التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 35

الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وجوب اتباع السنة ورد المخالف لها

يؤكد النص على أهمية اتباع السنة النبوية ورد كل ما يخالفها، مشيراً إلى أن الرد إلى الله ورسوله في حالة النزاع هو المبدأ الصحيح. يستشهد بأقوال الأئمة مثل الشافعي وأحمد بن حنبل لدعم هذا المبدأ.

أهمية الرجوع إلى الكتاب والسنة في حل النزاعات

يشدد النص على ضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع، وليس إلى كتب المذاهب أو آراء الأئمة، باعتبار هذا المبدأ أساس الإيمان بالله واليوم الآخر ويضمن السعادة في الدارين.

انتقاد اعتماد المتأخرين على كتب المذاهب دون تطبيقها

ينتقد المقطع اتباع المتأخرين لكتب المذاهب الفقهية دون تطبيق ما جاء فيها، مشيراً إلى أنهم يختارون ما يوافق أهواءهم ويتركون ما يخالفها، ويضرب أمثلة على ذلك في التعامل مع البدع.

خاتمة وتوديع

يتمنى الكاتب أن يكون قد وفق في الكتابة، ويختم بالتوديع مع الدعاء بالتوفيق من الله تعالى، مؤكداً على أهمية الدعاء في ختام الأعمال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر المؤلف في النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين في مسألة البناء على القبور، وذكر الأئمة وذكر أقوال العلماء من المذاهب. وأيضا أجاب على المعترض أن العلماء بذلك راضون، فكيف يكونون راضين وهم كتبهم مشحونة بالنهي عن ذلك وتحريمه، بل ويوجبون هدمه. ثم ذكر أن الواجب هو اتباع السنة ولو خالفها من خالفها. قال رحمه الله: «وما أحسن ما قال الشافعي رضي الله عنه: إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقول الجاهل». وقال أيضا: «أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد». وجاء في بعض الروايات: «أنه بقول أحد كائنا من كان». ﴿فَاللَّهُ يَقُولُ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. فالذي أمرنا أن نتبعه هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم نؤمر باتباع غيره. فلهذا من خالف النبي عليه الصلاة والسلام فقوله مردود، ولو كان من علماء المسلمين. وكذا فقوله لا يقدم على النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا هو من دخلت السنة في قلبه. أما من يرد قول النبي عليه الصلاة والسلام ويعارضه بقول فلان وفلان، فهذا ما عرف السنة. وإن بعض المتمذهبة عظمت هذه المذاهب بأنفسهم حتى أنه يعرف أن إمامه يخالف النص الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأخذ بقول إمامه ولا يأخذ بقول النبي عليه الصلاة والسلام. وكأنه لا بد أن يأخذ بقول إمامه. لكن تجد العلماء الذين على السنة عرفوا أن هذه المذاهب فقط يستدل لها ولا يستدل بقولها. فإذا كما قال الإمام أحمد: «لا يجوز لرجل عرف الدليل ثم يذهب لقول فلان وفلان». قال: «وإذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ولم أخذ به، فاعلموا أن عقلي قد ذهب». وصح عنه أنه قال: «لا قول لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وأيضا من الأشياء التي جاءت عنه، لما قال له بعض أصحابه أو سائل: «رسالة فقال له: حديث النبي صلى الله عليه وسلم كذا، تقول به يا أبا عبد الله؟ فغضب، فقال: أتراني خرجت من كنيسة أتناء معناه أتراني على زنارتين؟» أي كأنه يقول له: هل أنا يهودي أو نصراني حتى لا أقبل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وهذا وإن كان لسان الشافعي فهو لسان الجماعة كله. وأبلغ من هذا كله قوله جل وعز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال: فهذا دليل قاطع على أنه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله، أصوله وفروعه، إلى الله ورسوله لا إلى غير الله ورسوله. فمن حال في الرد إلى غيرهما لقول فلان أو نص كتابه أو عمل فلان وطريقة أصحابه، فقد ضاد الله في أمره. أنا إذا كان أراد أن الرجوع يرجع إلى هذه الأشياء. أنا الآن إذا تنازع رجل على مذهب الشافعي ورجل على مذهب الحنبلي، فهل نرجع إلى كتب المذاهب؟ لا، لا بد أن نرجع إلى الدليل، إلى الكتاب والسنة. بل حتى إذا تنازع أهل مذهب واحد، فلا ينبغي لهم أن يرجعوا إلى نصوص الإمام أو روايات أصحابه، بل يرجع إلى أين الدليل في هذه المسألة من الكتاب والسنة. قالوا: «طريقة أصحابه قد ضاد الله في أمره». فلا يدخل العبد في الإيمان حتى يرد ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. فالتنازع يكون إلى الكتاب والسنة. قالوا: لهذا قال «إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر»، وهذا شرط ينتفي المشروط بانتفائه. فدل على أنه من حكم غير الله ورسوله في موارد النزاع كان خارجا عن مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر. وقد اتفق السلف والخلف على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد وفاته. قال عز وجل: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. أي هذا الرد الذي أمرتكم به من طاعة الله وطاعة رسوله، ورد ما تنازعتم فيه إلى الله والرسول، خيرا لكم في معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خيرا لكم وأحسن عاقبة. فدل على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلا أو آجلا. قال: وهذه قاعدة عظيمة مهمة يحتاج إليها كل أحد، وطالب العلم إليها أحوج. فإنه في الغالب الأحوال يرى نصوص أهل مذهبه قد خالفت نصوص غيرهم من أهل المذاهب، فلا ينبغي له أن يهجم على كتب المذاهب ويأخذ بعزائمها ورخصها. بل الواجب عليه أن يطلب ما جاء في تلك المسائل عن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. أنا يقول: أين النص من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ أو قال: ويعرض نصوص مذهبه ونصوص غيرهم من أهل المذاهب على ما جاء عن الله ورسوله. فما وافقها قبله، وما خالفها رده على قائله كائنا من كان. وهذا هو مذهب أهل السنة جميعا، فهم يجعلون الكتاب والسنة مقدم على قول كل أحد. قال: فيجعل ما جاء عن الله ورسوله هو المعيار، ويدور معه حيث دار. كثير من الناس أو أكثرهم نكس هذا الحكم على رأسه، وجعل الحكم للكتب التي صنفها المتأخرون، فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون. قال: بل صرح بعضهم في مصنفاته بأنه يجب على العامي أن يتمذهب بمذهب، يأخذ بعزائمه ورخصه، وإن خالف نص الكتاب أو السنة. انظر إلى أين ذهب بهم الشيطان، قالوا بوجوب التمذهب، بل وبمخالفة النص الصريح. قالوا: هذا من أعظم حيل الشيطان وحبائله التي صاد بها كثيرا من ينتسب إلى العلم والدين. فنبذوا كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون. وأقبلوا على الكتب التي صنفها متأخروهم، وقالوا: هم أعلم منا. ثم لم يكتفوا بها ولم يعملوا بما فيها. وهذا أيضا من عجيب أقوال هؤلاء، تجد أنهم يعتمدون كتب المتأخرين، حتى من أهل المذاهب، يقولون: إن هذه كتب فيها ترجيح. فمثلا الشافعية يعتمدون «النهاية للرملي»، وأحيانا أيضا يعتمدون كتاب «شرح المنهاج» لابن حجر. وكذلك أيضا المالكية يعتمدون «شرح الدردير» مثلا. وهكذا الحنفية يعتمدون شرحات التي ألفها أصحابهم من المتأخرين مثل «زين العابدين». فيختاروا هذه الكتب ويعتمدون عليها. قال: «رحم الله من قال: هم أعلم منه». ثم لم يكتفوا بها ولم يعملوا بما فيها، بل إن وافق ما فيها هواءه قبلوه وعملوا به. وهذا حق كلامه. حتى هؤلاء تجد أنهم ما يتبعون أئمتهم وعلماءهم في البدع، بل البدع لها شيء آخر. قال: بل إن وافق ما فيها أهواءهم قبلوا وعملوا به، وقالوا: نص عليه بالكتاب الفلاني. وإن خالف ما فيها أهواءهم لم يعبأوا بها. وهذا مثل ما قال الله عز وجل على النصارى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. هم ابتدعوا الرهبانية، وأيضا لم يقوموا بها. وهؤلاء ابتدعوا التمذهب، وأيضا لم يقوموا به. قال: بل ربما جعلوا حجتهم ما فعله إخوان الشياطين من الرؤساء والسلاطين الذين بنوا القباب على القبور، وارتكبوا كل محظور. فزخرفوا القبور بالبناء، وكسوها بما يكسى به البيت الحرام، وفعلوا عندها ما يفعل عباد الأصنام. حتى آل الأمر لأن صار فعلهم هذا حجة تعارض بها النصوص. فيقول قائلهم: «هذا موجود في كل عصر ومصر من غير نكير». أنا من الذي فعله؟ فعل أولا الحكام الذين هم أجهل الناس، وهم الذين بنوا على القبور، ليس العلماء. قال: فيكون إجماعا عندهم. هذا مع علمهم بما نص عليه الفقهاء من النهي عن ذلك وتحريمه، خصوصا البناء في المقابر المسبلة - وقلنا المقابر المسبلة أي التي ليست ملكا لأحد - عن المقابر العامة. قال: فإنهم اتفقوا على تحريم البناء فيها. ثم لا يخفى ما في الحرمين الشريفين من القباب المبنية في المعلاة والبقيع. هذا كان قديما، أما الآن فليس شيء بهذه الصورة بحمد الله، لا في المعلاة التي في مكة عن المقبرة التي في مكة في المعلاة، أو التي تسمى المعلاة في أجياد، ولا أيضا المقبرة التي في المدينة وهي البقيع. قال: وحمى الله عز وجل هذه المقابر بتوحيد هذه الدولة، دولة الحرمين ونجد. فكسرت هذه القباب إلى الآن. معنى أنها ليس هناك شيء من هذا. قال: «مقابر مصر كالقرافة وغيرها، مقابر الشام وغيرها». فهل أنكر المتأخرون ما نهى عنه علماؤهم وحرموه؟ بل أعرضوا عن ذلك كأنهم لم يسمعوه. بل أعرضوا عن كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم. وغلبت عليهم العادة التي نشأوا عليها، ووجدوا آباءهم عليها. واحتجوا بالحجج القرشية: «إن وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون». والحجج الفرعونية. فما بال القرون الأولى؟ وقبلهم إبراهيم لما قال عليه الصلاة والسلام: «أو ينفعونكم أو يضرون؟» قالوا: «بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون». إلى آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله في الاحتجاج عليهم. فإن شاء الله نكتب بهذا. والله تعالى لكم.