الدرس في كتاب الطهارة 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث عثمان بن عفان في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان سنن الوضوء مثل غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق. يناقش آراء العلماء في واجبات ومستحبات الوضوء.
يناقش تفاصيل الوضوء مثل وجوب المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس. يشير إلى اختلافات في تفسير بعض الألفاظ القرآنية ويبين أن السنة النبوية توضح المراد بذلك.
اختلاف العلماء في مسألة مسح الرأس وهل يجزئ مسح بعضه أم لا بد من استيعاب كله، واختلافهم في تحديد الكعبين المراد غسلهما في الوضوء.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن حمران أن عثمان دعا بوضوء، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ نحو وضوء هذا. متفق عليه. قال الشارح: وعن حمران، بضم الحاء، وسكون الميم، وبراء، وهو ابن أبان، بفتح الحمزة، وتخفيف الموحد، وهو مولى عثمان، أرسله له خالد بن الوليد من بعض من سباه في مغازيه، فاعتقه عثمان؛ لأنه كان مولى له ملازما له. قال: أن عثمان -هو ابن عفان- تأتي ترجمته قريبا، دعا بوضوء، أي: بماء يتوضأ به. فغسل كفيه ثلاث مرات، هذا من سنن الوضوء باتفاق العلماء، وليس هو غسلهما عند الاستيقاظ الذي سيأتي حديثه، بل هذا سنة الوضوء. فلو استيقظ وأراد الوضوء، فظاهر الحديثين: أن يغسل كفيه للاستيقاظ ثلاث مرات، ثم للوضوء كذلك. ويحتمل تداخلهما، وظاهر هذا: أنه يغسل كفيه ثلاثا للاستيقاظ، وثلاثا للسنة. ثم تمضمض، المضمضة: أن يجعل الماء في الفم، ثم يمجه. وكمالها: أن يجعل الماء في فيه، ثم يديره، ثم يمجه. وفي القاموس: المضمضة تحريك الماء في الفم. فجعل من مسماها التحريك، ولم يجعل منه المجه. المضمضة: منهم من يقول: هي إدخال الماء وتحريكه، ومنهم من يقول: إدخال الماء وإخراجه. فمنهم من يجعل التحريك من مسمى المضمضة، ومنهم من أهل اللغة من لا يجعله كذلك. قال: ولم يذكر في حديث عثمان: هل فعل ذلك مرة أو ثلاثا؟ لكن في حديث علي عليه السلام: أنه مضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، فعل ذلك ثلاثا، وهو حديث حسن. وجاء أيضا كذلك من حديث أوس بن أوس: أنه قال: استوكف النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا. استوكف: أي غسل كفيه. فغسل الكفين سنة، إذا كان سنة مستحبة. قال: ثم قال: هذا الطهور، النبي صلى الله عليه وسلم قال: واستنشق، الاستنشاق: إيصال الماء إلى داخل الأنف، وجذبه بالنفس. لا أقصاها، أي: إدخال الماء إلى أنفه. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ أحدكم فليدخل في أنفه، ثم لينتثر. قال: واستنثر، الاستنثار: عند جمهور اللغة، والمحدثين، والفقهاء: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. وسمي استنثارا؛ لأنه يحرك النثرة، وهي اللحمة التي تكون في طرف الأنف. فسمي استنثارا، وهو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. ومسألة المضمضة والاستنشاق من ناحية الحكم: حصل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنهما واجبتان، ومنهم من قال: إنهما سنة. وهذا قول جمهور. ومنهم من فرق بين المضمضة والاستنشاق، فقال: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب. وهذا رواية عن أحمد، ونسب أيضا إلى أبي عبيد، والقاسم السلام، وأبي ثور، وخالد الكلابي. ولم يأت في الأدلة صريحا الوجوب في المضمضة، فأكثر ما جاء في فعل النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أنه جاء في بعض الروايات فيها المضمضة، مثل حديث لقيط بن صبرة: أنه قال له: إذا توضأت فمضمض. وهذه الرواية اختلف فيها بعض العلماء؛ لأنها زاد هذه الرواية محمد بن بشار، وإلا أكثر من رواه هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، وعن غيره، لم يذكروا: ثم تمضمض، أو قال له: إذا توضأت فمضمض. فبعضهم جعلها أنها فيها شذوذ، ولهذا لم يأخذوا بها. والأفضل أن الإنسان يحرص على المضمضة وعلى الاستنشاق، لكن إذا فرط فيهما: هل يبطل وضوءه؟ فالإمام الشافعي رحمه الله استدل بعدم وجود المضمضة والاستنشاق. قال: لم يأت عن أحد من السلف أنه أبطل وضوء شخص إذا ترك المضمضة والاستنشاق. قال: ولم يأت عن أحد أنه أبطل المضمضة والاستنشاق، أو أبطل الوضوء بسبب المضمضة والاستنشاق. وجاء في الاستنشاق أحاديث في الوجوب، منها حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه، ثم لينتثر. هذا يدل على وجوب هذا الأمر. لكن هل هذا الوجوب يعني أنه ركنية؟ فهذا معنى مشكل في مسألة الوضوء؛ لأنه لم يقل أحد بالركنية في المضمضة، وظاهر كلام أبي عبيد، وأبي ثور: أنهم يوجبون الاستنشاق، وهي رواية عن أحمد: يوجبون الاستنشاق. لكن إذا كان هذا الوجوب على أنه إذا تركه أعثم، فهو قول وجيه. وليس أنه إذا تركه أبطل وضوءه. قال: واستنثر، أيضا الاستنثار تابع للاستنشاق، إذا قلنا بوجوب الاستنشاق، أيضا نقول بوجوب الاستنثار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه، ثم لينتثر. قال: ثم غسل وجهه ثلاث مرات. وسيأتي إن شاء الله تعالى السنة في المضمضة والاستنشاق. ثم غسل يده اليمنى، فيه بيان لما أجمل في الآية في قوله: وأيديكم، وأنه يقدم اليمنى إلى المرفق. لكن هل تقديم اليمنى واجب؟ قال بعضهم في وجوبه، الظاهرية استدلوا بحديث: ابدأوا بما يأمنكم. لكن الصحيح: أن هذه الرواية ليست صحيحة، وسيأتي الكلام على هذه الرواية إن شاء الله. والذي عليه جمهور العلماء، وجاء عن بعض الصحابة: أنه يستحب التيامن. سيأتي الكلام على التيامن، حديث عائشة. قال: المرفق، بكسر الميم، وفتح الفاء، وفتحهما. مرفق، ومرفق. وكلمة "إلى" في الأصل للانتهاء، قد تستعمل بمعنى "مع". أن العصل: أنه "إلى المرفق"، أي: المرفق لا يدخل فيه، ليس داخلا فيه. فقد تأتي "إلى" للانتهاء، وهي العصل كذلك، لكن قد تأتي بمعاني أخرى. قالوا: بينت الأحاديث: أنه المراد، كما في حديث جابر: كان يدير الماء على مرفقيه، أي: النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه الدارقطني بسند ضعيف، أنه هذا، بل حديث ضعيف جدا. قالوا: أخرج بسند حسن في صفة وضوء عثمان: أنه غسل يديه إلى المرفقين، حتى مسح طرف العضدين. وهو عند البزار، والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء. هذا الحديث أيضا في ضعف، لكن يغني عنه حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أنه توضأ حتى أشرع، فغسل يديه حتى أشرع في العضد، وغسل رجليه حتى شرع في الساق. فهذا يدل على أنه يتعدى الساق، يدخل المرفق في الغسل. وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. وهذا بيان لهذه الآية: أن الغسل يكون إلى المرفق، معنى: داخل المرفق مع اليدين. وهذا قول جمهور العلماء، بل يقولون: إذا ترك المرفق، فالوضوء غير صحيح. فهنا "إلى" بمعنى "مع"، إلى المرافق، أي: مع المرافق. قال: وغسل ذراعيه حتى جاوز المرافق، معنى حديث وائل بن حجر. وأيضا فيه ضعف. قال في الطحاوي، والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد، عن نبيه: أنه غسل ذراعيه حتى سال الماء على مرفقيه. قال: فهذه الأحاديث تقوي بعضها بعضا. وهكذا الشيخ الألباني رحمه الله قوى حديث جابر بهذه الشواهد؛ على أنه يقوي بعضها بعضا. قال إسحاق: الإبراهيم في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية، وأن تكون بمعنى "مع". فبينت السنة أنها بمعنى "مع". قال الشافعي: لا أعلم خلافا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. وبهذا عرفت أن الدليل قد قام على دخول المرافق. وخالف بعض الشيعة، فقال: أن المرفق لا يدخل. قال الزمخشري: "نفض إلى" يفيد معنى الغاية مطلقا، فعما دخول في الحكم، وخروجها. فأمر يدور مع الدليل. ثم يذكر أمثلة لذلك. قال: وقد عرفت أنه قام ها هنا الدليل على دخولها. ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، أي: المرفق ثلاث مرات. ثم مسح برأسه، وخلاص الأمر: أن المرفق داخل في اليدين. قالت: ثم مسح برأسه، هو موافق لعاية في التأكيد بالباء. ومسح يتعدى بها، وبنفسه. فعل يتعدى، فيجزم مفعولين. وقال القرطبي: إن الباء هنا للتعدية، يجوز حذفها وإثباتها. وقيل: دخلت الباء هنا لمعنى تفيده، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به. هنا قال: دخلت الباء هنا لمعنى تفيده، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به، والمسح اللغة لا يقتضي ممسوحا به، قد يمسح وقد لا يمسح؛ لأن المسح يصيب ما أصاب، ويخطئ ما أخطأ. قال: إذا قال: فلو قال: "امسحوا رؤوسكم" لأجزأ المسح باليد بغير ماء. وكأنه قال: فامسحوا برؤوسكم الماء، ادخلوا الماء في رؤوسكم. المسح يكون بالماء. قالوا: باب القلب، والعصل فيه: فامسحوا بالماء رؤوسكم. ثم اختلف العلماء: هل يجزئ مسح كل الرأس أو بعضه؟ قالوا: والآية لا تقتضي أحد الأمرين بعينه؛ إذ قولوا: وامسحوا برؤوسكم، يحتمل جميع الرأس، أو بعضه. ولا دلالة في الآية على استيعابه، ولا عدم استيعابه. لكن من قال: يجزئ مسح بعضه، قال: إن السنة وردت مبينة لأحد احتمالي الآية، وهو ما رواه الشافعي من الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فحسر العمامة عن رأسه، ومسح مقدم رأسه. قال: وهو إن كان مرسلا، فقد اعتضد بمجيئه مرفوعا من حديث أنس. وهو إن كان في سنده مجهول، فقد عضد بما خرجه سعيد المصيصي من حديث عثمان في صفة وضوئه: أنه مسح رأسه، مقدم رأسه. وفيه راو مختلف فيه. لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مسح مقدمة الرأس، وإنما جاء ذلك في حديث المغيرة بن شعباء: مسح بمقدمة رأسه، ثم أكمل على العمامة. ثم أكمل على العمامة، اشتدل به الشافعي أيضا على جواز مسح بعض الرأس، لكن هنا جاء بالمسح مع مسح العمامة: يمسح مقدمة الرأس مع الإكمال على العمامة. قال: وثبت عن ابن عمر الكدفاء بمسح بعض الرأس. قال ابن المنذر وغيره: ولم ينكر على أحد من الصحابة. ومن العلماء من يقول: لا بد من مسح البعض، من التكميل على العمامة لحديث المغيرة، وجابر عند مسلم. حديث المغيرة: أما جابر فليس فيه شيء في مسح العمامة. قالوا: لا بد من ذكر في هذه الرواية تكرار مسح الرأس، كما ذكروا في غيرها. وأحمد بن حنبل وغيره يقولون: أنه البعض للإلصاق فقط. لا بد من مسح ومسح المراد: رؤوس، أمسح رؤوس، أي: كلها. قالوا: بينت ذلك السنة، كما سيأتي في حديث عبد الله بن زيد. بينت هذا السنة. قالوا: ولم يذكر في هذه الرواية تكرار مسح الرأس، كما ذكره في غيرها. وإن كان قد طوى ذكر التكرار أيضا في المضمضة، كما عرفت. وعدم الذكر لا دليل فيه. ويأتي معنا: يقولون عدم الذكر لا يدل على العدم. قالوا: ويأتي الكلام في ذلك. ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات. قالوا: الكلام في ذلك ما تقدم في يديه اليمنى، معناه: نفس الكلام، ونفس المسائل إلى المرفق، إلا أن المرافق قد اتفق على مسماها، بخلاف الكعبين، فوقع في المراد بهما خلاف. والمشهور: أنه العظم الناشز عند ملتقى الساق، وهو قول أكثر. أن هذا المعروف: العقب أو الكعب. قالوا: أحكي عن أبي حنيفة، والإمامية: أنه العظم الذي في ظهر القدم، عندما ي عقد الشراك. على هذا العظم، وليس هكذا. قالوا: في المسألة مناظرات ومقالات طويلة. قال في شرح: ومن أوضح الدليل على ما قال جمهور: حديث النعمان بن بشير في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. فرأيت الرجل منه يلتق كعبه بكعب صاحبه. وهذا فيه رجل مختلف فيه. حديث النعمان بن بشير. قال: ولا يخفينه، لا ينهض فيه؛ لأن المخالف يقول: أنا أسميه كعبا، ولا أخالفكم فيه، لكني أقول: إنه غير المراد في آية الوضوء. قال: وغاية ما في حديث النعمان: أنه أسمي الناتج كعبا، ولا خلافة في تسميته. وقد أيدنا في حواشي ضوء النهار: أرجحية مذهب جمهور بأدلة هناك. معناه: لأن فهنا يقول: أن العظم الناتج عند ملتقى الساق، وهو قول أكثر. معناه: ليس هذا العظم النادي، وإنما هو هذا. وبعضهم يقول: هذا، لكن هذا العقب. والصحيح: أن مذهب جمهور: الكعب هذا العظم الناتج. قال: ثم اليسرى مثل ذلك، إلى الكعبين ثلاث مرات.. ثم قال: أي عثمان، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ نحو وضوء هذا. متفق عليه. وتمام الحديث: فقال: أي رسول الله، من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، وغفر لهما ما تقدم من ذنبه. قال: أي: لا يحدث نفسه فيهما بأمور الدنيا؛ لأن أمور الآخرة ما يدخل فيه تحديث النفس، يعتبر من الخشوع. قال: وما لا تعلق له بالصلاة، ولو عرض له حديث، فأعرض عنه بمجرد عروضه، عفي عنه، ولا يعد محدثا لنفسه. فأنا يقول: لو عرض عليه حديث وهو في الصلاة، فابتعل عنه، واشتغل في الصلاة، فهذا لا يعد محدثا لنفسه. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.