وصفدت الشياطين 2

وصفدت الشياطين 2

الدرس في وصفدت الشياطين 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قول ابن تيمية في تصفيد الشياطين ودليل حديث أنس

يشرح الشيخ قول شيخ الإسلام ابن تيمية بأن تصفيد الشياطين في رمضان يعني ذهاب قوتهم وكثرة إغوائهم لا موتهم، مستدلاً بحديث أنس بن مالك حيث خشي النبي صلى الله عليه وسلم من وسوسة الشيطان. يدل الحديث على بقاء الإغواء لكن بتضييق وتقليل من الله تعالى.

تأثير الصيام على الشياطين وخطر شياطين الإنس

الصيام يضيق مجاري الشيطان فيقل إغواؤه، لكن شياطين الإنس لا تُصفد وتظل نشطة في إضلال الناس وقد تكون أشد ضرراً. حذر القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم من وساوسهم وخطر الصديق السوء، وفي رمضان تنشط عبر المسلسلات والبرامج لتشغل الصائمين عن ذكر الله.

خطر المسلسلات التركية وتزييف الحقائق التاريخية

يحذر المتحدث من المسلسلات التركية التي تزور التاريخ وتصور الباطل حقاً وتروج للعلمانية وتطبيع المحرمات. يعتبرها أداة لإغواء الشباب وإبعادهم عن دين الله بتعاون شياطين الإنس والجن.

خطر الشاشات ووسائل الإعلام على المسلم والصائم

يحذر المقطع من أن الشاشات غالباً ما تُستخدم للإضلال وتصرف المسلم عن دينه وتشغل الصائم عن صيامه. يختتم بالدعاء بأن يوفق الله للخير ويهدي ضال المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، حيّا الله عز وجل هذه الوجوه الطيبة، ونسأل الله عز وجل أن كما جمعنا في هذا المسجد المبارك أن يجمعنا في بيت كرامته وجنته، سبحانه وتعالى. فقد أخذنا في الدرس الأمس في مسألة تصفيد الشياطين، وذكرنا ما ذكره العلماء من الإشكال: كيف صُفدت الشياطين ولا زال الناس يعصون، ولا زال الموسوس يوسوس له الشيطان، ولا زالت أيضاً الأفكار الغريبة، ولا زال غيرها مما يذهب به أو مما يؤذى به الشيطان بني آدم ويوسوس لهم وغير ذلك. وذكرنا عدة أقوال في هذا، ونكمل إن شاء الله تعالى في هذا الدرس أيضاً قولاً ثالثاً أو رابعاً، وهو قول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: إن تصفيد الشياطين إنما هو ذهاب قوتهم، وأيضاً ذهاب كثرة إغوائهم. قال: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وصفدت الشياطين»، وصفدت الشياطين، ولم يقل أنهم ماتوا أو قتلوا، وإنما حُبسوا، والذي يُحبس قد تُحبس أطرافه لكنه يتكلم بلسانه، فهو يغوي بلسانه ويوسوس، وكذا، فلا زالت أو لا زال معه الفرصة في الإغواء. وأيضاً لأن الله عز وجل قد وعده بما أعطاه ذلك الانتظار، قال: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قال: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، فأعطاه الفرصة في هذا الباب، فهو لا زال. لكن من كرامة الله عز وجل كما قلنا ونعمته على عباده أنه في هذا الشهر يصفدهم ويحبسهم، أي يقلل من شرهم، يقلل من شرهم وإغوائهم. وهذا قد يرجع إلى القول الذي ذكرناه: أن الذي يُصفد كبارهم، الذي يُصفد ويحبس كبارهم، وأما صغارهم الذين يفتنون لكنهم لا يفتنون الفتن الكبار. وبعضهم يقولون: أو العكس، أن الذي يُصفد ويحبس هم الصغار، وأما الكبار الذين هم مردة الجن أو كبار الشياطين فيبقون. لكن الأدلة دلت على أن الذين يُصفدون هم كبار الشياطين، المردة، المردة من الشياطين. فلذا تجد كما هو معلوم تجد أن المعاصي لا زالت، والإغواء لا زال. وكما قد ذكرنا بالأمس هناك أشياء غير الشيطان، لكن أيضاً الشيطان لا زال موجوداً. ومما يدل على هذا ما جاء في الصحيحين في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان معتكفاً، فجاءت إليه زوجته صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة، فكلمته، ثم أراد أن يقلبها، أي أراد أن يذهب معها يخرج معها، فجاء إلى الباب، باب المسجد، فمر رجلان والنبي عليه الصلاة والسلام يكلم صفية، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أسرع، فقال: «على رسلكما»، أي انتظرا قليلاً، «على رسلكما، إنها صفية». فقالا: أفيك نشك يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام - وهذا كان في رمضان في الاعتكاف -: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في قلوبكما شيئاً». إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وهذا كما قلنا كان في رمضان، فلذا ذكر العلماء أن الإغواء وأن دخوله أيضاً كان موجوداً، لكن ضُيق عليه، ضُيق عليه من بابه أموراً شرعية وأموراً واقعية، وكذلك أموراً كرامة ونعمة من الله جل وعلا، وهو الذي أيضاً جعلها ربنا سبحانه وتعالى. فالشيطان يجري كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من ابن آدم مجرى الدم، والذي يترك الطعام والشراب تضيق هذه المجاري، يعني إذا ترك الإنسان الطعام والشراب ضيقت هذه المجاري، فالتضيق على الشيطان فيقل فعله وإغواؤه، يقل فعله يعني ما يكون سريعاً في إغوائه وفعله، فيقلل شره. وهذا أيضاً نعمة من الله جل وعلا وكرامة لأهل الصيام، فهذا يحدث التصفيد حتى يقل شرهم كما قال شيخ الإسلام. فلذا فلذا تجد في الواقع أن الشر يقل في رمضان كما هو معلوم لدى الجميع. لكن هؤلاء الشياطين الذين يُصفدون، هل هم شياطين الجن فقط أم شياطين الإنس والجن؟ فالذي عليه العلماء أن الذي يُصفد ويسلسل هم شياطين الجن، وأما شياطين الإنس فيعملون عملهم، وأعمالهم أحياناً تكون أشد وشراً من شياطين الجن. شياطين الإنس الذين أمر الله عز وجل بالاستعاذة منهم مع شياطين الجن، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. فالوسواس الخناس هو الشيطان يوسوس ويقترب من قلب العبد ويبعد بحسب ذكره لله جل وعلا، ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، أي هذا الشيطان قد يكون أيضاً من الناس، يوسوس لصاحبه، يزين له الباطل. فالشيطان الإنسي يفعل مثل الشيطان الجني، وأحياناً يزيد، لأن بعض الإنس تلبس بهم الشيطان، فصارت تفعل فعل الشياطين، فتجد عنده حرصاً على الإغواء وحرصاً على تزيين الباطل، فيزينه لإخوانه وأصحابه، يزين لهم الباطل، ويعمل ليلاً ونهاراً لأجل إغواء الناس ولأجل إضلالهم. وهذا مشاهد، ولهذا الله عز وجل حذر من الصديق الذي هو الصديق السيء، وقد ذكر ربنا جل وعلا تندم الإنسان يوم القيامة، كما قال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾. فهذا الذي ظلمه هو صاحبه الذي يماشيه دائماً، يغويه، أو قد يكون ليس صاحبه، قد تكون زوجته، قد يكون أولاده، قد يكون أيضاً أناس بعداء لكنهم صاروا جلساءه، مثل على سبيل المثال ما يعرض في الشاشات من المسلسلات والأفلام والفوازير وكذا وكذا، فهذه كلها أيضاً من الإضلالات، غالباً. فينشط شياطين الإنس لإشغال الصائمين بمثل هذه الأمور، يأتون لهم مسلسلات إسلامية ممن يمثل حول، أو هذه المسلسلات الإسلامية الرافضة، أو الأكراد الذين هم أجهل الناس بدين الله، فتجد يأتون بأعلام من أعلام السلف أو من الصحابة أو من علماء السنة، غير ذلك، ويأتون بأشياء لم يأت بها حتى أهل التراجم، ويحشون كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الكلمة من الصدق يكذبون معها تسعة وتسعين كذبة»، يعني يأخذون شيء حقيقة، مثل هذا المسلسل الذي يسمونه مسلسل عثمان، وقبله أرطغرل، هذه المسلسلات، بل تاريخ العثمانيين مجهول غالباً، لم يكتب فيه أحد، إما أنه أخذت الكتب التي ألفت في تاريخه أخذت عمداً لما دخل الإنجليز وغيرهم أتلفوا هذه الكتب، أو أنه لم يكتب إلا الشيء اليسير، فلم يوجد في تاريخ العثمانيين إلا أشياء يسيرة كتب فيها. فتجد أشياء حقيقية وهي يسيرة جداً، ثم يضيفون إليها كذبات كثيرة، يزورون التاريخ، يزورون في التاريخ، ويظهرون أناساً أنهم أبطال وهم أشرار، ويظهرون أن هناك أناساً أشراراً وهم أبطال وأهل حق، ويظهرون أيضاً أهل الباطل على أنهم أهل حق وأهل دين وهم أهل باطل، وهكذا يزورون الحقائق في مثل هذه المسلسلات. لهذا كما قلنا فهم يعملون أعمالاً تجد أنهم يجلسون عليها السنوات وهم يعدون هذه الأعمال، أو من السنة إلى السنة حتى يعرضون هذه الأشياء، وكيف تؤثر في الناس، كيف تؤثر في الناس وتشغلهم عن طاعة الله جل وعلا. ولهذا ذكر صاحب «أكام المرجان» من باب الطرافة ذكر قصة أن رجلاً من الصالحين رأى الشيطان، رأى في منامه الشيطان، فقال له: أنت الشيطان؟ قال: نعم، أنا الشيطان. قال: ولما تخطط وتغوي بني آدم؟ قال: أعطاني الله عز وجل هذا الشيء، أو كما قال. قال: ومن يعطيك هذه الخطط التي تفعلها لغواء الناس؟ فقال هذا الشيطان: كنا قبل نخطط لأجل إغواء الناس وإضلالهم، أما الآن فنحن نتعلم من بني آدم، أما الآن نحن نتعلم الخطط من بني آدم، هم يعلمون الخطط التي نفعلها للإغواء، معنا صار شياطين الإنس أكبر من شياطين الجن، وأيضاً يعلمون شياطين الجن ويتعلمون منهم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾. فَقَالَ: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. فهنا قوله: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، معناه أنهم هم يخدمون، هم يستفيدون منا ونحن نستفيد منهم، فالشياطين الإنس يستفيد منهم شياطين الجن في الإغواء، وكذلك أيضاً شياطين الجن يستفيدون أو شياطين الإنس يستفيدون من شياطين الجن في الإغواء، فهم يتعاونون على إغواء بني آدم. فلذا يأتي هذا الشيطان الإنسي بتزيين الباطل لصاحبه أو للناس أو لكذا، وكما قلنا ما يعرض في هذه الشاشات من المسلسلات وغيرها. ومن باب التنبيه وأختم به إن شاء الله تعالى، وإن كان قد نبه كثير منها العلماء، ما يحصل في هذه المسلسلات التركية الآن، أكثر الشباب تجد أنهم انجرفوا إلى مشاهدة هذه الأفلام أو المسلسلات التركية، وهي باطلة، وإن كانت هذه الأمور قد تكون أموراً دنيوية، لكنهم يريدون غالباً في هذه المسلسلات أن يبلغوا رسالة، وهي رسالة العلمانية، ويريدون أن يبينوا للناس أن الدين فقط صلاة، وليس هناك شيء من الأحكام، وخاصة في مسائل المرأة. فلذا تجد أكثر هذه المسلسلات يعرضون أن المرأة مثل الرجل، تلبس ما شاءت وتخرج بما شاءت وتكلم الرجال وتصافحهم، وكذلك بل تعانقهم وتقبلهم، والأعظم من ذلك أنهم يجدون أن الرجل يكون محباً للمرأة وعاشقاً لها وتكون معه دون أن يتزوجها، معناه قد يجامعها لكنه ليس زوجاً لها، قد يتزوجون وقد لا يتزوجون، وهذا تجده دائماً يحومون حوله لأجل أن يبينوا أن هذا ليس من دين الإسلام، وإنما هذا اتخذه المتشددون واتخذه كذا. فهل يحذر الشباب من هذه الأمور وإغواء الناس بمثل هذه الأشياء؟ كما قلت أن الأتراك أجهل الناس بدين الله، ما عندهم تعاليم الدين إلا من وفقه الله عز وجل ومن رحمه الله وعرف دين الله بالحقيقة وتعلم الدين، لكنهم كثيراً يبتعدون عن تعاليم الدين، فلذا يأتون مثل هذه الأشياء، لكن فيهم من هو عالم ومن هو طالب علم على سبيل النفاق وعلى الحقيقة، ويريد أيضاً الحق، لكن كما قلنا هذه التي تعرض في الشاشات فغالباً يريدون بها الإضلال والعياذ بالله. فلذا ينتبه المسلم لمثل هذه الأشياء التي تشغل العبد عن دينه، وكذلك تشغل الصائم عن صيامه. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، ونسأله سبحانه وتعالى أن يهدي ضال المسلمين ويرجعهم إلى الحق والدين، والحمد لله رب العالمين.