الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدرس يبدأ بشرح بعض أسماء الله الحسنى وصفاته مثل الباقي والآخر والإرادة، ويبين معانيها وأدلتها من القرآن والسنة. كما يوضح أن الله منفرد بالخلق والإرادة والحكم.
يتطرق الدرس إلى موضوع الهداية والإضلال والقدر، موضحاً أن الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وأن هذا كله لحكمة بالغة قضاها الله. كما يشير إلى علم الله السابق لما سيكون عليه العباد ومقادير الخلق.
يستمر الدرس في الحديث عن بعض أسماء الله الحسنى مثل السميع والعليم والغني، ويوضح دلالتها وخصائصها، مشيراً إلى أن صفات الله مطلقة بينما هي محدودة لدى المخلوقين. كما يؤكد على افتقار الخلق إلى الله.
يختتم الدرس بالتأكيد على أن كل شيء في الوجود مفتقر إلى الله، ولا يستغني عن تدبيره وإمداده، فالكل محتاج إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال العلامة حافظ حكمي رحمه الله: "باق فلا يفنى ولا يبيد ولا يكون غير ما يريد، منفرد بالخلق والإرادة وحاكم جل بما أراده". طيب الآن أيضا أراد أن يذكر بعض الأسماء والصفات. ومن ذلك قوله "باق فلا يفنى". وهذا الباقي لم يأت في القرآن والسنة تصريح بهذا الاسم -اسم الباقي- لكن هناك ما هو في معناه، وهو اسم الله عز وجل "الآخر". في حديث يذكر شيئا آية وحديث فيه باقي في اسم الله الباقي. هذا كل من عليها فان، هذا معنى أقصد. اسم ويبقى وجه ربي ذو الجلال والإكرام، هذه الصفة صفة البقاء. والقاعدة عند العلماء أن الأسماء ما تأخذ من الصفات، وإنما الصفات تأخذ من الأسماء. فالباقي ليس من أسماء الله عز وجل التي وردت في الكتاب والسنة، لكن ما في معناه هو "الآخر". اسم الله الآخر هو الأول والآخر والظاهر والباطن، الآخر هو الباقي الذي ليس له انتهاء. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، بقاء باق فلا يفنى ولا يبيد. الفناء ليس مكتوبا على الله عز وجل، فهو باق جل وعلا. ويبقى وجه ربك كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. ولا يبيد، أن ينتهي. الإبادة معنى الانتهاء. قال "ولا يكون غير ما يريد". وأيضا الإرادة صفة ذاتية ومعنوية في الله عز وجل. وهذه الصفة صفة عظيمة تدل على تصرف الله عز وجل في هذا الكون، فلا يكون إلا ما يريد جل وعلا. لا شيء يخرج عن حكمه ومشيئته، فعال لما يريد، فعال لما يريد. وهذا يدل على الإرادة المشيئة بمعنى المشيئة. قال "منفرد بالخلق والإرادة وحاكم جل بما أراده". منفرد بالخلق، فالخلق كلهم عبيده وخلقه. مثل ما قال الله عز وجل ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ تبارك الله رب العالمين، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. والأمر، وهذا الذي قصده هنا منفرد بالخلق والإرادة. الخلق مثل الآية، والإرادة هو الأمر، له الخلق وله الأمر، الأمر الكوني والأمر الشرعي. وهنا المقصود به الأمر الكوني، الأمر الكوني أي المشيئة. فلا يكون إلا ما يريد جل وعلا. قالوا "حاكم جل بما أراده". أنه له الحكم، وهو الأمر الشرعي، أمر كوني وأمر شرعي. الأمر الكوني هو المشيئة، والأمر الشرعي هو الحكم الشرعي نفسه، وهو ما جاء في الآيات من الأوامر، ولا حديث من الأوامر. فلا يكون في الكون إلا ما أراده الله عز وجل، والحكم الواجب هو حكمه شرعيا الحكم الشرعي. قال "فمن يشاء وفقه بفضله ومن يشاء أضله بعدله". فمنهم الشقي والسعيد، وذا مقرب وذا طريد، لحكمة بالغة قضاها، استوجب الحمد على اقتضاها. الآن فمن يشاء وفقه بفضله ومن يشاء أضله بعدله. الملك ملكه جل وعلا، والخلق خلقه سبحانه وتعالى، فهو يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله. فمن هداه الله عز وجل فهو بفضل من الله، ومن أضله فهو بعدله. لماذا؟ لأن الله عز وجل الملك ملكه جل وعلا، وهو علم ما العباد فاعله. قد علم ما العباد فاعله، فقدر لهم ما قد علمه جل وعلا. والله بكل شيء عليم. إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض. فلهذا من أضله أضله، ومن هداه هداه بفضله. فمن يشاء وفقه أي هداه، وفقه للهداية فهو بفضل الله جل وعلا. ومن أضله فبعدله، لأن الله عز وجل علم منه الإضلال، علم منه الضلال فأضله. قال "فمنهم الشقي والسعيد وذا مقرب وذا طريد". أن هذا في علم الله عز وجل، علم منه الشقي ومن السعيد، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وكتب ذلك أيضا قبل أن يخلق الجنين، فيأمر الملك فيكتب رزقه وعمله وأجله والشقي أو سعيد. قال "فمنهم الشقي والسعيد وذا مقرب وذا طريد". وهذا لحكمة الله عز وجل وعلمه سبحانه وتعالى بعباده. وسيأتي إن شاء الله وتعالى الكلام على هذا في القدر. قال "لحكمة بالغة قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها". أن هذا كله لحكمة، يهدي من يشاء ويضل من يشاء لحكمة، رأى معنى بالغة عند الرب سبحانه وتعالى، قد نعلمها وقد لا نعلمها، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمها. قال "وهو الذي يرى دبيب الذر في الظلمات". في الظلمات فوق صم الصخر، وسامع للجهر والإخفات بسمعه الواسع للأصوات. أيضا هنا ذكر صفات من الصفات العظيمة، وهي صفة الرؤية والبصر، بصر وداخل في اسم الله عز وجل البصير. فهو يرى دبيب الذر في الظلمات، عن الذرة الصغيرة الذي هو أقل شيء يرى في الوجود. وقيل أن الذرة هو الحيوان، أقصد الذرة هو الحشر الصغيرة. من النمل، معنى الذرة هو أصغر شيء يرى بالعين. فيرى دبيب الذر، معنى يريد صغار النمل. دبيب الذر في الظلمات فوق صم الصخر، الصخر الحجر الملساء، عندما تذب فيها النملة لا يسمع الصوت فيها. وكذلك إذا كان في الظلمات لا ترى، لكن الله عز وجل صفاته جل وعلا كمال، ومن أوسع الصفات. قال "وسامع للجهر والإخفات". أيضا هنا صفة من صفات الله عز وجل، وهي صفة السمع. وسامع للجهر والإخفات لأنه سميع جل وعلا، وسمعه سمع كمال واسع جدا، ليس له غاية ولا حد. أسماء الله عز وجل حسن ليس لها غاية في حسنها، كلها كمال وجمال. قال "وسامع للجهر والإخفات حتى إن تبدوا ما في صدوركم أو تخفوه يعلمه الله". اجتمع رجلان من قريش أو أحدهما القرشي والآخر ثقفي، فاجتمع عند الحجر -أي عند الكعبة- فقال أحدهما: "إن الله عز وجل يسمعنا إذا جهرنا ولا يسمعنا إذا خفينا". فنزل الله عز وجل ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ وقال الله عز وجل لموسى «إني معكم أسمع وأرى». كسمع الله عز وجل واسع. ومن اعتقد أن المخلوق سمعه كسمع الله فهو مشرك. على مثل هؤلاء الذين اعتقدوا أن المقبورين ممن يسمون بالأولياء يسمعون كل شيء، فجعلوا سمعهم كسمع الله. والذي عليه النصوص وكذلك العقل أن سمع المرء محدود، سمع العبد محدود ليس له سمع مطلق، وليس له أيضا سمع واسع، وإنما سمعه محدود. وإنما السمع المطلق الواسع هو سمع الله جل وعلا. قال "وهو الغني بذاته سبحانه جل ثناؤه تعالى شأنه". وكل شيء رزقه عليه، وكلنا مفتقر إليه. أيضا هنا اسم الله عز وجل الغني. طيب قال "وعلمه بما بدأ وما خفي أحاط علما بالجلي والخفي". أيضا علم الله عز وجل واسع، بما بدأ أي ما جهر به الإنسان وما أخفاه. يعلم السر وأخفى، أي أخفى من السر. يعلم السر وأخفى. وعلم الله عز وجل على قسمين: علم أزلي وعلم متجدد. فكل شيء يعلمه الله وهو بكل شيء عليم، يعلم ما قد وقع ويعلم ما سيقع. وما أيضا ما وقع وما سيقع، وعلمه بما بدأ وما خفي أحاط علما بالجلي والخفي، فعلمه واسع. قالوا "هو الغني بذاته سبحانه جل ثناؤه وتعالى شأنه". الغني بذاته أيضا من أسماء الله عز وجل الغني الحليم. الغني الذي استغنى عن غيره، فهو قائم بنفسه جل وعلا لا يحتاج إلى أحد. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي يقول الله عز وجل «يا عبادي إن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد ثم سألني كل واحد مسألته فأعطيته لم ينقص ذلك من ملكي شيء إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في اليم». فهو الغني بذاته جل وعلا. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. كل شيء محتاج إلى الله. قال "وكل شيء رزقه عليه وكلنا مفتقر إليه". ما أريد من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. فربنا جل وعلا هو الرزاق، لا يحتاج إلى أحد، فهو الذي يرزق وهو الذي يخلق وهو الذي ينعم، وكلنا مفتقر إليه. فكل شيء مفتقر، وكلنا مفتقر إليه أي محتاج إلى الله عز وجل.