الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع قصة ورقة بن نوفل مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يستعرض أسباب رفض الكفار للحق مبينًا أن الكبر هو أعظم هذه الأسباب. يستشهد بتكبر إبليس وفرعون كأمثلة على من منعهم الكبر من قبول الدعوة.
يبيّن المقطع أن الكبر حال دون إيمان فرعون وكسرى وكفار قريش رغم ظهور الآيات، وأن الحسد كان دافع إبليس لرفض السجود لآدم. كلاهما صفة تمنع الانقياد للحق وتستوجب العذاب.
يوضح المقطع أن الحسد مرض خطير يدفع أصحابه إلى جحد الحق وإن علموا بصحته، مستشهدًا بيهود الذين حسدوا المؤمنين وأبي جهل الذي اعترف بصدق النبي ﷺ ثم رفض اتباعه حسدًا. ورد في الحديث النبوي: «أتاكم داء الأمم: الحسد والبغضاء».
يختتم المتحدث الحديث عن أحد الموانع الشرعية، ويشير إلى أنه سيكمل بيان بقية الموانع في الدرس القادم، مكتفياً بما ذُكر في هذا المجلس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فخذنا في الدرس الذي مضى قول ورقة بن نوفل للنبي عليه الصلاة والسلام: «لا، يا ليتني كنت فيها جذعًا، إذ يخرجك قومك». قال: «أو مخرجي هم؟» قال: «نعم، ما جاء أحد بما جئت به إلا عودي». وذكرنا مع أن الله عز وجل أرسل هؤلاء الأنبياء العظام، أرسلهم وجعل فيهم صفات عظيمة، صفات عظيمة لا يستطيع الإنسان أن يرد قولهم، فجعلهم من أهل الصدق والأمانة، وكذلك من أشراف الناس. إلا كما قلنا: أن هناك كثيرًا من الناس يرد هذه الدعوة وهذا الحق من الكفار. وقلنا هذا لأسباب كثيرة، وأصل أو مجمل هذه الأسباب تقريبًا ستة أو سبع أسباب لرد هذا الحق ولعدم قبوله. وأعظمها الكبر. الكبر من الأسباب العظيمة في رد الحق. معناه: الكبر هو أول ذنب رد به الحق، وعصي به الرب جل وعلا، وهو داء الشيطان إبليس الذي تكبر على الله جل وعلا. وقال الله عز وجل: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾، فتكبر أن يسجد، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. وهذه حجة واهية، لكن الكبر كان في قلبه، لهذا تكبر على الله جل وعلا. فهذا الذي منع هذا الشيطان، وكذلك غالبًا الكبر يمنع الملوك والجبابرة، يمنعهم من قبول الحق. فهذا فرعون أرسل الله عز وجل إليه موسى، وهو يعرف من موسى، تربى في بيته، يعرفه جيدًا، ويعرف أخلاقه، لكنه تكبر واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون. فاستكبر هذا فرعون بسبب ملكه، وبسبب أن الناس يتبعونه، فتكبر ولم يؤمن بما جاء به موسى، مع أنه أراه الله عز وجل آيات، آيات عظيمة من موسى، لكنه لم يؤمن بتلك الآيات التي أعطاه الله عز وجل لموسى. وهذا للكبر الذي في قلب موسى. وهكذا أيضًا جميع الجبابرة، وهؤلاء الملوك الذين تجدهم يتكبرون. فهذا ملك الفرس وهو كسرى، كان لما جاءه كتاب النبي عليه الصلاة والسلام احتقر، كان يحتقر العرب، كان يحتقر العرب، فقال: «رعاة الغنم»، فمزق الكتاب الذي أرسله إليه النبي عليه الصلاة والسلام. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليه: «اللهم مزق ملكه»، فتمزق ملكه، وفتح بلاده أهل الإسلام، وذهب ذلك الكبر الذي تكبر به هذا المتكبر والمتغطرس. فهذا فالكبر من أعظم الصفات التي تكون من موانع قبول الحق، من موانع قبول الإسلام. وهذا الذي وقع لكفار قريش. كفار قريش ما كانوا يكذبون النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كثيرًا منهم، وخاصة من كبرائهم، كان فيهم الكبر، هذا الذي منعهم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. فمنعهم الكبر. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. فهؤلاء تكبروا على الله عز وجل، تكبروا على الحق، فلم يدينوا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك أنبياء الله من قبل. وكذلك أيضًا من الأسباب: الحسد. الحسد أيضًا الذي أيضًا يرد به الحق. كما ذكر الله عز وجل عن اليهود، بل هو أيضًا الذنب الثاني الذي كان لإبليس: حسد آدم، وما أراد أن تكون هذه النعمة لآدم، وأن الله عز وجل أسجد له الملائكة. وكذلك كما قلنا: اليهود، ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب، أو قال الله عز وجل: ﴿مَا وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. معناه: أنهم يريدونكم أن تكفروا مثل ما كفروا، لماذا؟ حسد. يحسدون أهل الإسلام، ويحسدون أهل الإيمان. لهذا الحسد، وهو تمني زوال النعمة، فإنه هو الذي حمل اليهود، بل حمل أيضًا إبليس وغيرهم، أن يؤمنوا بالله جل وعلا. فهذا أيضًا من الأمراض التي تفتك بالأمم حتى يرد به الحق. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتاكم داء الأمم: الحسد والبغضاء». أتاكم داء الأمم: الحسد والبغضاء. فالحسد يرد به الحق. لهذا هناك جماعة من كفار قريش منعهم أيضًا الحسد. ومما يبين هذا ما جاء عند ابن إسحاق، وذكره أيضًا أبو نعيم بسناد حسن: أن الأخنس بن شريق قال: كنت مع أبي جهل، أو يقول المغيرة بن شعبة. المغيرة بن شعبة قال لي الأخنس بن شريق: «كنت مع أبي جهل، فقلت لأبي جهل: والله ما أرى هذا الرجل إلا صادقًا»، أي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فقال أبو جهل: وأنا أيضًا»، معنى: أنا أيضًا أراه أنه صادق. «لكن قالت بنو هاشم فينا الرفادة، فقلنا: فيكم الرفادة. وقالوا فينا الحجابة، فقلنا: فيكم الحجابة. وقالوا فينا كذا وكذا، ثم السقاية، فقلنا: فيكم. قال: والآن يريدون النبوة، والله لا نعطيهم إياها». انظر إلى الحسد. معناه: أنه لا يكون بنو هاشم أعلى منهم، فيعطونا النبوة. فقال: «والآن يريدون النبوة، فوالله لا نعطيهم إياها». فهذا الحسد الذي أوقع هؤلاء، والكبر والغطرسة التي أوقعتهم في رد الحق. فهذا من الموانع. وإن شاء الله تعالى نكمل بعض الموانع في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.