التعليقات على كتاب الأدب المفرد 74

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الدعاء بحسن الخلق وأهميته

الدعاء بحسن الخلق يستحب وينقسم إلى ما هو مكتسب وما هو جبلي. جاء في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري باب الدعاء بحسن الخلق.

خلق النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن اللعن

كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام القرآن، أي كان عاملا بما في القرآن. يحذر من اللعن ويبين أنه ليس من صفات المؤمن.

الأخلاق في الأسواق وتحريم الفحش

ينبغي للمؤمن أن يبتعد عن الفحش في الأقوال والأفعال والصياح في الأسواق. جاء في الحديث النبوي أن المؤمن يجب أن يتحلى بالأخلاق الحسنة.

فضل ذكر الله وذم السباب في الأسواق

ينبغي للمسلم أن يذكر الله في الأسواق ويكون عونا للآخرين على الطاعة. جاء في الحديث الصحيح ذم السباب في الأسواق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد، باب من دعا الله أن يحسن خلقه. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يدعو: «اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضى بالقدر». وهذا الحديث ضعيف، في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ضعيف. ولكن الدعاء بحسن الخلق صح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي». وهو في السنن، قصرحه الشيخ الألباني رحمه الله. وأما ما جاء في بعض الروايات أنه كان إذا رأى وجهه في المرآة قال ذلك الدعاء، فهذا لم يصح، يعني تخصيص الدعاء عند النظر في المرآة لم يصح. لكن مطلق الدعاء صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي». وهذا الذي أراد أن يسدل به الإمام البخاري رحمه الله أنه لا بأس، بل يستحب أن يدعو الإنسان ربه جل وعلا أن يحسن خلقه. تدعو الله سبحانه وتعالى أن يحسن خلقك. وقد ذكرنا قبل أن من الخلق ما هو مكتسب، يكتسبه الإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقه لتحسين خلقه، ويكلف نفسه على الأخلاق الحسنة حتى يتعود عليها، ومنها ما هو وجب عليه، يخلق عليه ويجبل عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهم الله: الحلم والأنا». قال: يا رسول الله، أخلقتهما أم جبلت عليهما؟ قال: «بل جبلت عليهما». قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهم الله. وأكد أيضا طلب العفة صحة من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». وهو في الصحيحين. قال: وحدثنا عبد السلام، قال: حدثنا جعفر عن أبي عمران عن يزيد بن بابنوس، قال: دخلنا على عائشة، فقلنا: يا أم المؤمنين، ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: «كان خلقه القرآن، تقرؤون سورة المؤمنين؟» قالت: «اقرأ قد أفلح المؤمنون». قال يزيد: فقرأت «قد أفلح المؤمنون» إلى «لفروجهم حافظون». قالت: «هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا الحديث ضعيف، قد ضعف شيخ الألباني رحمه الله، ويزيد هذا مجهول. لكن أصل الحديث صحيح، ثبت في مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام القرآن». فهذا ثابت، ومعنى ذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام عاملا بما في القرآن، قائم بأوامره ومجتنب لنواهيه. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم متخلقا بما جاء في القرآن، فإن أحسن الأخلاق أن تكون عاملا بما جاء في الشرع، فتعمل بما جاء في القرآن، فالقرآن قد اشتمل على آداب كثيرة، بما فيه من أوامر وما فيه كذلك من نواهي. فلهذا كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام القرآن. قال: باب ليس المؤمن بالطعان. قال: حدثنا عبد الرحمن بن شيبة، قال: أخبرني ابن أبي الفديك عن كثير بن زيد عن سالم بن عبد الله، قال: سمعت أو ما سمعت عبد الله -يعني ابن عمر- يلعن أحدا قط، ليس إنسانا -يعني إلا إنسانا- وكان سالم يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للمؤمن أن يكون لحانا». والحديث حسنه شيخ الألباني رحمه الله. وقوله: «ليس إلا إنسانا» يعني إلا إنسانا لعنه ابن عمر رضي الله تعالى عنه. وجاء في رواية عند البيهقي أنه كان خادما عنده غضب عليه فلعنه، ثم أعتقه. وسيأتي ذلك في أبواب قادمة أن كفارة من لعن عبده أن يعتقه، أو أن ذلك كفارة له من اللعن. وقول ابن عمر رضي الله تعالى عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للمؤمن أن يكون لحانا» أي: ليس من صفات المؤمن اللعن، بل الذي ينبغي أن يتحلى به المؤمن الأخلاق الحسنة والأخلاق الفاضلة، وأن يحفظ لسانه من اللعن والطعن. فإن اللعن هو طرد من رحمة الله سبحانه وتعالى، لما تقول لفلان: لعنك الله، معناه أنك مطرود من رحمة الله عز وجل. وهذا لا ينبغي أن يقوله المسلم لأخيه المسلم، بل الذي ينبغي أن تكون بينهم المودة واللقوة والرحمة وحسن التعامل في الأفعال وفي الأقوال. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا». فالمؤمن يترفع عن ذلك. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا الفزاري عن الفضل بن مبشر الأنصاري عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يحب الفاحش المتفحش ولا الصياح في الأسواق». وهذا الحديث ضعيف، قد ضعفه شيخ الألباني رحمه الله. لكن القطع الأولى منه صحيحة، يعني معناها صحيح، ويدل عليه حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وجاء عن غيره في قوله: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا». فالفحش وهو القول السيء أو كذلك الفعل السيء، ينبغي أن يتنزه عنه المسلم أن لا يكون فاحشا في أقواله، تكون أقواله بذية، يتكلم بالكلام البذيء، طعن في الأعراض أو لعن أو قذف أو تتبع العورات أو إتيان بكلام سفيه أو غير ذلك. فهذا ينبغي أن يتنزه عنه المؤمن. وهكذا الفحش في الأفعال، لا يكون فاحشا في أفعاله كفعل بعض السفهاء التي يفعلونها، فينبغي للمسلم أن يتنزه عن ذلك. فليس الفحش من صفات المؤمن، وهو كذلك أيضا من الأفعال التي لا يحبها الله سبحانه وتعالى. وقوله: «ولا الصياح في الأسواق» هذا وإن كان الحديث ضعيف، لكن معناه صحيح، أن الذي يفعل هذا الفعل فهذا من الأفعال المذمومة، أن يكون صياحا ممن يصيح ويرفع صوته بالصياح في الأسواق. والأسواق معلومة أنها مواضع الشيطان، أحب المواضع إلى الشيطان هو السوق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها». فالأسواق هي مواضع الشياطين، ولهذا يكثر فيها المعاصي ويكثر فيها اللغو والكذب وغير ذلك مما يخالف الشر. فالمسلم ينبغي أن يكون رزينا، لا يكون كثيرا ممن يصيح. وقد جاء حديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله فيه ذم ذلك، أن يكون المسلم سخابا في الأسواق، بل الذي ينبغي أن يكون ذاكرا لله سبحانه وتعالى، سواء في السوق أو في غير السوق، حتى في السوق ينبغي أن تحرص على ذكر الله عز وجل، وتكون عونا للآخرين على الطاعة والاستقامة، ولا تكون صياحا في الأسواق. طيب، نقف إن شاء الله هنا، ونكمل في درس آخر، والله تعالى أعلم.