المحاضرة بعنوان الطلاق آداب وأحكام، والتي كانت بمسجد البحسني بمنطقة المشراف بدفيقه - الشحر يوم الجمعة 1 شعبان 1446هـ الموافق 31 يناير 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض الخطيب فضيلة صلاة الجماعة في المساجد ومضاعفة أجرها وصلاة الملائكة على المنتظرين، مبيناً مفهوم الرباط بإسباغ الوضوء وكثرة الخطا. ويحذر من وساوس الشيطان المثبطة عن الحضور ويذكر العلاج النبوي، مختتماً بأهمية مجالس العلم والذكر في إصلاح القلوب وأن طلب العلم فريضة وطريق إلى الجنة.
يبيّن المقطع مكانة العلماء وفضلهم على العباد كفضل القمر على الكواكب، وأنهم يستغفر لهم من في السماوات والأرض. ثم ينتقل للحديث عن مشروعية النكاح وغايته في السكن والمودة والرحمة، وكيفية معالجة الخلافات الزوجية بالنصح والتحكيم قبل الوصول إلى الطلاق.
يستعرض المقطع أبرز أسباب الطلاق في العصر الحديث كتأثر النساء بالإعلام ومنظمات حقوق المرأة، وإهمال سنة النظر للمخطوبة، وكتمان العيوب، والإصابة بالعين والسحر، وجهل الشباب بالمسؤوليات. ويؤكد أهمية التحصين بالأذكار وفهم الأمانة الزوجية لحماية البيوت من الهدم.
يتناول المقطع مسؤولية الزوج في رعاية أهله وتعليمهم، وأسباب الطلاق كتهرب الزوج من المسؤولية وتدخل الأهل وسوء التعامل مع التعدد. ثم يوضح أحكام الطلاق الخمسة (الواجب، المستحب، المحرم، المكروه، والمباح) مع تفصيل الطلاق البدعي المحرم وشروط الطلاق السني.
يشرح المقطع تطور حكم طلاق الثلاث من احتسابه واحدة في عهد النبي وأبي بكر وصدر خلافة عمر إلى إمضائه ثلاثاً على يد عمر زجراً للناس. ويبين شروط وقوع الطلاق بأنه لا يصدر إلا من الزوج العاقل البالغ، ولا يقع من الصبي والمجنون ومن فقد عقله بغضب أو سكر، بينما يقع من الهازل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد».
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة، وبصر به من العماية، تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك. اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد، أيها الأحبة في الله، نحمد الله عز وجل أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي لا نستطيع لها حصراً. وصدق ربنا إذ يقول: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾. وربنا تبارك وتعالى لما ذكر عدداً كبيراً من نعمه على خلقه وعبيده، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾. ومن نعمة الله علينا جميعاً أن أخذ بنا وأوصلنا إلى هذا المسجد العامر بالخير لأداء فريضة من فرائضه وشعيرة من شعائره، ألا وهي صلاة المغرب. وكان عليه الصلاة والسلام يرغب أصحابه، بل أمته أجمع، في عمارة المساجد، وهكذا حضور مجالس العلم وحلق الذكر. ومن ذلكم ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء نحوه عن ابن عمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفاً، وفي بعضها بسبع وعشرين ضعفاً». قال: «وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة -والخطوة كما قال أهل العلم: هي ما بين القدمين- لم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة». قال: «فإذا صلى -أي كحالتنا الآن- صلى كل منا، ثم جلس في مصلاه، جلس لتلاوة القرآن، جلس لسماع العلم ومجالس الذكر، جلس يستغفرون أو يسبحون أو يهللون أو يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرها». قال: «فإذا صلى فإن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه». ماذا تقول الملائكة في دعائها لنا؟ تقول: «اللهم صلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». فما أعظمها من دعوات يا إخوان، وما يدريك، لعلها بسبب دعوة ملك يدعو لك، فيكتب الله لك السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة. قال: «ولا يزال في صلاة ما كانت الصلاة هي التي تحبسه». ولهذا، أحبتي في الله، عدونا اللدود هو الشيطان الرجيم، له معنا خطوات، وأول هذه الخطوات هو أنه يحاول جاهداً أن يصدنا عن الحضور إلى المساجد. فإذا لم يستطع، فإنه يبقى معنا في المسجد، وأنت تصلي: الله أكبر، وهو يوسوس، ويذكر، ويحاول أن يبعدنا عن لب الصلاة، عن الخشوع في الصلاة، عن الحضور في الصلاة. ذاك شيطان يقال له: خنزب. فإذا وجد أحدنا شيئاً من ذلك، فليعمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه يلتفت قليلاً إلى جهة اليسار، ثم ينفث ثلاثاً، ويتعوذ بالله عز وجل، وهذا علاج نبوي. وكذلك إذا سلم أحدنا في الصلاة، فإن الشيطان لا زال معه، ولا زال يحاول له، يريد أن يخرجه سريعاً من المسجد، يذكره بأمور، وهكذا يذكر له أشياء تجعله يخرج سريعاً من المسجد، لكي يحرمنا من هذا الخير الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» ما أعظمه من تشويق، وما أجمله من تعليم وحث! «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال عليها الصلاة والسلام: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة». قال: «فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» -أي المرابطة في الثغور، وهكذا الوقوف في وجوه الأعداء لحماية الدين وحراسة العقيدة، وهكذا الدفاع عن الدماء والأعراض والأموال-. قال: «فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». وما أجمل وما أعظم هذه المجالس التي يسمع المسلم فيها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية! في مثل هذه المجالس يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذان هما صماما أمان وسفينة نجاح للأفراد والأسر والمجتمعات من الضلال ومن الهلاك ومن الانحراف، ألا تكن المجتمعات المسلمة بؤراً للشر ومستنقعات للفساد والرذيلة. في مثل هذه المجالس يصلح الله عز وجل الأحوال، فكم يصلح الله فيها القلوب! ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾. في مثل هذه المجالس يصلح الله عز وجل الأحوال، يسمع العبد الكلمة فتدخل من أذنه فتستقر في قلبه، فتؤثر على جوارحه، وكم استقام من استقام من الناس حين أن شرح الله صدره لسماع الخير وحضور مجالس الخير ومجالسة أهل الخير. فأكرم بها وأنعم من مجالس رحمة ومجالس مغفرة، مجالس يتنزل على أهلها السكينة من الله عز وجل، وهي طمأنينة في القلوب وشراح في الصدور، السكينة التي هي ثبات في المواقف الصعبة وفي الظروف الحرجة. الله عز وجل يثبت بها قلوبهم. العلم، كما لا يخفى على الجميع، فريضة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». العلم، وما أدراك ما العلم! طريق عظيم يوصل صاحبه إلى جنة عرضها السماوات والأرض. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في مسلم عن أبي هريرة: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في السنن عند ابن ماجه وغيره عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وله قصة: أبو الدرداء كان بدمشق، ودمشق في بلاد الشام، فجاءه رجل من المدينة، تخيل المسافة البعيدة من المدينة النبوية إلى دمشق، فجاءه هذا الرجل فسأله أبو الدرداء: «يا أخي، ما أقدمك؟ ما الذي جاء بك؟» قال: «حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم بلغني أنك تحدث به». حديث يا إخوان يجعله يقطع هذه الفيافي والقفار، يقطع الصحاري الشاسعة حتى يصل إلى دمشق. فقال له أبو الدرداء مستغرباً: «قال له: أما قدمت لتجارة؟» يعني: الحديث، أبشر، سأحدثك به، لكن أليس لك غرض آخر؟ أما قدمت، أما قدمت لتجارة؟ قال: لا. قال: أما لك حاجة يعني أخرى؟ قال: لا، غير ذلك الحديث. هِمَم، هِمَم يا إخوان، هِمَم كالجبال كانت عند أولئك الرجال! فعندها قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، مبشراً هذا العلم ومبشراً هذا الطالب: «أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالبي العلم رضا بما يصنع» -وفي رواية: رضا بما يطلب-. «وإن العالم -العالم الذي تعلم ثم علم، العالم الذي يعلم الناس الخير- وإن العالم ليستغفر له من في السماوات» وهذا هو العالم العلوي، وما أعظم الملائكة الذين هم جنود لله عز وجل! البيت المعمور فوق السماء السابعة، رُفع للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لا يعودون إليه، ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾. قال عليه الصلاة والسلام: «أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس هناك موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد». هؤلاء كلهم يستغفرون لك يا معلم الناس الخير. استنكف البعض أن يجلس في حلقة قرآن، لربما يعلم الأولاد الصغار الفاتحة وما تيسر من سور القرآن، لربما يعتذر عن أن يجلس في مجلس فيذكر المسلمين ويعلم الطالبين العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص، وهكذا مسائل وأبواب في الفقه وغيره. قال: «وإن العلماء ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء». من يستطيع أن يحصي عدد هذه الأحياء البحرية من الأسماك وغيرها؟ كلها تستغفر لك يا من تعلم الناس الخير. وهذا يدلنا على أهمية التعليم، لأنه ما سيعلم إلا إذا تعلم وصبر على العلم وصبر على العلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وفضل العالم على العابد...» من العابد؟ العابد يبيت ليله قياماً، صلاة وقرآناً وذكراً ودعاء واستغفاراً، يظل نهاره صائماً، ذاكراً لله عز وجل. لكن انظروا إلى شرف العلم وفضل العلم على أهله: «قال: وفضل العالم على العابد كفضل القمر -أي ليلة اكتماله- على سائر الكواكب». وفي حديث أبي أمامة: «كفضل على أدناكم». «وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فما أحوجنا، أحبتي في الله، إلى أن نصبر أنفسنا في مجالس العلم وحلق الذكر، فما ثبت نبت، وقد يدرك المتأني بعض حاجته، وقد يكون مع المستعجل الزلل. ومن هذا العلم الذي نحتاجه، إضافة إلى علم التوحيد والعقيدة الصحيحة، وهكذا علوم القرآن والسنة النبوية، ما يتعلق بالفقه، ومن الفقه العبادات: من الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، وهكذا من الفقه المعاملات: البيع والشراء، وهكذا الربا والرهن والغصب والإجارة وغيرها من أبواب المعاملات بين الناس. وهكذا من الفقه ما يتعلق به فقه الأسرة، وهذا من الجوانب التي قد يقع فيها ما يقع من التفريط والإهمال، كمعرفة أحكام النكاح، وهكذا ما يتبعه من الطلاق، والخلع، والإيلاء، والظهار، والعدة، والنفقات، وغيرها من الأبواب التي نحتاجها جميعاً. ومن هذا الباب ما نحن بصدد الحديث عنه من موضوع هذه المحاضرة التي تتعلق بالطلاق: آدابه وأحكامه. وقبل أن نبدأ في مسائل الطلاق، هنا نقدم بمقدمة، هذه المقدمة وهي أن الله تبارك وتعالى أباح النكاح وندب الناس إليه، وهكذا حرم الزنا والسفاحة وأوعد بالعذاب الأليم عليه. فربنا عز وجل يقول: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾، ليحصل السكن والراحة والنعيم والسعادة بسبب هذه العلاقة الزوجية: ﴿ لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» -أن يخفف هذه الغريزة وهذه الشهوة الموجودة كثيراً لدى معشر الشباب-. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال -ذات حسب يعني نسب وجمال- ولكنها لا تلد، أفأتزوجها؟» قال: «لا». قال: «لكنها لا تلد، أفأتزوجها؟» قال: «لا». فأعاد الرجل مرة أخرى: «يا رسول الله، إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال ولكنها لا تلد، أفأتزوجها؟» قال: «لا». فأعاد الثالثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة». أيها الأحبة في الله، ديننا حين أن أمر ورغب في النكاح، فإن المقصود من النكاح هو حصول السكن والراحة والسعادة لدى الزوجين: ﴿ لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾. ديننا حين أن رغب في النكاح، فإن المقصود بالنكاح استمرار الحياة الزوجية، استمرار هذه الرابطة بين الزوجين. لكن بسبب عدم قيام الزوجين بحقوق الزوجية، أو عدم قيام أحدهما، وهكذا إذا أخل بأحكام الزوجية، هنا تظهر الخلافات بين الزوجين، هنا تنشأ المشاكل بين الرجل وزوجه. وهذه المشاكل وهذه الخلافات قد تكون سبباً في زوال الراحة، وهكذا عدم وجود السعادة. ما هو المطلوب هنا؟ المطلوب هنا إذا حصل شيء من ذلك أن الزوج يقوم بتأديب، وهكذا تعليم ونصح زوجته: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾. كيف؟ ويضربوهن يأتي بصميل أو يأتي بسلك شاحن ويضرب به المرأة؟ الجواب: لا، ضرباً غير مبرح، ضرب تأديب، إذا كان الضرب سيأتي بنتيجة ويحقق ثمراً، وإذا كان الضرب سيجعل المصيبة تعظم والخرق يتسع، فلا يصلح أن يكون سبباً في زيادة الفتن، وهكذا عظم المشاكل. أحياناً ما في فائدة. طيب، ما هو الحل؟ قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ﴾. لكن من هؤلاء الحكماء؟ ليسوا من أهل الطيش وأرباب التهور، ويزيدون الطين بلة كما يقال، وإنما من العقلاء الحكماء. قال: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾. وبهذا نعلم أنه في باب الخلافات عامة والمشاكل عامة، ولا سيما ما كان منها أسرية أو زوجية، إذا وجدت النوايا الطيبة والمقاصد الحسنة، هنا تسهل الأمور، لأنه سيكون كل طرف مستعداً أن يتنازل بعض الشيء من أجل رأب الصدع وإصلاح ذات البين، وإصلاح ذات البين. لكن مع هذا وذاك، أحياناً تصل المساعي إلى أبواب مغلقة وإلى طرق مسدودة. فهنا هما بين أحد أمرين: إما أن تستمر الزوجية لكن بضيق، ولكن تعب، ولكن مشاكل وخلافات ونزاعات، لا يجد الزوجين شيئاً من الراحة مع ذلك، أو هناك حل آخر، هذا الحل الآخر هو الطلاق، هو الطلاق. فكما قال الله عز وجل: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾، أو تسريح بإحسان. أحبتي في الله، وينبغي أن نعلم أن شياطين الإنس والجن هِمَمهم عالية، وهكذا رغباتهم قوية في تمزيق البيوت والتفريق بين الأزواج وهدم الأسر، لأجل أن تضيع الأسر ويضيع الأولاد وتضيع الحقوق، ويقضي الزوجان لربما بضعة أشهر أو بضع سنين وهما في المحاكم وهما في القضايا. قال الله عز وجل: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾. هذه همة الشياطين. وهكذا في صحيح مسلم من حديث جابر، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن إبليس ينصب عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه -يعني جنوده وأعوانه-». إلى أين يا إبليس؟ لإفساد بني آدم، زرع مشاكل، خلافات، إيقاع الناس في كبائر ومحرمات، إلى غيرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأدناهم منه أعظمهم فتنة، أحسن واحد عنده الذي يفسد أكثر». قال: «فيأتيه أحدهم فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا وفعل كذا -يعني زنى، شرب خمراً، إلى غيرها-، فيقول إبليس: ما صنعت شيئاً، ما صنعت شيئاً». قال: «ويأتيه أحدهم ويقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين زوجته». هنا تقر عين إبليس الرجيم، فيدنيه منه ويقول: «نعم أنت، نعم أنت». وبهذا نعلم يا إخوان من هذا الأسلوب، قوله: «ما تركته»، إذن هو يحاول مراراً وتكراراً، لا يمل ولا يكل، قد يكون له ساعات وهو يحاول بشتى الأساليب وأنواع الوسائل، ما نجح، قد يكون له أياماً، بل أشهراً، بل قد يكون له سنوات. وكم نسمع يا إخوان عن بعض الأزواج لهم ثلاثين سنة، بعضهم أربعين سنة متزوج، قد زوجوا أولادهم وبناتهم، وماذا؟ ثم تسمع أن فلاناً بعد أن شاب شعره وبدأ ينحن ظهره طلق زوجته. لتعلم أن الشيطان له سنوات طويلة وهو يحاول، ما استطاع أن يصل إلى الهدف ويحقق المقصود إلا في لحظة. هذه اللحظة يا إخوان هي قد تكون لحظة انفعال وساعة غضب، ساعة غضب تحمر العيون وتنتفخ الأوداج ويرتفع الضغط عند صاحبه، وهنا لربما تسهل على لسانه كلمة الطلاق. لهذا، أحبتي في الله، يجب أن نغلق الأبواب أمام الشياطين، وأن نسد الطرق أمامهم، لكي لا يصلوا إلى أهدافهم التي يسعون فيها. وأجدها فرصة لكي أذكر نفسي وإياكم جميعاً ببعض هذه الأسباب التي توقع في الطلاق، فتؤدي إلى تمزق البيوت، وهكذا هدم الأسر. فمن هذه، فمن هذه الأسباب -وهي كثيرة جداً، وآه، ماذا، ولعل البعض يرى أنها مما نعيشه في واقعنا الحاضر والمعاصر-: فمن هذه الأسباب هو أن الكثير من النساء لربما تنظر إلى غيرها من الزوجات التي يعشن حياة ترف وبذخ وراحة، ثم تنظر في حياتها فتجد حاجة وقلة ولربما فقراً، فتنظر إلى زوجها بأنه ظالم لها وسالب لحقها. وهنا يا إخوان لربما تبدأ بعض النساء بالتمرد على الزوج واختلاق المشاكل. وللأسف الشديد مما يغذي هذه الثقافة عند النساء والأفكار عند الزوجات ما يُعرض في الشاشات: الأفلام والمسلسلات. يا إخوان، تعلم النساء أموراً منكرة وأمورا غير طيبة، كيف تتخلص المرأة من زوجها. وزد على ذلك ما عليه بعض المنظمات اليوم بحجة حقوق المرأة وتحرير المرأة وعدم ظلم المرأة، فيسهلون لها عملية الانفصال من زوجها، بل والهروب لربما من بيت الزوجية. وهذا يا إخوان من الأمور التي أدت إلى طلاق وحالات طلاق كثيرة جداً. طيب، نكمل إن شاء الله عقب الأذان. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه. أما بعد، وهكذا أيها الأحبة في الله، من الأسباب -والأسباب كثيرة- التي تؤدي إلى حصول الطلاق في كثير من الحالات، ولا سيما ما يكون في بداية مرحلة الزواج في السنة الأولى وما بعدها، فلعدم معرفة الزوجين كل منهما بالآخر، يتفاجأ البعض من الأزواج بهذه المرأة التي أدخلت عليه، هو يتخيل في ذهنه صورة ومنظراً، فيفاجأ بالواقع. وسبب هذا يا إخوان عدم العمل بسنة النظر إلى المرأة المخطوبة. النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأزواج إذا خطب أحدهم امرأة أن ينظر إليها، فإن هذا يعتبر سبباً لدوام العشرة، لأنه إذا رآها إما أن يقتنع ويحب استمرار الخطبة ثم النكاح، وإذا لم تعجبه من البداية، فيذهب كل منهما في طريقه، كل منهما في طريقه. وهكذا أيضاً البعض من أولياء الأمور قد يخفي بعض العيوب: المرأة عندها عيب فلا يظهره للرجل، قد يكون سنها خمساً وثلاثين فيقول: هي ابنة خمس وعشرين، فلما يدخل عليها الزوج يرى أثر السن على وجهها ونعومة كفيها إلى غير ذلك، فهذا قد يؤدي إلى حصول المشاكل وتتصاعد حتى تصل إلى الانفصال ووقوع الطلاق. أيضاً من هذه الأسباب: قد يصاب أحد الزوجين أو كلاهما بالعين أو السحر. يدخل الزوج المسكين على زوجته وهو فرح مسرور سعيد، فما هي إلا أيام وإذا به لا يطيق النظر إلى زوجته ولا يستطيع معاشرتها. وهكذا قد يكون العكس في الزوجة. وهذا يا إخوان يدلنا على أهمية أمر، ألا وهو التحصين. يخرج الزوج إلى مراسيم الزواج في ثياب جديدة وصورة جميلة ولا يتحصن، قد يصاب بالعين، فإن العين حق. وهكذا قل في جانب النساء: كم من الزوجات لربما تحمل من ساحة الزواج فيُعتدى بها حملاً بسبب ما يصيبها من العين أو السحر أو غير ذلك. ولهذا الواجب يا إخوان المحافظة على الأنفس وذلك بالتحصين. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحصن الحسن والحسين، فيقول لهما: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». ويخبر عليه الصلاة والسلام قائلاً: «فإن أباكما إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق، إسماعيل وإسحاق». وهكذا أيضاً من هذه الأسباب: أن بعض الشباب يكون في مقتبل العمر وحديث سن، لا يتحمل مسؤولية الزواج، يحصر الزواج في: «آه جاهز، محمول، مشمول». طيب، مثل هذا ما يعيب في الزواج لأدنى سبب وأذنى مشكلة مباشرة: «آه يريد أن يغير، يريد أن يبدل، ما دام أن الزواج بهذه الصورة، فممكن... ماذا؟ يخرج هذه ويدخل مكانها أخرى». ولهذا يا إخوان ينبغي على الآباء -نعم أن يهتموا بتزويج الأبناء- لكن حاول أن تفهمه عظم الأمانة التي سيتحملها والمسؤولية التي ستلقى على كاهله. كم من الأزواج يا إخوان من يدخل في مرحلة زوجية وهو لا يدري ما هي الحقوق الزوجية، ما هي المسؤولية، ما هي الأمانة التي سيتحملها، حتى الذكر الذي يؤتى به عند الجماع، عند الجماع، ما يدري ماذا يقول. وكم يا إخوان نجد مثل هذه الحالات: ليلة الدخول والسيارة جاهزة، يتصل عليه بعض الشباب: «إيش نقول؟ ماذا نفعل؟» طيب، الآن، الآن هذا الذي فيه خير يسأل، وبعضهم لا يسأل ويدخل هكذا في تجربة زوجية. إذن لا بد أن يتعرف الزوج على مسؤولية الزوجية. كذلكم أيضاً من أسباب الزواج -والأسباب التي تؤدي إلى الطلاق-: أن بعض الأزواج لا يريد أن يتحمل المسؤولية، تجده يرمي بأعباء البيت على الزوجة، وهكذا مسؤولية الأولاد على الزوجة. طيب، وأنت ما دورك؟ أين أنت من قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «علموهم وأدبوهم». في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن لولدك عليك حقاً». وفي الصحيحين عن ابن عمر: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، وكلكم مسؤول عن رعيته». وهكذا تجد أنه يتهرب من المسؤولية ويحب أن يخرج، يسهر مع الأصحاب ويتمشى مع الشباب، ولربما يعود في أوقات متأخرة، وماذا؟ لربما قد نام الأولاد، يجد المرأة قد بلغت من التعب مبلغاً من التعب، وهنا يأتي لربما يريد يقضي حاجته مع أهله، والمرأة قد تعبت وعانت، فينشأ الخلاف وتنشأ المشاكل بين الطرفين. من أسباب الطلاق أيضاً: التدخلات في حياة الزوجين، وهذه التدخلات قد تكون من قبل الأب أو من قبل الأم. بعض الأمهات تعاملنا الزوج كأنه لا زال طفلاً، حتى مصروفه إذا أراد أن يخرج العصر تعطيه خمسمائة ريال، ألف ريال، وتدقق في النظر: لماذا تفعل كذا؟ وزوجتك لماذا لا تفعل كذا؟ هذه التدخلات التي ليست في محلها الصحيح تؤدي إلى حصول ضيق، وهكذا تؤدي إلى حصول نفرة ومشاكل في الحياة الزوجية، في الحياة الزوجية. ومن هذه الأسباب أيضاً: أن بعض الأزواج قد يحتاجوا أو قد يضطروا إلى أن يعدد، يقول: «واحدة ما تكفي، أريد ثانية». وهنا أول ما تسمع الزوجة الأولى أن زوجها بدأ يفكر ويبحث، بل وخطب، بل وحدد، وإذا به يعقد ويقوم مشروع الزواج. هنا يا إخوان تغلب الغيرة الكثير من الزوجات، وتتخذ من المواقف ما تندم عليه في الآجل. البعض من الزوجات تقول: «أبداً، إما أنا أو هي، إما أن تترك هذا الأمر أو أتركك». وهذا يا إخوان من المفاهيم الخاطئة. وهنا ينبغي أن يتعامل الزوج مع مثل هذه الحالات برحابة صدر، وهكذا بعظيم الصبر والحكمة. قد تنفع الزوجة الأولى، تغضب وتسب وتشتم وتذهب إلى بيت أهلها، والزوج لا بد أن يتحلى بشيء من الحكمة، ويحاول أن يعالج الموقف بماذا؟ بتؤدة وصبر وغير ذلك. والمصيبة يا إخوان أن بعض من يدخل في تجربة التعدد حاله ضيق، ما عنده تحمل، سريع الانفعال، شديد الغضب، قليل الصبر، ولهذا قد يدمر بيته بيده، قد يدمر بيته وأسرته بيده، وهذا ليس هو المقصود من الزواج. قد يحتاج الذي يريد أن يعدد أن يختار الوقت المناسب لتنفيذ هذا الأمر: المرأة قد تكون مضحية معك، المرأة قد تكون صابرة عليك، المرأة قد تكون... وغيرها من المواقف الجميلة، فينبغي أن يراعي المشاعر، وينبغي أن يتلطف معها، وماذا؟ يحاول أن لا يوقع أشياء تكون سبباً في تدمير البيت وتشتيت الأسرة، تشتيت الأسرة. وهكذا، أحبتي في الله، إذا حصلت مشاكل، إذا حصلت ظروف في البيت، فينبغي على الزوج أن يستخير الله عز وجل، وهكذا يستشير من العقلاء والحكماء من يوجهوه وينصحوه ويرشدوه إلى ما يكون سبباً في بقاء الزوجية ودوام العشرة، وهكذا أيضاً بقاء الألفة بين الزوجين، بقاء الألفة بين الزوجين. أيها الأحبة في الله، الأسباب كثيرة لكن هذه بعضها. ثم ينبغي علينا أن نعلم أن الطلاق يعتبر من الأمور التي الأصل فيها الجواز، الأصل فيها الجواز، إذا وجد السبب الذي يستدعي حصول الطلاق. وإلا فالعلماء يذكرون أن حكم الطلاق يدور على الأحكام الخمسة: قد يكون الطلاق واجباً، قد يكون الطلاق واجباً. ومتى يكون الطلاق واجباً؟ يكون الطلاق واجباً -واجباً، واجباً، واجباً، واجباً- إذا كانت المرأة ليست عفيفة، تذهب تزني وتفعل الفواحش، هنا لا يجوز للزوج أن يسكت عن ذلك. أيضاً ذكروا أن الزواج -أو أن الطلاق- يكون واجباً إذا اتفق الحكمان، حكم من طرف الرجل وآخر من طرف المرأة، اتفقوا على أن استمرار الزوجية لا يمكن، إذن لا بد أن يطلقها. قالوا: هنا يجب عليه أن يطلق، يجب عليه أن يطلق. وهكذا الطلاق قد يكون مستحباً. ومتى يكون مستحباً؟ قالوا: إذا رأى الرجل أن المرأة متضررة بالزواج وغير مرتاحة للزواج، وأنها تريد أن تختلع منه. هنا يا إخوان تظهر الشهامة وتظهر الرجولة، بأن الزوج لا يجعل المرأة تدخل في محاكم، يقول: «لا يا بنت العم، ما يحتاج قاضي ولا يحتاج مشاكل، ما تريدين العشرة معي، ف... آه، ماذا؟ أنا مستعد لإنهاء الحياة الزوجية بالطلاق، بإيقاع الطلاق». فهنا ذكر العلماء أن في مثل هذا يستحب الطلاق. وهكذا أيضاً قالوا: يستحب إذا كان عند المرأة من الأخلاق الذميمة والصفات القبيحة والفاحشة، الفاحشة دون الزنا، دون الزنا، ما لم يستطع أن يعالجه، فهنا قالوا: يستحب له أن يفارقها، يستحب له أن يفارقها. وقد يكون الطلاق محرماً. كيف قد يكون الطلاق محرماً؟ متى يكون الطلاق محرماً؟ الطلاق المحرم يا إخوان هو الطلاق البدعي. ما هو الطلاق البدعي؟ الطلاق البدعي -وهذا يا إخوان للأسف مما يجهله الكثير من الأزواج-: ألا وهو أن يطلق الزوج زوجته وهي حائض، أن يطلقها وهي حائض، هذا لا يجوز، حرام يا إخوان، ويسمى طلاقاً بدعياً. أو يطلقها في طهر لكنه جامعها فيه، طهر قد جامعها فيه، فهنا لا يجوز الطلاق، ويعتبر محرماً، ويسمى طلاقاً بدعياً. إذن ما هو الحل لمن أراد أن يطلق؟ نقول: إذا أردت أن تطلق، هل زوجتك حائض أم أنها طاهر؟ قال: لا، حائض. نقول: انتظر حتى تطهر من الحيض، ثم بعد ذلك إذا طهرت، يجوز لك أن تطلق، بشرط أن يكون الطلاق قبل أن تمسها في هذا الطهر. طيب، آخر يقول: لا، زوجتي طاهر. طيب، نسأله سؤالاً: هل جامعتها في هذا الطهر؟ قال: نعم. نقول: إذا تريد أن تطلق، انتظر. قال: إلى متى؟ قلنا: إلى أن تحيض، ثم ماذا؟ ثم تطهر، ثم ماذا؟ ثم إذا أراد أن يطلق فيطلقها في ذلكم الطهر الذي لم يقربها فيه. ماذا تستنتجون من هذا؟ بعد هذه الخطوات يا إخوان، سيطلق، الطلاق غالباً يكون في ساعة غضب ولحظة انفعال، بعد نصف ساعة، ساعة، يهدأ، فيتأسف ويندم على ما فعل، على ما فعل. إذا، ماذا؟ الطلاق السني هو أن يطلقها وهي طاهر ولم يقربها في ذلكم الطهر. والطلاق البدعي المحرم: أن يطلقها وهي حائض، أي وهي... أو وهي في طهر قد جامعها فيه. الأمر الثاني الذي يحرم فيه الطلاق ويعتبر بدعياً: هو أن يطلقها أكثر من طلقة في وقت واحد، يقول: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق». لا، ما يجوز، وليست هذه بطولة أو رجولة أو شجاعة، وإنما إذا أراد أن يطلق يطلق طلقة واحدة، طلقة واحدة. وكان الأمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا وهكذا على عهد أبي بكر، وفترة من خلافة عمر، طلاق الثلاث يحتسب طلقة واحدة. فلما رأى عمر أن الناس تمادوا في ذلك، قال: «لو جعلناها عليهم ثلاثاً» من باب التأديب، ومن باب كذلك الزجر لهم عن فعل ذلك وارتكاب مثل ذلك. وهكذا الطلاق قد يكون مكروهاً، وقد يكون مباحاً. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول، كما في مجموع الفتاوى: «قال: والطلاق إذا لم تدعو الحاجة إليه منهي عنه باتفاق العلماء، إذا لم تدعو الحاجة إليه، قال: منهي عنه باتفاق العلماء، أما إما نهي تحريم وإما نهي تنزيه». وهكذا ذكر رحمه الله تعالى قائلاً: «قال: والأصل في الطلاق الحظر، يعني المنع، وإنما أبيح منه قدر الحاجة». ثم استدل بحديث جابر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن إبليس ينصب عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه لإغواء وإضلال بني آدم». ومن الأمور المعلومة أن الطلاق إنما يكون بيد الرجل وليس بيد المرأة. وهكذا ينبغي أن يعلم أنه لا يقع طلاق غير الزوج، لو جاء والد الزوج وقال للزوجة: «أنت طالق»، فلا يقع الطلاق إلا من الزوج. وهكذا لا يقع الطلاق من الصبي، ولا من المجنون. واختلفوا، واختلفوا في طلاق السكران والغضبان، السكران والغضبان. والصحيح في هذا: أن السكر إذا بلغ من الشخص مبلغاً، شرباً ثم شرباً ثم شرباً، حتى أصبح لا يعقل، يبول في نفسه، يفعل أشياء لا يعقلها، فهذا حكمه حكم المجنون، رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم المجنون، حتى يعقل. وهكذا أيضاً بالنسبة للغضبان: إذا غضب وانفعل، فالبعض إذا غضب يا إخوان يرتفع الضغط عنده، فلا يعقل ما يقول ولا ما يفعل، تقول له: «أنت قلت كذا»، قال: «أبداً ما قلت»، طيب: «فعلت كذا»، قال: «ما فعلت»، «طلقت زوجتك»، قال: «أبداً، أم عيالي، كيف أطلقها؟» هذا إذا بلغ الغضبان مبلغاً لا يعقل فيه ما يقول أو يفعل، فحكمه حكم المجنون، لا يقع طلاقه. أما إذا كان غضباً يعقل فيه ما يقول وما يفعل، سكران لكن يميز أفعاله، فمثل هؤلاء طلاقهم يقع، طلاقهم يقع. وهكذا بالنسبة لطلاق... أو أن الطلاق يقع من الجاد الذي يقصد الطلاق، ويقع من الهازل: يمزح مع زوجته، قال: «يا فلانة»، قالت: «نعم»، قال: «هادريتي بشيء»، قالت: «ماذا؟» قال: «أنت طالق». افتُجعت المرأة، «عيب عليك»، قال: «لا لا، أنا أمزح معك». لا، ما في اسمه مزاح، طالق، طالق. ولهذا في حديث أبي هريرة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث، جدهن جد، وهزلهن جد»: قال: «النكاح والطلاق والرجعة». فهنا الجاد والهازل كلهم في ذلك سواء، كلهم في ذلك سواء. كذلكم أيضاً، وأوشك الوقت على الانتهاء، الانتهاء. وباب الطلاق يعتبر من الأبواب الكبيرة، ويحتوي على مسائل كثيرة. لكن ماذا؟ أحببنا في مثل هذا المجلس، وفي مثل هذا الاختصار، ماذا؟ أن نسلط الأضواء ونلفت الأنظار على بعض المسائل وبعض الأحكام والآداب المتعلقة بذلك. وننبه يا إخوان على ضرورة وأهمية أن يتعرف المسلمون على مثل هذه الأحكام: المتزوج، وهكذا الشباب