شرح لمعة الاعتقاد 66

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 66، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شفاعة النبي لأهل الكبائر

يشرح اعتقاد أهل السنة في شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته، حيث يخرجون من النار بشفاعته. هذه الشفاعة ثابتة بالأحاديث وتختص بالنبي لأهل الكبائر من أمته.

الشفاعة العامة وأهل النار والجنة

يشرح الشفاعة العامة يوم القيامة وكيف يخرج الله أهل التوحيد من النار، ويبين أن الكفار لا يخرجون منها. كما يؤكد أن الجنة والنار مخلوقتان ولا تفنيان.

خلق الجنة والنار وتأكيدهما

أهل السنة يعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان الآن ولا تفنيان أبدا، وقد دلت على ذلك النصوص والأدلة من القرآن والسنة النبوية. الجنة والنار معدتان للمؤمنين والكافرين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وَيَشْفَعُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَنْ دَخَلَ النَّارُ مِنْ أُمَّةِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ»، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما، فيدخلون الجنة بشفاعته. مثل هذه الشفاعة قد تكلمنا عليها، ذكرنا اعتقاد أهل السنة فيها. ومن ذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، وهي -كما قلنا- مذهب أهل السنة جميعا، وخالفهم المعتزلة والخوارج. وقد صرحت الأحاديث بذلك أنهم يخرجون من النار وقد صاروا فحما وحمما، ونصاروا من حرقهم النار يكونون سوادا، ثم يوضعون في ماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. وجاء في الحديث الآخر أنه آخر أهل النار يغمس غمسة في الجنة فينسى ذلك البؤس الذي أصابه في الدنيا، وكذلك في النار. قال: «فيدخلون الجنة بشفاعته». وذكرنا أن الشفاعة خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف، والشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة، وشفاعته صلى الله عليه وسلم لعمه. وأما أهل الكبائر فهي أيضا من شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وشفاعة غيره، لكن اختص النبي صلى الله عليه وسلم بشفاعته لأهل الكبائر من أمته. وإنما صارت الشفاعة لأهل الكبائر؛ لأن غيرهم ليس عليهم ذنوب أصلا، إذا لم يأتوا بالكبائر ولم يتوبوا منها، فإنه إذا لم يأتوا بالكبائر أو تابوا منها فإنه يأتي يوم القيامة وليس عليه شيء. ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾، فالله عز وجل وعد أن من جاء وليس عليه كبائر، أنه يغفر له ذنوبه ويدخله الجنة. وقال في الآية: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، فلهذا فإن الشفاعة تكون لأهل الكبائر؛ لأنهم يحتاجون إليها، سواء كان ذلك قبل أن يدخلوا النار أو أنهم قد دخلوا ويخرجوا بالشفاعة. والشفاعة كل ذلك ثابت في الأحاديث كما تقدم. قالوا: لسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات. ومعنى هذه الشفاعة العامة كما جاء في الحديث الذي في الصحيحين: «يقول الله عز وجل: شفاعة الملائكة، وشفع الأنبياء، وشفع المؤمنون، فما بقيت إلا شفاعة أرحم الراحمين»، فيأخذ رب العزة جل وعلا قبضة من النار، فيخرج أناسا لم يعملوا خيرا قط. يخرجهم من النار -أي من أهل التوحيد- وأما الكفار فإنهم لا يخرجون منها، كما ذكر الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَصْحَابَ النَّارِ﴾، وجل وعلا صدق فأخبر أنهم لا يخرجون من النار: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. وأما ما يقوله الأشاعرة فهو نوع من الهديان، يقولون: إن الله عز وجل قد يدخل الجنة أكفر الكفار وأفجر الفجار، ويدخل النار أتقى الأتقياء. فهذا كلام باطل؛ لأنهم لا يثبتون الحكم لله عز وجل، فيأتون بمثل هذا الكلام. وهذا كلام باطل، ربنا جل وعلا حكم عدل جل وعلا، وقد وعد أهل الجنة بالجنة، فكيف يضع أتقى الأتقياء في النار؟ وكذلك أيضا أخبر أن أهل النار لا يخرجون منها -أي أهل الشرك وأهل الكفر- لا يخرجون من النار. وأما أهل الإسلام فهم وإن دخلوا النار فإنهم يخرجون من النار، سواء كان بالشفاعة أو بغيرها. قالوا: «لا تنفع الكافر شفاعة الشافعين». وتقدم أيضا معنا أن الشفاعة المنفية على نوعين: الشفاعة التي لم تتحقق فيها الشروط، هذه شفاعة منفية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وغيرها من الآيات التي يبين فيها ربنا جل وعلا أن الشفاعة تكون بإذنه وبرضاه جل وعلا، وأنها تكون لأهل الإسلام وأهل الإخلاص. قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء لما سأله أبو هريرة-: «من حق الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه». قال رحمه الله: «والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان»، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه. وأهل الجنة فيها مخلدون: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، فأيضا الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان. وهذا اعتقاد أهل السنة، أن الجنة والنار لا يفنيان ومخلوقتان الآن، وأنهما لا تفنيان أبدا، بل لا تزولان ولا تفنيان -أقصد لا تبيدان ولا تفنيان-، فقد كتب الله عز وجل للجنة البقاء، وكتب أيضا لأهل النار البقاء. وكتب الجنة وجعلها دار أوليائه، وكذلك نعيم الجنة لا يفنى، وأيضا عذاب أهل النار لا يفنى. وهذا الذي دلت عليه النصوص، والله عز وجل لما يذكر نعيم أهل الجنة يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي في ذلك النعيم. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على مسألة فناء الجنة والنار، لكن هنا مسألة قبل ذلك ذكرها المؤلف، وهي: هل الجنة والنار مخلوقتان الآن، أم أن الله عز وجل ينشئهما يوم القيامة؟ فهل يقول أهل السنة: إن الله عز وجل خلق الجنة والنار الآن وهيأهما، فهيأ الجنة لأهل الإيمان، وعدة للمتقين، وهيأ النار لأهل الفجور والكفر، وعدة للكافرين؟ فالعدة والعداد يكون قبل أن يأتون، والعداد يكون قبل أن يأتون. وأيضا كذلك دلت الأدلة على ذلك، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». وأخرج الإمام الترمذي وأحمد من حديث أنس بن مالك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها»، وجاء أيضا: «ولما خلق النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها»، فدل على أن الله عز وجل خلق الجنة والنار، وأنه جل وعلا أعد الجنة لعباده المؤمنين، وأعد النار لعباده الكافرين. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أيضا أن أرواح الشهداء تسرح وتغدو في الجنة، وهذا يدل على أنها موجودة، تسرح وتغدو في الجنة، وأنها معلقة على قناديل تحت العرش. وهذا كله يدل على وجود الجنة، ولا خلاف -كما قلنا- بين أهل السنة في هذه المسألة. وأما مسألة فناء الجنة والنار -أي هل تفنى الجنة والنار- فهذه مسألة أخرى. وقول أهل السنة جميعا -إلا بعض الأقوال التي شذت في هذا- أن الجنة والنار لا تفنيان ولا تبيدان. وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة في الدرس الذي سيأتي. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.