الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 706، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يسرد المقطع مناظرة ابن عباس رضي الله عنه للخوارج مستدلاً بصلح الحديبية، ثم يذكر قصة أبي ثور الكلبي الذي رجع عن قول اللفظ فرفعه الله، والكرابيسي الذي أصر فوضعه الله. يبين أن من طلب الحق بإخلاص وفقه الله، ومن طلب العلو بعقله خُذل.
يبرز المقطع مكانة الصحابة كأعلم الناس بكتاب الله وسنة نبيه، ويؤكد أن من خالف منهجهم ضل وغوى مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال سلفية. كما يبيّن جواز جدال العالم لأهل البدع عند الضرورة لكشف الحق، محذراً من نظرة أهل البدع الناقصة للنصوص.
يوضح المقطع خطأ فهم الخوارج لشعار "لا حكم إلا لله" وأن الصلح من شرع الله وليس خروجا عن حكمه، مع ذكر فضيلة الصلح في الدماء. ثم ينتقل لحكم كشف الرأس في الصلاة وأن العمامة من الزينة المستحبة، ويختم بذكر حديث صحيح عن انحسار الفرات عن كنز من ذهب كعلامة من علامات الساعة.
يذكر المقطع حديثاً صحيحاً في صحيح مسلم يصف خروج الأرض لفلذات أكبادها من الذهب والفضة، فتقع الفتنة ويقتل الأخ أخاه ويقطع الرحم. ثم يترك الناس الكنوز فلا يأخذ منها أحد شيئاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار. قال عبد الرحمن بن مهدي: وأبو سعيد البصري. قال الإمام: قال علي بن المديني: ما رأت عيني أفضل من عبد الرحمن بن مهدي. قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني أبو زميل، وهو سماك بن الوليد، قال: حدثني عبد الله بن عباس، قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا، فقلت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لي: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: امحُ يا علي. اللهم إنك تعلم أني رسولك. امحُ يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. والله لرسول الله خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محو ذلك يمحاه من النبوة. أخرجتم من هذه؟ قالوا: نعم. وهذا قد تقدم في الرواية التي قبلها. ثم قال الشيخ: قال أبو داود رحمه الله: حدثنا إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي. إبراهيم بن خالد أبو ثور صاحب الشافعي رحمه الله. أبو ثور الفقيه، وليس ممن كان يسمى بثور ذاك ثور الكلابي الذي قال فيه سفيان: خذ من ثور، وحذر قرناه. وأما هذا أبو ثور فكان صاحب الشافعي، وكان في بداية أمره يقول باللفظ، فلما رأى العلماء حذروا تركه لهذا، يقول مروان الطاطري رحمه الله: اعتبروا برجلين، اعتبروا برجلين: بأبي ثور الكلبي كان يقول باللفظ فرجع، فرفعه الله. كان يقول باللفظ فرجع، أي تاب ورجع إلى أهل السنة وإلى العلماء فرفعه الله. والحسين بن علي الكرابيسي كان يقول باللفظ فأصر على قوله فوضعه الله. أنا يريد أن يبين كيف يرفع الله عز وجل العبد وكيف يضعه. فهذا أبو ثور لما خضع للحق رفعه الله، تواضع للحق فرفعه الله، وذاك تكبر. الحسين بن علي الكرابيسي تكبر وظن نفسه أنه أعرف من الأئمة فوضعه الله، فليس له ذكر بعد ذلك مع أنه عالم كبير وعنده ذكاء، لكن ذهب علمه بسبب عقله. ولهذا قال بعض أهل العلم: رأيت الحسين بن علي الكرابيسي وعقله أكبر من علمه، أن عقله أكبر من علمه، وهذا يرديه إلى المهالك. ظن أنه أكبر من الأئمة وأعلم منهم فسقط على أم رأسه، فتركه الناس، فتركه الناس فما بقي إلا وحده، وكان أبو ثور صاحبه ثم تركه أيضا، وهذا بسبب العناد والإصرار على الخطأ. قال: أخبرنا... وانظروا إلى قصة سلمان الفارسي كما قد ذكرنا، فلما كان باحثا عن الحق ويريد الحق وفقه الله، وكل من أراد الحق وأخلص لله وفقه الله عز وجل إلى ذلك. وأما من أراد قوله ورفعة قوله، وأراد أن ينتصر لقوله فقط ولنفسه، فهذا غالبا ما يخذله الله عز وجل ويبعده عن الحق. قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي، قال: أخبرنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، قال: أخبرنا عكرمة بن عمار وهو يمامي أيضا، قال: حدثنا أبو زميل، قال: حدثني عبد الله بن عباس، قال: لما خرجت الحرورية أتيت عليا رضي الله عنه، فقال: آتِ هؤلاء القوم. فلبست أحسن ما يكون من حلل اليمن. قال أبو زميل: وكان ابن عباس رجلا جميلا جهيرا، أنا جهير الصوت. قال ابن عباس: فأتيتهم، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، ما هذه الحلة؟ ولا أنكروا عليه اللبس. قال: ما تعيبون؟ لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن ما يكون من الحلل. فهذا يدل على جهلهم، فهم ينكرون ما كان صحيحا. قال أبو داود: اسمه أبو زميل سماك بن الوليد الحنفي. قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم. وهذا تابع للذي قبله. وهذا الحديث وهذه المناقشة فيها عدة فوائد، فمن تلك الفوائد التي تؤخذ من هذه الحادثة: أنه لا بأس للعالم المتمكن أن يجادل أهل البدع إذا كان يعلم حجتهم ويعلم ما هم عليه حتى يبين لهم الحق، وهذا في مضائق، وإلا الأصل أن الإنسان لا يفعل، ولو كان عالما، إلا إذا كانت هناك مصلحة، مثل ما حصل لابن عباس في هذه المسألة، فذهب يناقشهم فيما هم عليه، فهذه من المضائق التي أيضا ذكرها أحمد، فأحمد رحمه الله لم يجادل حتى احتاج إلى ذلك الجدال، احتاج إلى تلك المناقشة فناقش الجهمية وغيره. وأيضا في هذا الحديث: أن من اتبع طريقة... أن من لم يتبع طريقة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو ضال، وضل الطريق، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: 137]، الذي يؤمن إيمان الصحابة ويمشي على طريقتهم فهو المهتدي. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، فالذي يتبع غير سبيل المؤمنين وهم الصحابة فهو مشاق لله ولرسوله. وأيضا كذلك الطريقة التي رضي الله عز وجل عنها هي طريقة الصحابة، فمن لم يسلك سبيلهم فهو ظالم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]، ومفهوم الآية أن من لم يتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو لم يرضَ الله عز وجل عنه، أي أنه من أهل الضلال الذين غضب الله عز وجل عليهم ولعنهم من اليهود والنصارى. فلذلك فمن فارق منهج الصحابة ضل، وأيضا صار من أهل الأهواء. وهؤلاء الخوارج ليس فيهم أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلك على جهلهم وعلى عدم معرفتهم بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وأيضا في الحديث أو في هذه الحادثة: أن لزوم منهج الصحابة هو الذي ينجي العبد، لأن الصحابة هم أعلم بكتاب الله، هم أعلم بكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلذلك كان يقول شيخ الإسلام: أن من... إذا جاء الخلاف عن أصحاب رسول الله، أولا: ذكر أن إجماعهم إذا اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد أن يخالفهم، وإذا اختلفوا على قولين فلا يجوز لأحد أن يأتي بقول ثالث، أن إذا اختلف الصحابة على قولين لا يأتي إنسان بقول ثالث. أيضا في هذا الحديث: أن طريقة العلماء ومن عرف دين الله هي الطريقة الصحيحة، بخلاف أهل البدع فإنهم لا يفهمون النصوص، وينظرون إلى النصوص بنظرة عوراء، كما قال شيخ الإسلام: يأخذون ما لهم ويتركون ما عليهم، كما قال الإمام أحمد: أهل البدع يأخذون ما لهم ويتركون ما عليهم، لكن أهل السنة يأخذون النصوص كلها فيجمعون بين النصوص. فهؤلاء أخذوا كلاما، كما قال علي رضي الله عنه لما استمعوا فقالوا: حكم الرجال في الشرع، والله عز وجل يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]، فقال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل. كانوا يقولون: لا حكم إلا لله، أنا شعار رفعوا: لا حكم إلا لله، وهذا حق، أن الحكم لله جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: 40]، لكن ما المقصود بهذه العبارة؟ فلذلك قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، كلمة حق لكن أريد بها باطل، فهم أرادوا أن يخرجوا على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وسموا هذا التحاكم، سموه أنه حكم بغير الله وبغير شرع الله. وهذا كثير ممن لم يفهم كتاب الله جل وعلا يجعل أمورا ليست هي خارجة عن شرع الله يجعلها خارجة عن شرع الله جل وعلا، في أمور الصلح. وبعض الناس يكفر حتى بالصلح إذا حصل صلح، قال: هؤلاء لم يحكموا بشرع الله، فصلح هو من شرع الله، وقد أمر الله عز وجل بالصلح، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصلح، فالصلح يدخل قبل الحكم. النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد... لما تشاجر الزبير بن العوام والرجل الأنصاري على شرجة الماء وعين الماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا زبير اسقِ ثم أرسله لجارك، لأن الزبير كان متقدما، اسقِ ثم أرسله لجارك. فقال الرجل: إن كان ابن عمتك يا رسول الله. فقال: إذن... هذا معنى... أولا جاء بالصلح، أولا بدأ له بالصلح، فقال: اسقِ يا زبير حتى يرتد إلى الجذر، هذا الحكم، هذا الحكم، فالصلح لا بأس إذا كان سيصلح بينهما، لا بأس وليس هو خارج عن حكم الله جل وعلا، بل هو من حكم الله، والصلح خير كما قال الله عز وجل. وأيضا كذلك فيه فوائد كثيرة من ناحية بعض المسائل التي ذكرها في الصلح بين الرجل والمرأة، وأن أعظم منه الصلح في الدماء، الصلح في الدماء أعظم من أن يصلح الرجل... أن يصلح الرجل ومرأته، كما قال ابن عباس: أرأيتم الصلح في الدماء بين... الصلح في الدماء بين المسلمين أعظم أم الصلح على بضع امرأة؟ فلذلك فالصلح بين المسلمين عظيم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى الحسن: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله عز وجل به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، سيصلح الله عز وجل به فئتين عظيمتين من المسلمين. وهناك أيضا فوائد أخرى، حسبنا أن نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. قال هنا: قد سمعت في كتاب المذاهب: بكشف الرأس في الصلاة، هل هو مكروه، وهل هذا صحيح؟ كشف الرأس في الصلاة لم يأت فيه نهي عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أدخله بعض أهل العلم في هيئة المصلِّي. قال الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، والمراد به الصلاة، أي: خذ زينتك عند الصلاة، فما كان يتزين به المرء في لباسه فأيضا يعتبر في الصلاة، مما تزين. لهذا كان بعض أهل العلم يلبس إذا أراد أن يصلي يلبس من أحسن الثياب، وهذا من هذا الباب، كما ذكر أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فلبس العمامة هو أفضل من عدم لبسها، لبس العمامة فهي تيجان الرأس، تيجان العرب، وهو من التحلي باللباس الحسن، فهي في الصلاة تكون الصلاة بالعمامة أفضل من هذه الناحية. وأما حديث: «صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة» فهذا حديث موضوع. قالوا في الخبر: أن اكتشاف الذهب عندنا في نهر الفرات، وهل هذه الأخبار صحيحة؟ نعم، هذا في صحيح مسلم: أن نهر الفرات يحسر عن كنز من ذهب، يجتمع إليه الناس فيقتتلون، فيقتتل عليه ثم يتركوه، ثم يدعوه فلا يأخذوا منه شيئا. وأيضا في الحديث الآخر: أن الأرض تخرج فلذات أكبادها من الذهب والفضة كالأستوانات، للكالاستوانة تخرجها هذه الأرض، فيجتمع إليه الناس يستمعون إلى الذهب والفضة، فيقول أحدهم: في هذا قتلت أخي، ويقول آخر: في هذا قطعت رحم، ثم بعد ذلك يتركوه فلا يأخذ منه أحد شيئا. فهذه الأحاديث صحيحة في... كما قلنا في صحيح مسلم. ونختم بهذا، والله تعالى أعلم.