الدرس في جواهر البلاغة 119، الدرس التاسع عشر بعد المائة:من( المبحث الثالث:في المساواة ... تم علم المعاني ويليه علم البيان والله المستعان أولاً وآخراً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المساواة هي تأدية المعنى المراد بعبارة مساوية له، وتُعتبر فنًا عزيزًا في البلاغة. تُعد المساواة وسطًا بين الإيجاز والإطناب، وتشمل نوعين: مساواة مع الاختصار ومساواة بدون اختصار.
يتناول هذا الفصل ثلاثة موضوعات بلاغية رئيسية: الالتفات وتجاهل العارف والقلب. تُستخدم هذه التقنيات لتحقيق تأثيرات بلاغية مختلفة وتخدم المعاني المختلفة في النص.
يتناول هذا الفصل عدة أساليب بلاغية في اللغة العربية مثل التعبير عن المضارع بلفظ الماضي والعكس. هذه الأساليب تزيد من قوة التعبير وبلاغته وتخدم المعاني المختلفة في النصوص.
يشير هذا الفصل إلى نهاية دراسة علم المعاني والاستعداد للانتقال إلى علم البيان. تم التأكيد على أهمية كلام الله تعالى والصلاة على النبي محمد، مع الدعاء بالتوفيق الإلهي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الملف رحمه الله تعالى: المبحث الثالث في المساواة. قال: المساواة هي تأدية المعنى المراد بعبارة مساوية له، بأن تكون الألفاظ على قدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض. قال: ولسنا بحاجة إلى الكلام على المساواة؛ فإنها هي الأصل المقيس عليه والدستور الذي يعتمد عليه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى». فإن اللفظ فيه على قدر المعنى، لا ينقص عنه ولا يزيد عليه. وقد مر معنا فيما تقدم من مباحث كيف يكون أمر الزيادة والنقص، وبه يعرف الكمال في المساواة. قال: وكقول طرفة بن العبد: «ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً، ويأتيك بالأخبار من لم تزود». قال: هذه أمثلة للمساواة، لا يستغني الكلام فيها عن لفظ منها، ولو حذف منه شيء لأخلى بمعنى. ثم قال بتعليقه: المساواة هي ما ساوى لفظه معناه، بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر. وهي نوعان: الأول مساواة مع الاختصار، وهي أن يتحرى البليغ في تأدية المعنى أو جزء ما يكون من الألفاظ القليلة، قليلة الأحرف، الكثيرة المعاني، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. والثاني مساواة بدون اختصار، ويسمى متعارف الأوساط، وهو تأدية المقصود من غير طلب للاختصار، كقوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. والفرق بين الأول والثاني هو حصول قلة الألفاظ وكثرتها، لكن لما كانت القلة والكثرة بحسب ما يقتضيه المقام، كان الجميع في معنى المساواة. قال: والوجهان في المركز الأسمى من البلاغة، غير أن الأول أدخل فيها وأدل عليها؛ لأنه زيادة في الاختصار مع أداء المعنى. قال: والمساواة فن من القول عزيز المثال، تشرئب إليه أعناق البلغاء، لكن لا يرتقي إلى ذراه إلا الأفذاذ؛ لصعوبة المرتقى وجلال المقصد. والمساواة يعتبرها بعضهم وسطا بين الإيجاز والإطناب، وقد علمنا ما هو الإيجاز والإطناب في دروس سابقة. قال: وبعضهم يدمجها، ولا يعدها قسما ثالثا للإيجاز والإطناب؛ يعني إذا كان من القسم الأول فهو إيجاز، وإذا كان من القسم الثاني فهو إطناب. قال: تطبيق عام على الإيجاز والإطناب والمساواة. طيب، الأسئلة هذه التي قبل تترك إن شاء الله. قال: درست الصرف، فيه مساواة؛ لأن اللفظ على قدر المعنى. فقوله: «ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا»، فيه إطناب بالتتميم؛ فإن «على حبه» فضله؛ لزيادة التحسين في المعنى. يعني هذا مثال لمعرفة الزائد من غير الزائد في الجمل. ولكن لما كان له معنى مطلوب مقصود وضع، فلا يكمل المعنى ولا يستقيم إلا به، فلو قلنا: «يطعمون الطعام مسكينا ويتيما وأسيرا»، لنقص المعنى. ولكن «على حبه» حصل فيه إتمام لهذا المعنى؛ لزيادة التحسين، فيصير الآن هذه الجملة من الجمل التي فيها إطناب. قال: وقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، فيه مساواة؛ لأنه ليس فيه شيء يصلح الاستغناء عنه، فكله أصول في الجملة. «ولا يحيق المكر السيء» لو سكت نقص الكلام، فلابد أن تقول: «إلا بأهله». قال: «المرء بأدبه» فيه إيجاز قصر؛ يعني من النوع الأول؛ لتضمن العبارة القصيرة معاني كثيرة. وهكذا كذلك لا يمكن الاستغناء عن أحد من طرف أو من أطراف الجملة. قال: وقوله: «تالله تفتأ تذكر يوسف» فيه إيجاز حذفا؛ وهو «لا تالله لا تفتأ تذكر يوسف». قال: «وأوحينا إلى موسى أن يضرب بعصاك البحر فانفلق»، قال: فيه إيجاز حذف جملة؛ أي فضرب فانفلق. وهذا الإيجاز حصل؛ لأن ما قبله دل عليه، فقوله: «أن يضرب بعصاك البحر» أغنى عن تكرار الفعل، فيقال: «فضرب بعصاك البحر فانفلق». ولهذا فإن الإيجاز يحمد ويمدح عند ماذا؟ عند وجود ما يدل عليه. قال: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، فيه إطناب بالاحتراس. قال: «إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ضمئت وأي الناس تصفو مشاربه»، فيه الإطناب بالتذييل، والجملة الثانية جارية مجرى المثل. قال: «جوزي المذنب بذنبه وهل يجاز إلا المذنب»، فيه إطناب بالتذييل؛ يعني الجزء الثاني من الجملة. قال: وليس جاريا مجرى المثل؛ يعني لأنه ليس جاريا مجرى المثل، فلم يحتج فيه للاختصار. قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾، قال: فيه إطناب بالاحتراس، وتقدم معنا هذا الكلام على هذه الأقسام في الكلام على الإطناب. قال: «البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة»، فيه إطناب بالترديد؛ لأن التفصيل مقصود في إقناع السامع، فالمقصود هو التحذير من خلق البخل، فالإطناب معه من البليغ. قال: «ولكن البر من اتقى» فيه إيجاز حذف مضاف؛ أي ذا البر؛ أي صاحب البر. قال: قوله: «واهتم للسفر القريب؛ فإنه أنفذ من السفر البعيد وأشنع»، قال: فيه إطناب بالإيغال؛ فإن «أشنع» مزيدة للترتيب في الاهتمام. قال: قوله: «خلط عملا صالحا وآخر سيئا» فيه إيجاز حذف؛ أي خلط عملا صالحا بسيئ. قال: قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، قال: فيه إيجاز بحذف الياء، وسبب حذفها أن الليل لما كان غير سار، وإنما يسري من فيه، نقص منه حرف إشارة إلى ذلك، جريا على عادة العرب بمثل ذلك. قال: قوله: «لحق الحق وطئ الباطل»، فيه إيجاز بحذف جملة؛ أي فعل ذلك. قال رحمه الله تعالى: خاتمة. علمت أن البلاغ متوقفة على مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ورأيت فيما تقدم من الأحكام أن مقتضى الحال يجري على مقتضى الظاهر، وهذا بالطبع هو الأصل، ولكن قد يعدل عما يقتضيه الظاهر إلى خلافه مما تقتضيه الحال في بعض مقامات الكلام، باعتبارات يراها المتكلم. وقد تقدم كثير من ذلك العدول المسمى بإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر في الأبواب السابقة. وبقي من هذا القبيل أنواع أخرى كثيرة، الأول الالتفات، وهو الانتقال من كل من التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى صاحبه لمقتضيات ومناسبات تظهر بالتأمل في مواقع الالتفات؛ تفننا في الحديث، وتلوينا للخطاب، حتى لا يمل السامع من التزام حالة واحدة، وتنشيطا، وحملا على زيادة الإصغاء؛ فإن لكل جديد لذة. ولبعض مواقعه لطائف، ملاك إدراكها الذوق السليم. ومعناه: يستطيع الإنسان أن يدرك ذلك، ويعبر به، ويرى المناسب منه بالذوق السليم المكتسب من كثرة السماع والقراءة في كلام البلغاء. كما أنه تكون معه كذلك بعض المقاصد العلمية، أو كذلك الإخبارية في مثل هذا الالتفات. قال: وعلم أن صغر العدول إلى الالتفات ستة. أولا: عدول من التكلم إلى الخطاب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، والقياس: «وإليه أرجعوا». فكما نرى الآن في قوله: «وإليه ترجعون» التفات من خطاب التكلم إلى خطاب المخاطبين. والحكمة من ذلك كما نرى هو تحذير ووعيد المخاطبين، كأنه يقول لهم: كونكم تعبدون غير الله هذا جرم عظيم، فأنتم سترجعون إلى الله، والله سيجازيكم ويحاسبكم عليه. قال: الثاني: عدول من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، قبله: «قل». فهذا العدول أصله كان بطريق التكلم، إلى طريق أو إلى سياق الغيبة؛ لما في ذلك من زيادة الحضور، وليحصل بذلك تأكيد عموم مغفرة الله سبحانه وتعالى، وسعة رحمته. قال: ثالثا: عدول من الخطاب إلى التكلم، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾، الأول خطاب: «استغفروا ربكم»، وبعد ذلك تكلم: «إن ربي رحيم ودود». ومن حكمة مع ما فيه من البلاغ في هذا الأسلوب من أساليب البلاغ، وهو الالتفات، فيه كذلك تأكيد سعة رحمة الله جل وعلا، ولطفه بخلقه؛ إذ أن أسلوب التكلم يكون أدل على المقصود من الغيبة أو البِقاء على الخطاب. قال: رابعا: عدول من الخطاب للغيبة، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. كذلك ففيه معنى ما سبق؛ لأن المقصود هو تأكيد وعيد الله عز وجل، وعقابه. فلهذا ذكر بصيغة الغيبة لله؛ لأن المتكلم هو المخلوق: «ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه». فلذلك لما أراد أن يذكر بالله قال: «إن الله لا يخلف الميعاد». قال: خامسا: عدول من الغيبة إلى التكلم، فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، والقياس: «وأنزل». وقوله: «وأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا» كذلك التفات بهذا الانتقال من الغيبة إلى التكلم؛ وذلك لأن النعمة في نزول هذا الماء، ولهذا خص ذكرها بنسبتها إلى الله جل وعلا، لا إلى غيره. فلو قال: «وأنزل من السماء ماء طهورا» لم يكن في الدلالة على المقصود مثل «وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا». فمن الناس من يكفر بالله عز وجل في هذا. قال: سادسا: عدول من الغيبة إلى الخطاب، كقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، والشاهد في قوله: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ» ثم انتقل إلى الخطاب: «لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ». وذلك تأكيد في قيام الحجة على بني إسرائيل بنهيهم عن الشرك. قال: الثاني: يعني من الأنواع الكثيرة التي يحتاج التنبيه عليها. قال: تجاهل العارف، وهو سوق المعلوم مساق المجهول؛ بأن يجعل العارف بالشيء نفسه جاهلا به، وذلك لأغراض. أولا: كالتعجب، نحو قوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. قال: ثانيا: المبالغة في المدح، نحو: «وجهك بدر أم شمس». وفي كل الأمرين مدح، فالمقصود ليس هو الشك أو الجهل، ولكن المدح. قال: ثالثا: المبالغة في الذم، قول الشاعر: «وما أدري وسوف قالوا أدري أقوم آل حصن أم نساء». هو يعرف منهم، لكن المقصود من هذا هو الذم. قال: رابعا: التوبيخ، وشدة الجزع، كقول الشاعر: «أيا شجر الخابور ما لك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف». يعني زيادة ومبالغة في إظهار الحزن على ابن طريف، والمعنى يريد أن كل من في الكون يحزن معه على حزنه. قال: وخامسا: شدة الولى، كقول الشاعر: «بالله يا ضبيات القاع قلنا لنا ليالي من كن أم ليلة من البشر». وهذا كذلك مبالغة في إظهار المعلوم بصيغة المجهول، والمشكوك فيه؛ تمدحا وتغزلا بليلا؛ يعني كأنه لا يدري ليلة صار الضبية أو هي من الضب أم لا. قال: وسادسا: الفخر، كقوله: «أينا تعرف المواقف منه وثبات على العدا وثبات». كذلك هذا ليس فيه جهل ولا شك، ولكن من باب الفخر. فقوله: «أينا تعرف المواقف منه» ليس هو على وجه الشك، وإنما هو على وجه الفخر. قال: الثالث: القلب، يعني من المباحث التي ينبغي التنبيه عليها. قال: وهو جعل كل من الجزئين في الكلام مكان صاحبه؛ لغرض المبالغة، نحو قول رؤبة بن العجاج: «ومهما هاج مغبرة أرجاؤه كأن لون أرضه سماؤه». أي كأن لون سمائه لغبرته لون أرضه؛ مبالغة في وصف لون السماء بالغبرة، حتى صار بحيث يشبه به لون الأرض. ووضح القلب بقوله: ويستدل عليه بالتأمل في المعنى. فنحو: «عرضت الناقة على الحوض، وأدخلت الخاتم في إصبعي». أصله: «عرضت الحوض على الناقة»؛ لأن العرض يكون على ماله إدراك. وأصله: «أدخلت إصبعي في الخاتم»؛ لأن الخاتم لا يدخل نفسه بنفسه، فنسبة الدخول للخاتم قلب لنسبة الفعل لفاعله الأصل: «أدخلت الأصبع في الخاتم». قال: لأن الظرف هو الخاتم، والنكتة أن الظاهر الإتيان بالمعروض إلى المعروض عليه، وتحريك المظروف نحو الظرف. يعني لما كان أخذك للخاتم وإدخاله في الإصبع، صار كأن الذي أتى هو من الخاتم، فصور هذا الواقع بنسبة الفعل إليه، وفي الحقيقة ليس هو منسوبا إليه. قالوا: لما كان ما هنا بالعكس، قلب الكلام رعاية لهذا الاعتبار. وإنما يقبل حيث يتضمن اعتبارا لطيفا. يعني لو قلت مثلا: «أدخلت إصبعي في الخاتم» صحيح، لكن ليس هو في البلاغة مثل «أدخلت الخاتم في إصبعي»؛ لأنه أولا كما ذكر، وثانيا: وهذا لعله هو المقصود، وهو أن المقصود التمدح بهذا الخاتم، التمدح بهذا الخاتم. قال: الرابع: التعبير عن المضارع بلفظ الماضي، عكسه. من أغراض التعبير عن المضارع بلفظ الماضي: أولا: التنبيه على تحقق وقوعه، نحو: «أتامر الله» أي يأتي. قال: ثانيا: أو قرب الوقوع، نحو: «قد قامت الصلاة» أي قرب القيام لها. قال: ثالثا: التفاؤل، نحو: «إن شفاك الله تذهب معي». قال: رابعا: التعريض، نحو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فيه تعريض للمشركين بأنهم قد حبطت أعمالهم. ومن أغراض التعبير عن الماضي بلفظ المضارع: حكاية الحالة الماضية باستحضار الصورة الغريبة في الخيال. ثم قال: ويوضع المضارع موضع الماضي لإفادة المشاهدة، بإحضار صورة الشيء في الذهن، في ذهن السامع، بصيغة الحاضر. يعني هذا من أسباب حكاية الماضي باستحضار بلفظ المضارع. قال: كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾، قال: بدل «فأثارت». السياق يقتضي «فأثارت»، فحوله إلى المضارع لهذا الغرض، وهو مبالغة في إثبات الوصف. قال: ثانيا: إفادة الاستمرار فيما مضى، كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُمْ﴾، أي لو استمر على إطاعتكم لهلكتم. قال: الخامس: التعبير عن المستقبل بلفظ اسم الفاعل، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ وَاقِعٌ﴾، أو بلفظ اسم المفعول، نحو: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾. وهذا الخامس هو من المباحث كذلك التي يناسب تكميلها بعد هذا القسم من أقسام البلاغة الذي مر معنا. قال: التعبير عن المستقبل بلفظ اسم الفاعل، فقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ وَاقِعٌ﴾، أصله: «إن الدين ماذا سيقع»، فعبر عنه باسم الفاعل؛ وذلك لأن لفظ وصياغة اسم الفاعل تزيد في معنى الثبوت مع الاستقبال. قال: أو بلفظ اسم المفعول، نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾؛ وذلك لأن الوصفين المذكورين حقيقة في الحال، مجاز فيما سوى الأصل: «ذلك يوم سيجمع له الناس». فلما قال: «مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ» صار كأنه حقيقة. وهذا فيه زيادة مبالغة في تحقق هذا المستقبل. وهذا هو المقصود، مع ما فيه من معنى يتضمنه صيغة المفعول؛ فإن فيه معنى لزوم واستمرار الصفة. وهذا زيادة في تأكيد التحقق. قال: السادس: يعني من المباحث التي يناسب ذكرها ها هنا. يوضع المظهر موضع المضمر، خلافا لمقتضى الظاهر؛ ليتمكن ما بعده في ذهن السامع، نحو: «هو الله عادل». قال: يوضع المظهر موضع المضمر لزيادة التمكين، نحو: «خير الناس من نفع الناس»، أو لإلقاء المهابة في نفس السامع، كقول الخليفة: «أمير المؤمنين يأمر بكذا». أي «أنا آمر». يعني هو القائل، ولكن عبر بهذه الصيغة؛ لأجل إدخال المهابة بسماع لفظ «أمير المؤمنين». وقد يكون العكس من باب التواضع، فبدل من أن يقول: «أنا»، فيقول مثلا: «قال عبد الله». وهذا كثير ما يفعله أهل العلم. فالإمام البخاري رحمه الله في «الصحيحة» مجيده يقول: «قال محمد بن عبد الله»، يريد نفسه، بدلا من قول: «قلت». وكذلك شيخ الإسلام، كما مر معنا في بعض كتبه، بدلا من أن يقول: «قلت وقلت وقلت»، «وأنا أرى»، فيذكر اسم نفسه من باب التواضع. فأظهر المضمر في صيغتي المظهر من باب التواضع. وقد يكون من باب كذلك الإعظام والمهابة، كالمثال الذي سمعناه. قال: أولي الاستعطاف، نحو: «أي أذن لي مولاي أن أتكلم»، أي «أتأذن». فبدلا من أن يقول: «أتأذن»، قال: «مولاي». فأظهر المضمر في صيغتي المظهر؛ تعظيما وإجلالا. قال: السابع: التغليب، يعني من المواضع التي يناسب ذكرها ها هنا، وإكمال مباحث البلاغ السابقة بها. قال: وهو ترجيح أحد الشيئين على الآخر في إطلاق لفظه عليه. وذلك كتغليب المذكر على المؤنث في قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، وقياسه: «من القانتات». والتغليب كما أشار هو: إطلاق لفظ أحد الصاحبين على الآخر؛ ترجيحا له عليه. والحكمة من ذلك: «وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ» بدلا «وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتَاتِ»؛ زيادة مدحها؛ يعني كأنها من قنوتها نافست الذكور؛ لأن الكلام قبل ذلك أن الذكر ليس كالأنثى، وليس الذكر كالأنثى. فبهذا يعلم أن الله عز وجل قد بين لها أن الأنثى التي جاءت وهي ليست بذكية صحيح، لكنها صارت خير من كثير من الذكور، بل ونافست بعض الذكور. قال: ونحو «الأبوين» للأب والأم، و«القمرين» للشمس والقمر. هذا تغليب من باب التغليب. والغالب أن التغليب يكون بذكر إما الأشرف أو الأيسر. فـ«الأبوين» ذكر بتغليب الأب، و«القمرين» بذكر القمر. فقد يسلك مسلك الخفة من جهة اللفظ، وقد يكون من جهة الجمال أو المنزلة أو غير ذلك؛ بحسب ما يقتضيه السياق. قال: وقد تغليب الأخف على غيره، نحو «الحسنيين» أو «الحسنين». نعم، كذلك. وكذلك «الحسنيين» إحدى الحسنيين: الحسن الأول الغنيمة، والثاني الشهادة. نعم، وهنا «الحسنين» تغليب بين الحسن والحسين. قال: في «الحسن والحسين»، فسلك مسلك الأخف والأكبر كذلك. قال: وكتغليب الأكثر على الأقل، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا نُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾، أدخل شعيبا في العود إلى ملتهم، مع أنه لم يكن فيها قط، ثم خرج منها وعاد؛ تغليبا للأكثر. قال: وكتغليب العاقل على غيره، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. تم علم المعاني، ويليه علم البيان، والله المستعان أولا وآخرا. طيب، نحن هنا إن شاء الله.