الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعد حماد بن سلمة من أئمة السنة الثقات الذين أثنى عليهم كبار الأئمة كمالك والثوري وشعبة، ووصفوه بأنه جبل في السنة والرد على الجهمية. اعتبر العلماء من تكلم فيه مخطئاً في الإسلام رغم اختلاف الرواة في درجة ضبطه.
انحط حديث حماد بن سلمة لثلاثة أسباب رئيسية: أخطاؤه عند نقل الأحاديث من الأجزاء إلى المصنفات من حفظه، وتغير حفظه في أواخر عمره، وجمعه روايات مشايخه المختلفة دون تمييز بينها. هذه العوامل أوقعت الأوهام في حديثه رغم إمامته في السنة.
روى ابن معين عن عفان وأبي سلمة امتناعهما عن إعطاء حديث حماد إلا بعد التحقق من مصادره، مما يكشف تفاوت ضبطه. كان ثقة ضابطاً في حديث ثابت وحميد وعلي بن جدعان، بينما ضعف ضبطه في روايته عن قتادة وأيّوب، فقلل البخاري من حديثه وأكثر مسلم من تخريج حديثه عن ثابت.
تؤكد الانتقادات الموجهة لحماد بن سلمة لا تؤثر في وثاقته، فهو ثقة وحافظ كبير من حفاظ السنة النبوية. ويختتم المتحدث الجلسة بالشكر للحضور على الاستماع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد. ما الذي يؤخذ عليه؟ ما الذي يؤخذ عليه؟ يتغير في بعض الأحيان، يتغير في بعض الأحيان. طيب، قال: وأما حماد بن سلمة فهو أرفع من هؤلاء كلهم، وهو الإمام الرباني، العالم بالله، والعالم بأمر الله، أبو سلمة حماد بن سلمة البصري، الفقيه الزاهد العابد، حماد بن سلمة بن دينار. قالوا: قد روى عنه أئمة الكبار، مثل يحيى القطان، وابن مهدي، وابن المبارك، ومالك، والثوري، وهما من أقرانه، أي مالك والثوري، وشعبة، وهو أسن منه. وهو ثقة ثقة، من أئمة الناس في السنة، ولذلك قال ابن معين: من ذكره بسوء فاتهموه على الإسلام. كذلك قال ابن مهدي وابن المبارك: من تكلم في حماد فاتهموه على الإسلام. فهو من ناحية السنة جبل، وكان يرد على الجهمية. وهو من أول من ألف في البصرة الكتب. قالوا: فصل القول في رواياته، إنه من أثبت الناس في بعض الشيوخ الذين لزمهم، كثابت البناني وعلي بن زيد، ويضطرب في بعضهم، الذين لم يكثر ملازمتهم كقتادة وأيووب وغيرهما. وسنذكر ذلك مستوفى فيما بعد إن شاء الله، ومنه في الاختلاط. وقد خرج له مسلم الكثير في صحيحه، واستشهد به البخاري، وقيل إنه خرج له حديثاً واحداً في الرقاق. وأنكر ابن حبان ذلك على البخاري، فإني أنكر على البخاري عدم إخراجه لحماد بن سلمة. صحيح أنه لم يخرج له إلا في المتابعات. وأنكر ابن حبان على البخاري، قال: لم ينصف من جانب حديث حماد بن سلمة، واحتج بأبي بكر بن عياش في كتابه، وبابن أخي الزهري، وبعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ذكره في حديث واحد فقط، وابن أخي الزهري أيضاً ذكره متابعة، لم يحتج به. قال: فإن كان تركه إياه لما كان يخطئ، فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة وذويهما كانوا يخطئون. وإن زعم أن خطأه قد كثر من تغير حفظه، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجوداً. وأن يبلغ أبو بكر حماد بن سلمة في إتقانه، أم في جمعه، أم في علمه، أم في ضبطه؟ ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين والنسك والعلم والكتابة، والجمع والصلابة في السنة، وقمع أهل البدع. ولم يكن يلتقي به في أيامه إلا معتزل قدري، أو مبتدع جهمي، لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي تنكرها المعتزلة. وهذا الكلام ظاهره صحيح، ولم ينكره أحد. فحمد بن سلمة إمام وجبل في السنة، وكذلك في الحفظ. لكن حصلت له أمور هي التي جعلت حديثه ينحط، وهي عدة أمور. من ذلك أنه لما احتاج إلى نقل كتبه من الأجزاء إلى المصنفات، كأنه نقلها من حفظه، نقلها من حفظه هو، فأخطأ في كثير منها. نقل كتبه من الأجزاء إلى المصنفات، يعني كانت هذه الكتب في أجزاء، ثم لما احتاج أن يصنف، صنف كتاب التوحيد، صنف كذا وكذا، يعني مسند، احتاج إلى أن ينقل حديثه، لكن نقلها من حفظه، فأخطأ. ولهذا كان يقول يحيى بن معين: من أخذ الحديث من حماد بن سلمة من أجزائه فهو صحيح، ومن أخذ حديث حماد بن سلمة من مصنفاته ففيه شيء، لأنه أخطأ لما نقل الأحاديث من الأجزاء إلى المصنفات. والأمر الثاني الذي أخذ عليه: أنه تغير حفظه في آخره، تغير حفظه في آخره، وهذا أيضاً يدل على أنه يكثر الضعف في حديثه، مما يقص في حديثه. والأمر الثالث أيضاً الذي أخذ عليه: أنه كان يجمع روايات بعض مشايخه ولا يميز بينها، وهي مختلفة. مثلاً فيقول: حدثني قتادة، وثابت، وعلي بن زيد، فيجمع روايتهم وهي مختلفة، فيجعلها كلها واحدة. ومثال ذلك: ثابت قد يرسل الحديث، وقتادة يصله، فيحمل رواية ثابت على رواية قتادة، فيقول: ثابت وقتادة وعلي بن زيد عن أنس، أو حميد عن أنس، فظهرت الأوهام في حديثه. ومما يدل أيضاً على الأوهام: أن أصحابه يختلفون في بعض حديثه، وهذا يدل على أنه كان من جهته الاختلاف. قال ابن معين: ذهبت إلى عفان، فقلت: يا عفان، أريد حديث كتابك عن حماد بن سلمة. قال: وهل أخذته من غيري؟ قلت: نعم، من ثلاثة عشر. قال: من ثلاثة عشر؟ والله لا أعطيك، أنا أستوفي علمه من ثلاثة عشر. قلت: إن لم تعطني فإنما هي دراهم. وأنزلت إلى أبي سلمة، وأنا أريد موسى بن إسماعيل. أبو سلمة، وقد ذكر من قريب. قال: افعل ما بدا لك. قال: فنزلت إلى أبي سلمة، لأجلهم في البصرة، يظهر أن أبا سلمة كان في البصرة السفلى. قال: يا أبا سلمة، وقلت له: أريد حديثك عن حماد بن سلمة، كتابك الذي عن حماد. قال: قد أخذته من أحد؟ قلت: نعم، من ثلاثة عشر. قال: اكتب حديث حماد بن سلمة، فإن كان الخطأ من عنده تجد أن أصحابه يجتمعون على الخطأ، وإن كان الخطأ منهم تجدهم يختلفون. فلذلك تجد اختلافاً كثيراً أحياناً في رواية أصحاب حماد، وقد يرسل الشخص الحديث وذاك يوصله، وهكذا يحصل الاختلاف بينهم. بسبب هذا، فهذا أكثر ما أخذ عن حماد بن سلمة رحمه الله، وإلا فهو الأصل أنه ثقة ضابط، إلا أنه حصلت له هذه الأمور. فأخذ عليه أشياء كثيرة، واتقى البخاري حديثه بسبب كثرة الأوهام في الحديث، وأيضاً الأمر الرابع. الأمر الرابع: أنه في بعض أحاديث بعض مشايخه لم يضبطها، لم يضبطها. مثلاً في روايته عن قتادة وعن أيوب، لم يضبط هذه الروايات كثيرة. وأما روايته عن ثابت، وعن حميد، وعن علي بن جدعان، فهؤلاء هو من أوثق الناس فيهم وأعرف بحديثهم، حتى قال الإمام مسلم بالتمييز: أجمع العلماء على أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت. قال: أجمع العلماء على أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، يعني يقدم في ثابت حتى على شعبة. وهو أحفظ لحديث ثابت، لهذا أكثر الإمام مسلم من تخريج حديث حماد عن ثابت في صحيحه، وأيضاً أخرج حديث حماد عن قتادة وعن أيوب لكن قليلاً. فهذه بعض الأشياء التي حصلت والتي أخذت على حماد رحمه الله، وإلا فهو ثقة، وحافظ كبير من حفاظ السنة. طيب، شكراً لكم.