الدرس في شرح مسائل الجاهلية 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الكتاب يتناول المسائل التي خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية ويبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه المسائل لتوضيح أمر التوحيد. مصطلح الجاهلية يشمل الكفر والشرك وقد يستمر بعضها في المسلمين.
يناقش المقطع مفهوم الجاهلية وخطورة إطلاقه على المجتمعات المسلمة ويحذر من تكفير الناس بغير دليل. بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة يطلقون هذا اللفظ على المجتمعات مما يؤدي إلى تكفير الناس.
المقطع يشرح أهمية كتاب مسائل الجاهلية لشيخ الإسلام وتوضيحه للمسائل التي كانت عليها أهل الجاهلية. يبين كيفية استخدام ألفاظ مثل "الجاهلية" بشكل صحيح.
يتم الإعلان عن اختتام الدرس الحالي والاستعداد للدرس المقبل الذي سيتناول قراءة المسائل المذكورة مع توضيح أدلتها. سيتم اتباع منهج الشيخ في عرض هذه المسائل بإذن الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فكما ذكرنا أننا إن شاء الله تعالى نبدأ في التعليق على كتاب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مسائل الجاهلية. وهذا الكتاب ألفه الشيخ ليذكر المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية، أو المسائل التي ذم النبي عليه الصلاة والسلام ما كان عليه أهل الجاهلية. وهذه المسائل أكثرها موجود إما في الأصول الثلاثة أو القواعد الأربع أو كذلك وهو أكثرها في كتاب التوحيد، إما يبين نفس هذه المخالفة أو ضدها من التوحيد وغيره. فغالبها موجود في كتاب التوحيد خاصة، وبعضها في القواعد الأربع، وبعضها في الأصول الثلاثة. وشيخنا رحمه الله ألف هذه المسائل لأجل أن يتضح أمر التوحيد، ويتضح أيضا الأمور التي كان عليها الجاهلية، وذمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو خالفهم فيها. ولهذا جاء في تسمية هذا الكتاب مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل الجاهلية. والشيخ رحمه الله يقصد بأهل الجاهلية هم من كان قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقي على جاهليته وبقي على كفره وعناده، وعلى هذه الأمور التي كانت تفعل في الجاهلية، وقد ذمها الإسلام وحرمها شرع، وأعظمها الشرك بالله جل وعلا، وشرك الأصنام وتعظيمها، وغيرها من هذه الأمور التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام أو القرآن حذر منها. وهذه المسائل التي سماها الشيخ مسائل الجاهلية، وإن كان ليس هناك تسمية لهذا الكتاب، لكن عرف بهذا لأنه قدم في بداية كتابه قال: «هذه مسائل الجاهلية التي خالفهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». ومصطلح الجاهلية هذا حصل فيه شيء من الغلو وكذلك التفريط. فمصطلح الجاهلية التي كان عليها الناس قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتتم جاهلية، والمراد أنها بمعنى الكفر والشرك الجاهلية العامة أو المطلقة بمعنى الكفر والشرك. وقد يكون المرء فيه شيء من الجاهلية وهو مسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية». وقد يكون الإنسان عنده جاهلية كما قلنا، أو عنده بعض مسائل الجاهلية وهو مسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في أمتي هما من أمر الجاهلية»، وجاء في رواية: «هما بهم كفر». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية». فهذا كله يدل على أن هناك أمور درج عليها أهل الجهل والطغيان قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم استمروا عليها. فلهذا تنسب إليه، تنسب إليه الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، هذه من أعمال الجاهلية التي بقت في المسلمين. كذلك أيضا التنادي بالأحساب والأحجار والأحساب والأنساب: «يا بني فلان، يا بني فلان»، أو «نحن من بني فلان»، ودعوى الجاهلية. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبي دعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة». فلهذا فإطلاق الجاهلية المراد بها الكفر والشرك، وأما أن يكون الشخص فيه بعض الجاهلية أو بعض أمور الجاهلية لا تدل على كفره. فلهذا أئمة الإسلام لا يطلقون الجاهلية إطلاقا على مجتمع من المجتمعات، ما تجد في كلام العلماء أنه يقولون مثلا: «هذه المجتمعات جاهلية»، أقصد المتقدمين مثلا بالخصوص، شيخ الإسلام ابن تيمية، ابن القيم، وغيرهم ما يقولون هذا الكلام. لكن أكثر من يقول مثل هذا الكلام بعض الإخوان المسلمين في هذا العصر، وكذلك أخذ بذلك القطبية، أتباع السيد قطب، فتجدهم يرمون المجتمعات بالجاهلية المطلقة، فيقولون مثلا: «هذه جاهلية القرن العشرين». وألف محمد قطب كتابا سماه «جاهلية القرن العشرين». وهذا كله رمي بالتكفير للمجتمعات، وأن المجتمعات عادت مثل الجاهلية التي كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم. حتى قال سيد قطب بأن المجتمعات أو أن الزمان عاد كما كان قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فصار الناس كلهم كفارا، حتى المؤذن الذي يردد «لا إله إلا الله» وهو كافر بها. أن الناس كلهم كفار، ليس هناك أحد مسلم، حتى المؤذن الذي يؤذن في المسجد أيضا كافر. فجعلوا جاهلية مطلقة في الناس. ولهذا بعضهم تجد مثلا يقول: «أن الأصل في الناس الردة الآن»، «الأصل في الناس الردة»، «وأنهم الأصل فيهم الكفر»، حتى يسلم. لماذا قالوا؟ لأنهم يصفقون للحكام الظالمين، كما قال بعض المصريين، وبعض أيضا من عندنا هنا. فجعلوا الأصل في الناس أنهم كفار، وهذا هو مذهب القطبية الآن سرورية. وإن كان لا يعلمه كثير من هؤلاء، لكن قد صرح به أئمتهم، صرح به سيد قطب، كما ذكر القرضاوي في «العولويات». قال: «ثم جاءت كتب سيد قطب بتكفير المجتمعات كلها». وأكثر هذه الكتب التي فيها ذلك «العدالة الاجتماعية»، فيها شيء من هذا، كذلك أيضا «التصوير الفني للقرآن»، وأيضا كتابه الذي ملأه بهذا التكفير الذي سميه بعضه أهل التكفير، وهو «عدالة الظواهري»، «الديمقراطية الأحمر»، كأنه يتفجر. فنزلت مثل هذه الكتب وفيها تكفير المجتمعات، وهذا كما قلنا سماه بعضهم «جاهلية القرن العشرين». فالمهم أن لفظ الجاهلية هذا لا يطلقه العلماء مطلقا إلا هؤلاء التكفيريين، لأن فيه تكفيرا للمجتمع. فإذا أطلق هذا اللفظ إنما يراد به لابد أن يقيد، لا يقال: «أن الناس الآن في جاهلية»، وإنما يقال مثلا: «أن الناس الآن فيهم جاهلية»، «فيهم جاهلية»، «وفيهم جهل». وأما يقال: «المجتمعات جاهلية»، فهذا خطأ، هذا خطأ، لأن المجتمعات فيها خاصة المجتمعات المسلمة فيها أهل الحق، فيها أيضا كثير من المسلمين، بل أكثر المجتمعات العربية أو ما تسمى بالمسلمة أكثر أهلها مسلمون. فلهذا فقولهم «جاهلية» فهذا خطأ، ممكن يقال: «أن فيهم جهل»، مثلا: «في المنطقة الفلانية فيها جهل كثير»، يعني ليس هذا تكفيرا، ليس هذا تكفيرا. أما يقال: «أنها جاهلية»، يقال مثلا: «المجتمع الفلاني أو الدولة الفلانية جاهلية من الجاهلية»، أو «أن حكم الجاهلية»، وهذا كله لا يصح. فالمهم أن شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمة الله عليه ألف هذه المسائل حتى يوضح للناس أن هذه المسائل كانت عليها أهل الجاهلية، ولا يجوز المسلم أن يتصف بشيء من هذه الصفات، ولا يجوز المسلم أن يتصف بشيء من هذه الصفات لأنها ليست من صفات المسلمين. ولهذا بسبب توضيحه لهذه المسائل، حتى أنه استخدم بعض الكلمات العامة لأجل أن يفهم هذا الكتاب. وكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أكثرها كتب مفيدة ومبسطة لأجل أن تفهم، ويفهمها من يقرأها ومن يستمع لها. لهذا كان في نجد قديما كانوا يحفظون هذه الكتب لسهولة عباراتها، يحفظون الأصول الثلاثة، يحفظون أيضا القواعد الأربع، يحفظون مسائل الجاهلية، وفضل الإسلام، وغيرها من هذه الكتب أيضا كتاب التوحيد. فتجد العامي الذي لا يكتب لا يقرأ، لكنه يحفظ مثل هذه الكتب. حتى قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب: «تجد العامي الذي عنده توحيد يغلب مئة من أهل الشرك، يحاجهم بحجته»، لأنه يحفظ هذه الكتب ويعلم أو يعلم توحيد الله عز وجل، وإن كان لا يقرأ ولا يكتب، لكنه عنده آيات وعنده أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأبواب. فلهذا فهذه المسائل المهمة وقد درسها كثير من العلماء، سواء كان من المتقدمين أو من المعاصرين. وهناك لها حاشية أو حواشي من أفضلها حاشية الشيخ العلامة شكري الدين الألوسي رحمة الله عليه، علق على هذه المسائل تعليقات طيبة ومداخلات شيقة. ونشر هذه الرسالة رسالة الألوسي الشيخ العلامة محب الدين الخطيب المصري، نشر هذه الرسالة التي علق فيها الألوسي على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في المسائل، ووضح بعض المسائل بكلامه رحمة الله عليه، فزادت هذه الرسالة رونقا وجمالا بكلام العلامة شكري الألوسي رحمة الله عليه. وأيضا قد شرحها كثير من العلماء في هذا العصر. فإن شاء الله تعالى نبدأ إن شاء الله في الدرس اللاحق بالبدء بالقراءة في هذه المسائل، وإن شاء الله تعالى نذكر هذه المسائل مثل ما ذكر الشيخ، ونوضح بعض أدلتها وبعض ما يتعلق بها بإذن الله تعالى. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا ونختم به، والحمد لله رب العالمين، جزاكم الله خيرا.