أهمية الدعاء

الخطبة بعنوان أهمية الدعاء، وكانت بمسجد السنة بالمركز الجديد بتبالة ٩ ذو القعدة ١٤٣٧هـ ألقاها

مكانة الدعاء وأهميته في الإسلام

الدعاء هو العبادة وله منزلة عظيمة في الإسلام، وقد وردت أحاديث نبوية متعددة في فضله وأهميته. الدعاء هو وسيلة للتقرب إلى الله وطلب الرزق والهداية.

شروط وموانع إجابة الدعاء

الدعاء له شروط وموانع، فيجب أن يكون الداعي مخلصًا وحاضر القلب، ويجتنب أكل الحرام، ولا يستعجل الإجابة. يجب أن يحرص على الدعاء في أوقات الإجابة.

الدعاء والثناء على الله في الأوقات المباركة

المقطع الأخير يتضمن الدعاء لله تعالى بالتوفيق والثناء عليه، ويشير إلى أهمية الدعاء والتضرع لله في كل الأوقات. كما يتضمن الثناء على الله وتنزيهه عما يصفونه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن للدعاء في هذا الدين العظيم منزلةً عظيمة ودرجةً عاليةً رفيعة، فهو لب العبادة وروحها، ومما يدل على ذلك أن هذا القرآن العظيم قد ابتدئ فيه بالدعاء وختم كذلك بالدعاء، وقد تضمن في كثيرٍ من آياته وسوره الدعاء. فأول سورةٍ في القرآن سورة الفاتحة، وقد اجتمعت على دعاء الله جل وعلا في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وآخر سورةٍ في القرآن سورة الناس، وقد اجتمعت على دعاء الله جل وعلا والاستعاذة به من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. فإذا كان هذا الكتاب العظيم قد بدأ بالدعاء وختم به، دل ذلك على عظمة أمر الدعاء، ولذلك سماه الله جل وعلا عباده في آياتٍ عديدة، منها قوله جل وعلا ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فسمى الله جل وعلا دعاءه عباده. قال جل وعلا حاكيًا عن إبراهيم عليه السلام ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدَعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾، فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، سمى الله جل وعلا دعاءهم عباده، فدل ذلك على عظم أمر الدعاء وأنه عبادةٌ عظيمة. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العبادة محصورةً في الدعاء أو كادت أن تنحصر فيه، فقال عليه الصلاة والسلام كما في السنن من حديث النعمان بن بشير «الدعاء هو العبادة، الدعاء هو العبادة»، وقرأ قول الله جل وعلا ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. عباد الله، إذا علمنا ذلك وأن الدعاء عبادةٌ عظيمة، علمنا عظم هذه العبادة وعظيم منزلتها عند الله، وأنه كلما كملت عبادة العبد كلما كثر دعاؤه لربه وكثر تضرعه بين يدي خالقه سبحانه وتعالى وتذلل لله وانكسر بين يديه. ولذلك لما كان الأنبياء أكملوا الناس إيمانًا كانوا من أكثرهم دعاءً لله جل وعلا، قال الله جل وعلا في وصفهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. وأخبرنا الله جل وعلا عن بعض أحوالهم وعن دعائهم لله جل وعلا وتضرعهم له، كما أخبر الله جل وعلا عن نوح عليه السلام في قوله ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. وهكذا أخبر الله جل وعلا عن أيوب عليه السلام حين مسه الضر فتضرع إلى الله بالدعاء، وأيوب إذ نادى ربه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر. وأخبر جل وعلا عن زكريا عليه السلام أنه قال ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه. وهكذا أخبر الله جل وعلا عن يونس عليه السلام حين التقمه الحوت فنادى ودعا الله جل وعلا أن ينجيه، قال الله جل وعلا ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في السنن من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" لم يدعُ بها مسلم في أمر قط إلا استجاب الله له». هكذا كان أنبياء الله جل وعلا يدعون الله ويلجأون إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا وصف الله عباده المؤمنين وعباده المتقين، قال جل وعلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. وقال جل وعلا مخبرًا عن عباده المؤمنين حين يدخلون الجنة وتتلقاهم الملائكة بالبشرى بما لهم من السلامة والعافية ﴿لَا يَدْرِي عَلَيْهِمْ مَا يَدْرُونَ﴾ ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الدعاء عباد الله ورد في فضله أدلة كثيرة وأحاديث متعددة، بل ورد فيه من الأدلة ما يدل على عظيم أمره وكذلك علو منزلته. فمن ذلك ما رواه الحاكم بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أفضل العبادة الدعاء»، وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث النعمان بن بشير المتقدم آنفًا «الدعاء هو العبادة». فهذان الحديثان يدلان على عظم أمر الدعاء وأنه عبادة عظيمة، بل هو لب العبادة وهو أصلها وأساسها. كذلك أيضًا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال كما في مسند الإمام أحمد وعند البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة مرفوعًا «أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام». جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يرد القدر إلا الدعاء»، وفي هذا الحديث دلالة على أن الله جل وعلا قد يدفع من القدر ما قد قضاه الله بدعاء العبد لربه جل وعلا. وهكذا أيضًا مما يدل على عظم أمر الدعاء أن العبد فقير إلى الله جل وعلا ولا يستغني عن ربه سبحانه وتعالى، فإن دعوت فهذا الدعاء لنفسك وأنت المنتفع به، وإن أمسكت فأنت المحروم، والله جل وعلا غني عن دعائك وغني عن طاعتك وعبادتك. والله جل وعلا يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. إن الله جل وعلا يحب من عبده أن يدعوه وأن يتضرع له بين يديه وأن يذل وينكسر له، ويغضب إن ترك العبد دعاءه، قال عليه الصلاة والسلام كما عند الإمام النسائي وغيره «من لم يدعُ الله غضب عليه». فالله جل وعلا يغضب على العبد إن لم يدعُه لأن ترك دعاء الله يعتبر من الاستكبار، والله جل وعلا يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تحذر من ترك دعاء الله، فالله جل وعلا يحب منك أن تدعوه وأن تتقرب إليه، وبخلاف المخلوق فإنه لا يحب من أحد أن يدعوه أو أن يطلب منه شيء. لكن الله جل وعلا يحب من العبد أن يدعوه لأنه جل وعلا هو الكريم الذي لا تنفذ خزائنه مهما أعطى العباد ومهما استجاب للخلق. جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه في الحديث القدسي العظيم يقول الله جل وعلا «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم». هكذا يأمر الله جل وعلا ويحث عباده أن يدعوه يدعونه الهداية ويدعونه الرزق، فكلها بيعيد الله، ومن عند الله سبحانه وتعالى. بل إن الخلق جميعًا لو دعوا الله جل وعلا وأعطى الله كل واحد دعاءه لم يضر ذلك مما عند الله جل وعلا شيئًا، قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر». أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا مزيدًا. عباد الله، إن الدعاء عبادة عظيمة وكذلك عبادة جليلة، ينبغي للمسلم أن يكون من أهلها ومن المسارعين في فعلها ومن المتصفين بها. فهي كما سمعنا من عبادة الأنبياء، وكذلك من عبادة عباد الله جل وعلا الصالحين، لكن ينبغي أن نعلم أن الدعاء له شروط ينبغي توفرها وموانع ينبغي اجتنابها حتى يستجيب الله جل وعلا لك. ولتعلم أنه ليس كل دعاء تدعو به قد تعطى ما دعوت به في الدنيا، بل ربما يؤخر تأخر الإجابة لحكمة يعلمها ربنا جل وعلا. وفي ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عند الإمام البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه «ما من مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها الله له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». فلذلك فإن من شروط الدعاء حتى يستجيب الله لك أن لا تستعجل الإجابة، وأن لا تدعو بإثم أو قطيعة رحم، جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يستجاب للمسلم ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل»، قالوا: يا رسول الله وما الاستعجال؟ قال «يقول قد دعوت وقد دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء». كذلك من شروط الدعاء أنك إذا دعوت الله أن تدعوه بقلب مخلص حاضر غير غافل ولا لاه، قال عليه الصلاة والسلام «يستجاب للعبد إذا دعا الله بقلب حاضر»، فإن الله لا يستجيب لدعاء عبد غافل. وهكذا أيضًا تذلل وخضوع لله جل وعلا، فإن ذلك من أسباب إجابة الدعاء، كذلك أيضًا أن يكون الداعي حريصًا على أكل الحلال مجتنبًا لأكل الحرام. فإن كان ممن يأكل الحرام فذلك من أعظم موانع إجابة الدعاء، قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين»، فقال ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء «يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟». فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تحرص على تحقيق هذه الشروط عند دعائك لله، وأن تحذر من موانع إجابة الدعاء إذا أردت الله جل وعلا أن يستجيب لك. واحذر كذلك أيضًا أن تدعو على نفسك بالشر أو على أهلك، فربما توافق ساعة استجابة يستجيب الله جل وعلا لك فتندم بعد ذلك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، لا توافقوا من الله ساعة يستجيب لأحدكم». كذلك مع الحرص على سؤال الله جل وعلا في أوقات الإجابة وهي كثيرة، كآخر الثلث الأخير من الليل، وكذلك بين الأذان والإقامة، وفي السجود، فإن ذلك من مواطن إجابة الدعاء. وهكذا آخر ساعة في يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فذلك أيضًا من مواطن إجابة الدعاء، مع كذلك استحباب دعاء الله جل وعلا في سائر الأوقات. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويجعلنا سبحانه من المكثرين لدعائه والمتضرعين له في ليلهم ونهارهم، إنه سميع مجيب الدعوات. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على