التعليقات على كتاب الأدب المفرد 58

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من كثرة الضحك والكذب لإضحاك الناس

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من كثرة الضحك لأنها تميت القلب وتسبب الغفلة وقسوة القلب، كما يحذر من الكذب لإضحاك الناس لأنه حرام ويزداد حرمة إذا كان لإضحاك الناس.

أهمية التوازن بين الخوف والرجاء في قلوب العباد

يشرح المقطع معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أهمية التوازن بين الخوف والرجاء في قلوب العباد، ويبين أن التسديد والمقاربة في الأعمال الصالحة تعني لزوم طاعة الله وطاعة رسوله.

وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقي والخُلقي

النبي صلى الله عليه وسلم متفرد في صفاته الخَلقية والخُلُقية، فهو متميز في خلقه وخلقه عليه الصلاة والسلام، ولم تر عين مثله ولا سترى مثله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الضحك، قال: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا، قال: حدثنا أبو رجاء، عن برد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقل الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب». والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب». وهو كذلك صحيح. وفي هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتقليل الضحك. والإمام البخاري رحمه الله ذكر هذا الباب بعد الباب الذي قبله، وهو في تبسم النبي عليه الصلاة والسلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحك، وكان ضحكه التبسم، أشار رحمه الله إلى هذا الحديث الذي فيه أنه لا بأس للإنسان أن يضحك، وليس ذلك بمحرم عليه، لكن ينبغي ألا يكثر من الضحك؛ «لا تكثر الضحك، أقل الضحك»، يعني قلل من الضحك، لا تكون كثير الضحك ودائما وأنت تضحك وتكثر من الضحك، قال: «فإن كثرة الضحك تميت القلب». كثرة الضحك تجعل القلب ميتا، تجعل القلب في غفلة، ويكون سببا في قسوة القلب؛ «فإن كثرة الضحك تميت القلب». وإذا مات القلب حصل في ذلك الشر العظيم؛ فإن القلب إذا مات لا يتعب ولا يعتبر ويغفل. وهكذا أيضا ربما يغلب في جانبه الرجاء، فيقع في المعاصي وفي الذنوب بسبب الغفلة وموت القلب. فلهذا حث النبي عليه الصلاة والسلام على التقليل من الضحك حتى لا يموت القلب. ينبغي للإنسان أن يعتني بقلبه، ويأخذ الأسباب التي بها يحيى قلبه، من ذكر الله سبحانه وتعالى، والإكثار من تلاوة القرآن، والإقبال على طاعة الله من صلاة وصيام وذكر، وهكذا غير ذلك من الطاعات والقربات. وأن يحذر مما يميت قلبه من المعاصي والذنوب، أو ما كان وسيلة إلى ذلك. ومن ذلك الإكثار من الضحك؛ فإنه سبب لموت القلب؛ «فإن كثرة الضحك تميت القلب». يبقى الإنسان مع كثرة الضحك كما قلنا في غفلة. فالواجب عليه أن يقلل من ذلك، فلا بأس أن يضحك، لكن لا يكثر منه، تبقى مجالسه دائما ضحك ولعب ولهو، وهذا مما حذر الله سبحانه وتعالى منه ممن اتخذ دينه لهوا ولعبا، فيغتر بهذه الحياة الدنيا ويغفل عما خلقه الله سبحانه وتعالى لأجله. وهذا إذا كان الضحك على شيء مباح، إذا كان الضحك على شيء مباح، فإن الإنسان ينبغي ألا يكثر منه، فكيف إذا كان على شيء محرم؟ يكون الضحك بكذب من أجل إضحاك الناس، ومن أجل أن يمتع ويفرج عن الناس؛ فإن هذا أشد حرمة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «ويل لمن كذب ليضحك الناس، فيكذب ويل له، ثم ويل له». هكذا يتوعد النبي عليه الصلاة والسلام من كذب لأجل أن يضحك الناس، كما يفعل بعض المهرجين والممثلين الذين يمثلون ويقلدون حركات غيرهم فيضحكون الناس، وربما يفعل ذلك بعض الحزبيين الذين اتخذوا من وسائل الدعوة فعل التمثليات والمسرحيات، فيأتي يمثل ويهرج أمام الناس ويزعم أنه يدعو الناس بذلك، وأن هذه وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فيكذب من أجل أن يضحك الناس، فهذا داخل في هذا الوعيد العظيم الذي يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا يجب على المسلم أن يحذر من الكذب لأجل إضحاك الناس؛ فإن الكذب بنفسه حرام، فكيف إذا انضاف إلى ذلك إضحاك الناس به؟ فإنه أشد حرمة. وكذلك أيضا إن ضحك في شيء مباح فلا بأس، لكن لا يكثر منه؛ حتى لا يموت قلبه. قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا الربيع بن مسلم، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه يضحكون ويتحدثون، فقال: «والذي نفسي بيده؛ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». ثم صرف وأبكى القوم. وأوحى الله عز وجل إليه: «يا محمد؛ لما تقنط عبادي؟» فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبشروا وسددوا وقاربوا». وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام مر على رهط من أصحابه -والرهط هم الجماعة من الثلاثة فما فوق- وهم يضحكون ويتحدثون، فقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده»، وهذا قسم بالله سبحانه وتعالى؛ فإن الذي بيده الأنفس. «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». فالنبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر عليهم أصل الضحك، بل حثهم عليه الصلاة والسلام على التقليل منه؛ «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». ومراده عليه الصلاة والسلام: لو يعلمون ما يعلم عليه الصلاة والسلام من أمر الجنة والنار لضحكوا قليلا وبكوا كثيرا، كما جاء في بعض الروايات. قال: ثم انصرف وأبكى القوم -يعني بكى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم- وكانت قلوبهم رقيقة، سرعان ما يتعظون ويتأثرون إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم وذكرهم. ثم أوحى الله جل وعلا إليه: «يا محمد؛ لم تقنط عبادي؟» فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبشروا وسددوا وقاربوا»، أي: لا تجعل في قلوبهم القنوط واليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى؛ فإن ذلك مما حرم الله جل وعلا. أي: أن يصل الخوف بالإنسان في خوفه وفزعه إلى أن يقنط من رحمة الله ويأس من رحمة الله. فالله يقول: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾، وقال جل وعلا: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الظالمون﴾. فالقنوط واليأس من رحمة الله كبيرة من كبائر الذنوب، وقد تصل بالعبد إلى الكفر. ولكن ليس المراد بهذا الحديث هذا المعنى، وإنما المراد أنك لا تجعل في قلوبهم شدة القنوط واليأس، لكن ليعلموا أن الله سبحانه وتعالى يرحم عباده المؤمنين والطائعين، وهكذا أيضا يغفر المسيء منهم ويعفو. فليكن العباد في هذه الدنيا على أمر الخوف والرجاء، فلا يغلبوا جانب الخوف حتى يقعوا في اليأس والقنوط من شدة خوفهم من الله سبحانه وتعالى، ولا كذلك أيضا يغلبوا جانب الرجاء حتى يقعوا في المعاصي والذنوب، بل يكونوا وسطا بين الخوف والرجاء. ولهذا قال: «أبشروا وسددوا وقاربوا»، أي: أبشروا بما وعد الله سبحانه وتعالى من النعيم -وهي الجنة- إذا سرتم على الصراط المستقيم، وذلك بالتسديد والمقاربة. التسديد وهو لزوم طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ فإن السداد والاستقامة هو بلزوم الكتاب والسنة، التمسك بكتاب الله جل وعلا والتمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولزوم هديه وطريقته. فقال: «أبشروا وسددوا وقاربوا»، أي: قاربوا في الأعمال، وافعلوا من الطاعات ما تطيقه أنفسكم، ولا تلزموا أنفسكم شيئا فوق طاقتها، تشددوا على أنفسكم فيكون ذلك سببا في ابتعادكم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، بل سددوا وقاربوا، افعلوا من الطاعات ما تطيقه أنفسكم، ولا تكلفوا أنفسكم فوق طاقتها. ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أن يكلف الإنسان نفسه فوق طاقته. فالحاصل أن الإنسان ينبغي أن يقبل على الطاعات والأعمال الصالحة، ومع ذلك لا يكلف نفسه فوق طاقتها، فيكون ذلك سببا في تركه لهذه الطاعة. ربما يصيبه الفتور والكسل حتى يترك الطاعة التي كان يفعلها. قال: باب إذا أقبل أقبل جميعا وإذا أدبر أدبر جميعا. قال: حدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا أسامة بن زيد، عن موسى بن مسلم -مولى ابنة قارظ- عن أبي هريرة، أنه ربما حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: «حدثنيه أهدب الشفرين، أبيض الكشحين، إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا، لم تر عين مثله ولن تراه». والحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. وفيه أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه كان إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الأوصاف -أي من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم- فقال: «حدثنيه أهدب الشفرين» -ومعناه: طويل شعر الأجفان ودقيقها- فكان النبي صلى الله عليه وسلم من صفاته أن شعر أجفانه طويلة. «أبيض الكشحين» -يعني أبيض الخاصرة- والكشح هو الخاصرة. «إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا»، ومراده بذلك -والله أعلم- أنه كان عليه الصلاة والسلام سريع المشي. وكان إذا مشى يتكفأ، كما جاء في حديث أنس عند الترمذي وغيره، يعني: يمشي إلى الأمام ويجري أو يسير كما قال بعض العلماء: كالسفينة. وفي رواية: «كأنما يتخبط أو كأنما ينحط من صبب»، وهذا يدل على أنه كان يسرع عليه الصلاة والسلام في مشيه. قال: «لم تر عين مثله ولن تراه»، أي: لن تر عين كمثل النبي صلى الله عليه وسلم، لا في خلقه ولا في خلقه عليه الصلاة والسلام.