الكعبي، كما تطرق إلى حكم العاجز عن الصيام ووجوب إطعامه بآية الفدية.
من أفطر في رمضان لعذر عليه القضاء فقط، بينما من أفطر بجماع عليه القضاء والكفارة. هناك خلاف حول ما إذا كان على من أفطر متعمدا بغير جماع القضاء أم يكفيه التوبة.
من أخّر الصلاة بدون عذر شرعي حتى خرج وقتها، فإنه يتحمل إثمًا كبيرًا ولا يكفيه قضاؤها لتبرئة ذمته. يُنهى بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في ذكره لمن يباح الفطر له: قال الثالث، الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا. والرابع، العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكين. ذكر رحمه الله النوع الثالث ممن يباح له الفطر، وهي الحامل والمرضع. فالمرأة إذا كانت حاملا أو كانت مرضعا، قد يصيبها التعب والمشقة بسبب الحمل أو الرضاع، فلذلك إذا خافت على نفسها جاز لها أن تفطر، أو خافت كذلك على جنينها أو مولودها، فلها أن تفطر. فيقول رحمه الله: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا. إذا خافت على نفسها امرأة حامل، خافت على نفسها أن تتضرر إن لم تفطر؛ لأن الجنين في بطنها يحتاج إلى غذاء، وإذا صامت قلّ عليه الغذاء، تضررت بذلك، تفطر لأجل ذلك. كذلك المرضع قد تخاف على نفسها إن صامت أن يصيبها الضرر؛ لأن الرضيع يرضع من ثديها ويحتاج إلى لبنها، فإذا صامت قلّ اللبن، فيصيبها الضرر والأذى من رضاعه منها، تفطر لأجل ذلك. فيقول: إذا خافت على نفسها أفطرت، وعليها القضاء. الحامل إذا خافت على نفسها، أو المرضع إذا خافت على نفسها أفطرت، وعليها ماذا؟ القضاء. وإذا خافت، وإذا خافت على ولدها الحامل أو المرضع، وأفطرت لأجله. امرأة حامل لم تخف على نفسها، لكن خافت على جنينها إن صامت أن يتعب ويتضرر، فأفطرت لأجله، جاز لها ذلك. أو المرضع التي ترضع ولدها، فتفطر لأجل رضيعها، لأجل رضيعها خوفا أن يصيبه الضرر، ويصيبه الجوع والتعب بسبب صيامها، فتفطر لأجل ذلك. قال: وإن خافت على ولديهما أفطرت وقضت وأطعمت عن كل يوم مسكين. والدليل على ذلك أثر ابن عباس عند أبي داود، أنه قال -رضي الله تعالى عنه- في قول الله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال: هي في الشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يطيقان الصيام، يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكين، وعلى الحامل والمرضع إذا خافت على ولديهما أفطرت وطعمت عن كل يوم مسكين. ورؤية هذا القول كذلك علي بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- كما رواه البيهقي وصححه العلامة الألباني -رحمه الله-. هذا قول في هذه المسألة في حكم الحامل والمرضع إذا أفطرت، فكما سمعنا هذا القول فيه التفصيل: بينما إذا أفطرت خوفا على نفسها، فلا يلزمها إلا القضاء، وإذا أفطرت خوفا على ماذا؟ جنينها أو ولدها، فيلزمها القضاء مع الإطعام، القضاء مع الإطعام عن كل يوم مسكين. وهنا قول آخر: أنه لا يلزمها إلا الإطعام فقط، ولا قضاء عليهما. القول الثاني: أنه يلزمها الإطعام فقط، وليس عليهما القضاء. واستدلوا بأثر ابن عباس؛ لأن أثر ابن عباس ليس فيه ماذا؟ ذكر القضاء، وإنما فيه ذكر الإطعام فقط. وقول ثالث: التخيير بين الإطعام والقضاء، إن شاءت أطعمت وإن شاءت ماذا؟ قضت. والقول الرابع: أنه لا يلزمها إلا القضاء فقط، سواء أفطرت خوفا على نفسها أو أفطرت خوفا على ولدها، فليس عليها إلا القضاء. ما هو الدليل؟ حديث أنس بن مالك الكعبي -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحامل والمرضع الصوم». فأخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة -يعني نصفها-، وهذا في الصلاة الرباعية، فإن في السفر تصلى ركعتين. قال: والصوم -يعني كذلك- أسقط عن المسافر الصوم، ومعلوم أن الذي يلزم المسافر إذا أفطر ما هو؟ القضاء، لا يلزمه إلا القضاء. ثم قال: وعن الحامل والمرضع الصوم، فهنا قرن ذكر الحامل والمرضع، وعطف عليهما بهذا الحكم عطفا على المسافر، ولا يلزم المسافر إلا القضاء، كذلك لا يلزم الحامل والمرضع إلا القضاء. وروي هذا القول عن ابن عباس -روي عن ابن عباس- كما في مصنف عبد الرزاق. وهذا القول الإمام أبي حنيفة -رحمه الله-، ورجحه جمع من التابعين، وهكذا أيضا قال به من العلماء المعاصرين العلامة ابن باز، والعلامة ابن عثيمين، وكذلك شيخنا الوادعي -رحمه الله ورحم الله الجميع-. إذا لا يلزم الحامل والمرضع إلا القضاء فقط. وقد يوجه ذكر الإطعام إذا استمر بالمرأة الحمل والرضاع، يعني ربما أن المرأة لا تستطيع القضاء لتتابع الحمل والرضاع عليها، مثلا امرأة حملت ثم ولدت، وما هي إلا أشهر وحملت مرة أخرى، وهكذا استمر بها الحمل والرضاع، ما استطاعت أن تصوم، ما استطاعت أن تصوم وأن تقضي ما عليها من الصيام، فهذه قد يقال في حقها أنها تطعم، أنها تطعم، ويكون حكمها حكم الشيخ الكبير والمرأة العجوز. ثم ذكر القسم الرابع ممن يباح له الفطر، وهو العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكين. الكبير في السن يعجز عن الصيام، ويشق عليه الصيام، فإنه يفطر، فإنه يفطر، سواء كان رجلا أو امرأة. وكذلك من عنده مرض لا يرجى برؤه، يعني لا يرجى شفاؤه، مرض من الأمراض المستعصية كمرض الكلى والكبد ونحوها من هذه الأمراض، فهذا ما يستطيع أن يصوم، ولا يمكن أن يقضي؛ لأنه ليس له الصيام، ولا يستطيع الصيام، فحكمه حكم الكبير الذي يفطر ويطعم عن كل يوم مسكين. ما هو الدليل على هذا؟ أثر ابن عباس الذي ذكر سابقا، استدل ابن عباس بقول الله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، هذه الآية هي في الأصل في ذكر التخيير في صيام رمضان في أول الأمر، أن من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم. فقوله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ يعني الذين يطيقون الصيام لكن يفطرون ولا يصومون، فدية عليهم بدل الصيام، فدية وهي طعام مسكين. فابن عباس استدل بهذه الآية على أن الكبير في السن الذي لا يستطيع الصيام ويعجز عن الصيام، عليه بدل الصيام الفدية. ووجه الاستدلال قال: أن الله جل وعلا جعل ما يقابل الصيام الفدية؛ لما كان الصيام على جهة التخيير، إما أن يصوم المسلم وإما أن يفطر ويفدي، يطعم عن كل يوم مسكين، فجعل الفدية في مقابل الصيام، فإذا عجز الإنسان عن الصيام يبقى ما يقابل الصيام وهو الفدية، يبقى ما يقابل الصيام وهو الفدية. وهذا من عظيم فقه ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-. وبهذا القول قال جمهور أهل العلم، قال جمهور أهل العلم: أن الكبير في السن، وهكذا المريض مرض لا يرجى برؤه، أن عليهما الإطعام بدل الصيام. وهذا القول قول الأئمة الثلاثة -رحمهم الله-، نعم، ورجحه كذلك جماعة من العلماء المتقدمين والمتأخرين. قال: الرابع، العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم أو يطعم عنه عن كل يوم مسكين. نعم، كما قلنا أن هذا القول هو الصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم. ثم قال: وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماع في الفرج، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينا، فإن لم يجد سقطت عنه. قوله: وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، يعني من أفطر لعذر، فليس عليه إلا القضاء. الحامل والمرضى إذا أفطرت، فعليها القضاء. المريض إذا أفطر، فعليه القضاء. المسافر إذا أفطر، فعليه القضاء. فهؤلاء ليس عليهم إلا القضاء. ويريد بقوله: لا غير، يعني لا يجب عليهم مع القضاء الكفارة، لا يجب عليهم كفارة إذا أفطروا، وإنما الكفارة -كما سيأتي- هي خاصة بمن جامع في نهار رمضان. وقوله: على سائر من أفطر القضاء، هل يشمل ذلك من أفطر متعمدا؟ إنسان أفطر متعمدا، أكل أو شرب فأفسد صومه، فهل يلزمه القضاء؟ قال بهذا جمهور أهل العلم، قالوا: عليه التوبة، وعليه القضاء؛ لأنه أفسد صومه، فعليه أن يقضي هذا اليوم. وقال جماعة من أهل العلم -كشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن حزم وغيرهم من المحققين- بأنه ليس عليه إلا التوبة، من أفطر في نهار رمضان متعمدا لغير عذر، فليس عليه إلا التوبة، ولا ينفعه القضاء، ولا ينفعه القضاء؛ لأن هذا أفسد صومه بلا عذر، وقد أخل بعبادته وأبطلها، فعليه أن يتوب لله جل وعلا، ولا ينفعه أن يقضي، لا ينفعه أن يقضي. مثله مثل من ترك الصلاة حتى خرج وقتها، قالوا: فمثل هذا ما ينفعه أن يقضي الصلاة، بل عليه أن يتوب توبة صادقة مما وقع منه من هذا الذنب، وهذه الكبيرة. ولعل هذا القول هو الأرجح: أن من أفطر في رمضان متعمدا فأفسد صومه، فلا ينفعه القضاء، وإنما الذي عليه التوبة. وليس معنى هذا أن عدم ماذا؟ لزومه بالقضاء أن هذا أخف عليه، لا، هذا أشد عليه. معنى هذا أنه ما يمكن أن يقضي هذه العبادة وأن يأتي ببدلها، فالذي عليه أن يندم على ما حصل منه، ويتوب توبة نصوح وتوبة صادقة. وكذلك أيضا يعزم على عدم العود إلى مثل هذا الفعل، وهذا الذي يلزمه، وبأجل من أجل ماذا؟ حصول الإثم الذي وقع فيه، والذنب الكبير الذي ارتكبه، فإنه لا يفيده قضاؤه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.