الدرس في كتاب الصلاة 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل شرط ستر العورة في الصلاة وأنواع العورة المختلفة. يُوضح أهمية ستر العورة وعدم كشفها إلا للزوج أو ملك اليمين مستدلاً بالقرآن والسنة.
يتناول هذا الفصل شرط استقبال القبلة في الصلاة، ويشرح كيفية استقبالها سواء كان المصلي يرى الكعبة أم لا. كما يبين الحالات التي يسقط فيها هذا الشرط.
يشرح هذا الفصل أحكام الصلاة في أماكن مختلفة مثل المقبرة والحمام وأعطان الإبل، ويتناول حكم الصلاة في المساجد التي تحتوي على قبور.
يعبر هذا الفصل عن ختام الدرس بصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ويشكر المشاهدين على المتابعة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعيد رحمه الله في كتابه "منج السالكين" في ذكر شروط الصلاة: قال ومن شروطها ستر العورة بثوب مباح لا يصف البشرة. والعورة ثلاثة أنواع: مغلظة، وهي عورة المرأة الحرة البالغة، فجميع بدنها عورة في الصلاة إلا وجهها، ومخففة، وهي عورة من ابن سبع سنين إلى عشر سنين، وهي الفرجان، ومتوسطة، وهي عورة من عداهم، من السرة إلى الرقبة. قال تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. إلى آخر ما ذكر في هذا الموضع من شروط الصلاة. ذكر هنا من شروط الصلاة ستر العورة، والعورة يراد بها كل ما يستقبح كشفه. فالله جل وعلا يقول: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. وهذه الآية نزلت في الأمر بستر العورات؛ لأن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة. إذا جاءوا إلى البيت وأرادوا أن يطوفوا حول البيت، فيقولون: هذه ثياب عصينا الله بها، فلا نطوف بها. فإن وجدوا من أهل مكة من يعطيهم ثوبا لبسوه، وإلا طافوا عراة. حتى إن المرأة تطوف وتقول: "اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أحله". هذا من عظيم جهلهم. فأمر الله جل وعلا بستر العورات: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. والتعبير بأخذ الزينة هذا أعم من التعبير بستر العورة، وهو أفضل من التعبير بستر العورة؛ لأن هذا التعبير شرعي، يعني أمر به الشرع، ولأنه يتضمن ستر العورة وزيادة. فالزينة تتضمن ستر العورة، وكذلك تتضمن التجمل والتزين للصلاة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله. واستدل لك أهل العلم بحديث: "لا صلاة لحائض إلا بخمار". لا صلاة لحائض إلا بخمار. هو عند أهل السنن، اختلف في وصله ووقفه. وبعض الحفاظ رجح به الوقف، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أن من صلى وهو كاشف لعورته، وهو قادر على سترها، فصلاته باطلة. قالوا: من شروطها ستر العورة بثوب مباح. لا بد من ستر العورة بثوب مباح، فخرج بالثوب المباح الثوب المحرم. وهذا التحريم إما أن يكون من أصله محرما، أو قد يكون لوصفه. من أصله، كالثوب الحرير، فالثوب الحرير محرم على ذكور هذه الأمة. والراجح أنه لا يجوز، وينبغي الثوب الحرير. أو كذلك أن يكون لوصفه، أن يكون ثوبا مغصوبا أو مسروقا، فهذا ثوب محرم. فلا بد أن يكون الثوب مباحا. وقوله: "لا يصف البشرة"، أي لا يكون رقيقا بحيث يصف ما تحته من البشرة. فإذا كان كذلك كان وجوده كعدمه، ولا يكون بهذا ساترا لعورته. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما... ثم قال: ونساء كاسيات عاريات". الحديث الشاهد قوله: "كاسيات عاريات". هن كاسيات، لكن هذه الكسوة لا تستر أبدانهن، فأصبحن في الحقيقة كالعاريات. فدل هذا على أن ستر العورة بثوب شفاف رقيق يصف ما تحته من البشرة، هذا حاله كحال من يصلي عاريا. إذا لا بد أن يكون الثوب صفيقا غليظا، حيث إنه يستر ما تحته من العورة. وإضافة إلى ذلك أن يكون طاهرا. أن يكون طاهرا، فإذا كان نجسا، فإنه لا يجوز أن يصلي بثوب نجس. والله يقول: ﴿وثيابك فطهر﴾. ثم إن العورة أمر المسلم بسترها. أمر المسلم بستر عورته، وأن لا يظهر عورته إلا لمن أباح الله سبحانه وتعالى له، كالزوجة وملك اليمين. قال الله جل وعلا: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾. وهكذا أيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا المرأة إلى المرأة في ثوب واحد". والحديث في الصحيح. مثبت عن سعيد الخدري رضي الله عنه: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظر الرجل لعورة الرجل". وفي حديث معاوية عند أهل السنن، قال: "يا رسول الله، عوراتنا ما نخفي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك". احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك. نعم، فهذه الأدلة تدل على وجوب ستر العورة، وأن المسلم لا يجوز له أن يكشف عورته لأحد من الناس، إلا ما كان ضرورة، كعلاج نحو ذلك. فالضرورات تبيح المحظورات. كذلك أيضا إذا انكشفت العورة من غير قصد إنسان يصلي، فجاءت الريح وكشفت عن عورته، فما حكم صلاته؟ فالجواب: إن كان ذلك شيئا يسيرا، يعني انكشفت وسترها في الحال، فصلاته صحيحة. وأما إن انكشفت وطال الفصل، كانت مثل أن تأخذ الريح ثوبه وبقي عاريا، فهذا يستأنف الصلاة. ويدل على صحة الصلاة حديث عمرو بن سلمة، لما كان يصلي بقومه وهو ابن ست سنين أو سبع سنين، فكان عليه ثوب قصير، فإذا سجد انكشفت عورته، فتقول المرأة: "غطوا عنا سوءة إمامكم". وكذلك أيضا ما جاء في الصحيحين أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون وهم عاقدي أزرهم على أعناقهم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: "لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال؛ خشية أن تنكشف عوراتهم". فهذا يدل على أن انكشاف العورة من غير قصد وتعمد لا تبطل به الصلاة. قال: والعورة ثلاثة أنواع: مغلظة ومخففة ومتوسطة. فالمغلظة عورة المرأة الحرة البالغة. المرأة الحرة خرج به غير الحرة المملوكة، والبالغة خرج بها الصبية غير البالغة. فالحرة البالغة يقول: جميع بدنها عورة في الصلاة إلا وجهها. يعني لا تكشف المرأة الحرة البالغة في الصلاة إلا وجهها. وكذلك أيضا كفيها في قول جمهور أهل العلم: تكشف وجهها وكفيها. هذا قول الجمهور. وهناك قول آخر، وقول أبي حنيفة، ورجحه شيخ الإسلام: أنها تكشف وجهها وكفيها وقدميها. قال: ومخففة، وهي عورة من ابن سبع سنين إلى عشر سنين، سواء كان ذكرا أو أنثى. الصبي والصبية ابن سبع سنين إلى عشر سنين عورتهما الفرجان، يعني القبل والدبر. فلو صلى الصبي وقد غطى سوأته، وصلى وهو كاشف لفخديه مثلا ولعاتقيه، صلاته صحيحة؛ لأنه ليس ببالغ حتى يستر ما بين السرة والرقبة. وهكذا أيضا البنت الصغيرة كذلك. قال: ومتوسطة، وهي عورة من عداهم. من عدا هؤلاء الرجال البالغين والإماء، يقول: من عدا هؤلاء، فعورتهم من السرة إلى الرقبة؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين السرة والرقبة عورة". هو حديث حسن. فالصبي مثلا الذي عمره فوق عشر سنين، وكذلك الجارية فوق عشر سنين، فهذان عورتهما من السرة إلى الرقبة. كذلك الأمة عورتها من السرة إلى الرقبة. إلى أن الرجل البالغ، إنه يجب عليه ستر عاتقيه على الصحيح؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في ثوب، وليس على عاتقيه منه شيء. ليس على عاتقيه منه شيء. فيستر إذن رجل البالغ ما بين السرة والرقبة، ويستر عاتقيه، إلا إذا لم يكن عنده ثوب يعني إلا ما يستر به عورته، فإنه يصلي ولو كشف عن عاتقيه. قال تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. قال: ومنها استقبال القبلة. أي شرط الصلاة استقبال القبلة. قال تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فولي وجهك شطر المسجد الحرام﴾. فإن عجز عن استقبالها لمرض أو غيره سقط، كما تسقط جميع الواجبات بالعجز عنها. قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به. متفق عليه. وفي لفظ: "أنه لا يصلي المكتوبة". ذكر هنا أيضا شرط الصلاة استقبال القبلة. فالله يقول: ﴿ومن حيث خرجت فولي وجهك شطر المسجد الحرام﴾. أي جهة الكعبة. فاستقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة. والنبي صلى الله عليه وسلم لما علم المصلي في صلاته، قال: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر". ثم استقبل القبلة فكبر. والمراد باستقبال القبلة استقبال عين الكعبة لمن يشاهدها. إذا كان إنسان يصلي في الحرم ويرى الكعبة، يجب عليه أن يستقبل عينها. وأما من لا يرى الكعبة فيستقبل الجهة، يستقبل جهة الكعبة؛ لأن هذا الذي في قدرته واستطاعته. والله يقول: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. وجاء في حديث أبي هريرة، أو في مسلم، في حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى صلاتنا، وذبح ذبيحتنا، واستقبل قبلتنا، فهو المسلم؛ له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفرن الله في ذمته". فلا تخفرن الله في ذمته. وجاء أيضا في الصحيح، من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، فقد حرم ماله ودمه". فهذا يدل على أهمية استقبال القبلة، وأن شأن القبلة شأن عظيم. فهذا الواجب أن يستقبل كما قلنا عين الكعبة إن كان يراها، أو الجهة إذا كان لا يرى عين الكعبة، إلا إذا كان عاجزا لسبب من الأسباب، فيسقط عنه استقبال القبلة. قال: "فإن عجز عن استقبالها؛ لأنه إذا لم يستطع أن يستقبلها كان معذورا. وكل واجب يعجز عنه الإنسان فلا يكلف به. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فاتقوا الله ما استطعتم". والقاعدة الشرعية: أنه لا واجب مع العجز. لا واجب مع العجز. من أسباب العجز المرض، قد يكون مريضا ما يستطيع أن يتوجه إلى جهة القبلة، وليس عنده من يوجهه، فيصلي على ما تيسر له. فاتقوا الله ما استطعتم. أو غيره، غير المرض، كالخوف. إذا خاف من عدو أو خاف من سبع، فإنه يصلي على ما يتيسر له. فإن خفتم فرجالا أو ركبانا. قال عمر، كما في الصحيح: "مستقبل القبلة وغير مستقبليها". مستقبل القبلة وغير مستقبليها. قال نافع: "ما أرى عمر إلا سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم". يعني لما قال: "مستقبل القبلة وغير مستقبليها". فإذا كان هناك خوف، وشق على الإنسان، يستقبل القبلة ويصلي على أي جهة، فيكون هنا معذورا. كذلك أيضا إذا كان المسلم محبوسا في عيدي العدو، وهو لا يستطيع أن يتوجه إلى جهة القبلة، فإنه يصلي على أي جهة تتيسر له. قال: "قال: سقط كما تسقط جميع الواجبات". نعم، جميع الواجبات تسقط بالعجز، فكذلك استقبال القبلة إذا عجز عن استقبال القبلة، فإنها تسقط عنه أيضا. ومن الأشياء التي تسقط بها استقبال القبلة: صلاة النافلة على الراحلة في السفر. صلاة النافلة على الراحلة في السفر. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي النافلة على راحلته حيث توجهت به. حيث توجهت به. وأما المكتوبة، فكان لا يصليها عليه الصلاة والسلام على الراحلة، بل ينزل ويستقبل القبلة. ولما جاء في الرواية: "غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة". فلا يجد صلاة المكتوبة على الراحلة إلا للضرورة. وذلك إذا متى مكان الإنسان من النزول من الراحلة حتى يصلي المكتوبة، فيصلي على ما يتيسر له. إن استطاع قائما، كذلك. وإلا صلى جالسا، وأومأ إيماء. وإن استطاع أن يوجهه للقبلة فعل. وإلا من استطاع، صلى على أي جهة. فاتقوا الله ما استطعتم. كإنسان مسافر مثلا بالباص، جاء وقت الصلاة، وأيسر أن يقف، وسيخرج وقت الصلاة، فيصلي. ما يؤخر الصلاة حتى يقف الباص، يصلي على ما يتيسر له. كذلك إنسان في طائرة، وما سيصل إلى البلد التي يريد إلا بعد أن يخرج وقت الصلاة، فيصلي في الطائرة، وهو جالس. فاتقوا الله ما استطعتم. إذن صلاة النافلة على الراحلة في السفر مما يجيز للإنسان ترك استقبال القبلة. والحكمة من ذلك كما قال أهل العلم: هو لأجل أن يتسنى للإنسان أن يكثر من نوافل العبادة والصلاة. فإذا كان الأمر ميسرا في النافلة في الراحلة، أن يصلي على أي جهة تيسر له، أن يصلي ما يتيسر من النوافل. وهذا يكون من التخفيف والتيسير الذي فيه إعانة للمسلم على طاعة الله سبحانه وتعالى. قال: طيب، قبل هذا مسألة: من صلى إلى غير القبلة، ثم تبين أنه صلى إلى غير القبلة، فما حكم صلاته؟ فالجواب: إذا كان فعل ذلك عن اجتهاد، اجتهد وتحرى للتوجه إلى القبلة فأخطأ، فصلاته صحيحة. وأما إن فعل ذلك بتفريط، ومن غير اجتهاد وتحري، فأخطأ القبلة، فعليه الإعادة. عليه إعادة هذه الصلاة. ونقل في هذا الإجماع، يعني في حق من لم يجتهد في تعيين القبلة: أنه عليه أن يعيد. قال: ومن شروطها النية. من شروط الصلاة النية؛ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات". متفق عليه، من حديث عمر رضي الله عنه. والنية محلها القلب، فلا يشرع للإنسان أن يتلفظ بها. ما يقول: "نويت أن أصلي صلاة كذا وكذا". لأن النية محلها القلب. الله يعلم ما في قلب العبد. وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلفظ بها، وللصحابة رضوان الله تعالى عليهم. والأصل أن الصلاة تصح في كل موضع؛ لأن الأصل في الأرض أنها طاهرة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". فمن أدركته الصلاة فليصل. يعني في بعض الروايات: "عنده مسجد وطهور". فالأصل في الأرض أنها طاهرة، إلا بدليل على عدم جواز الصلاة في هذه الأرض، فذاك. لهذا قال هنا: "إلا في محل نجس". المحل النجس لا تجوز الصلاة فيه؛ لأن طهارة الأرض مما أمر بها. والله يقول: ﴿وثيابك فطهر﴾. فإذا أمر بتطهير ثيابه، دل ذلك على أنه لا بد من تطهير البدن، وتطهير الأرض والبقعة. وفي حديث أنس في الصحيحين: قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء، فأريق عليه. أي طهر هذا المكان الذي بال فيه. دل هذا لأنه لا بد أن يكون المكان طاهرا. قال: "أو مغصوب". كذلك الأرض المغصوبة التي تؤخذ من صاحبها قهرا بغير رضا، لا يجوز الصلاة فيها. لا يجوز الصلاة فيها. وإن صلى، فالصحيح أن الصلاة صحيحة مع الإثم. لكن لا يجوز لو تيسر أن يصلي في أرض أخذت وأخذت من صاحبها قهرا. وقوله: "المقبرة"، أو "في مقبرة". المقبرة هو الموضع الذي يقبر فيه الموتى، الذي يقبر فيه الموتى. سواء كان يعني ميتا واحدا، لو عندنا مكان أعد لدفن الموتى، ودفن فيه ميت واحد، أصبحت مقبرة. لا يجوز الصلاة فيها؛ بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". حيث رواه أهل السنن. والعلة من النهي عن الصلاة في المقبرة: قال بعض العلماء: "أجل النجاسة". وقيل: "سدا لذريعة الشرك". وهذا هو الصحيح: أنها سدا لذريعة الشرك؛ بالتعلق بالأموات وأصحاب القبور. لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تصلوا عليها". كما جاء في السنن. وفي حديث جابر: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبر، وأن يجصص، وأن يقعد عليه". حيث رواه أهل السنن. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنها سواع القبور، ولا تصلوا إليها". رواه مسلم. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهو سدا لذريعة الشرك. وهكذا الحمام. "إلا المقبرة والحمام". والحمام هو المكان الذي أعد للاستحمام، أي للإغتسال والتنظف. والعلة في ذلك كما قال أهل العلم: هو أن هذا المواضع مظنة النجاسة، أو أنها مأوى للشياطين. والحمامات التي أعدت لقضاء الحاجة، هذا من باب أولى. الحمامات التي أعدت لقضاء الحاجة، هذه من باب أولى أنه لا يجوز الصلاة فيها؛ لأنها مأوى للشياطين، وأيضا لكونها محل وجود النجاسة. قال: "أو أعطان الإبل". أعطان الإبل، يعني: مبارك الإبل. المواضع التي تبرك فيها الإبل، لا يجوز الصلاة فيها. قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أعطان الإبل. والعلة في ذلك كما قالها العلماء: أن الإبل فيها شيطنة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خلقت من الشياطين". فربما تؤذي من صلى عندها، قد تطأه، يعني تصيبه بشيء من الضرر. فأجل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي المسلم في أعطان الإبل. وأذن بالصلاة في مرابض الغنم؛ لأن الغنم أليفة، ما يخاف منها أذى، بخلاف الإبل. ليس كذلك. إلى أن أن بول وروث الإبل نجس، لا هو طاهر. أن السلام أذن بشرب أبوال الإبل، والبانها، يدل على أنه طاهرة. لكن لا أجل أنه تصيبه بشيء من الضرر. طيب، محكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة تفصيلا. قال: إذا كان المسجد بني أولا، ثم أدخل القبر، فإن كان القبر في غير جهة القبلة، عن يمين أو عن الشمال أو خلف المسجد، فالصلاة صحيحة. والصلاة صحيحة. وأما إذا كان في جهة القبلة، حيث إنه يصلي إليه، فالصلاة باطلة. وأما إذا بني المسجد بعد القبر، فيجب هدم المسجد؛ يجب هدم المسجد؛ لأنه يعتبر مقبرة، لا يجوز أن يمنى فيها مسجدا. ولا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر. إما أن يكون مسجدا لطاعة وعبادة، وإما أن تكون مقبرة لدفن الموتى. وهذا القبر إذا أدخل في المسجد، وجب إخراجه ونبشه ودفنه في مقابر المسلمين. طيب، إذا كان القبر هو الذي وضع أولا، ثم بني عليه المسجد، فالصلاة باطلة مطلقا؛ حتى ولو كان القبر في مؤخرة المسجد؛ لأنه يعتبر هذه مقبرة، لا يجوز الصلاة فيها. قالوا: في حديث الترمذي مرفوعا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". نعم، حيث رواه سعيد الخدري رضي الله عنه. قد حسنه بعض العلماء، من علامة الألباني رحمه الله. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.