كتاب الجهاد 2

الدرس في كتاب الجهاد 2، ألقاها

حالات تحول الجهاد إلى فرض عين

الجهاد يصبح فرض عين في حالات معينة مثل هجوم الأعداء أو استنفار الإمام. يصبح واجبًا على كل مسلم قادر في هذه الحالات.

الشروط الواجبة لوجوب الجهاد

يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط منها الإسلام والذكورية والاستطاعة. يُستثنى من هذه الشروط حالات خاصة مثل الاستعانة بالمشرك عند الحاجة.

الأعذار التي تسقط الجهاد عن الفرد

تسقط الجهاد عن الفرد بناءً على أعذار معينة مثل الفقر والمرض والعجز. يُستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية في ذلك.

أولوية العلماء وتأثيرها على فرض الجهاد

يسقط الجهاد عن العالم إذا كانت حاجة الناس إليه ضرورية، وقد يسقط حتى فرض العين إذا كانت الحاجة شديدة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مولانا -وفقه الله-: متى يتعين أي الجهاد؟ مر معنا في الدرس الماضي أن الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين، وهناك حالات يتعين فيها الجهاد، فيكون فرض عين على كل قادر مستطيع، ويكون فرض عين على كل مسلم. قال: لكن هناك حالات يتعين فيها الجهاد، فيصير فرض عين على المسلم. والفرق بين فرض العين وفرض الكفاية أن فرض الكفاية ينظر فيه إلى الفعل دون الفاعل، أما فرض العين فينظر فيه إلى الفاعل. ينظر فيه إلى الفعل، مثلاً صلاة الجنازة فرض كفاية، فإذا قام بها البعض سقط الإثم عن الآخرين، المقصود أن يوجد هذا الفعل، توجد صلاة جنازة على هذا الميت، دون النظر في فاعل هذه الصلاة، هو زيد أو عمر. لكن فرض العين ينظر فيه إلى الفاعل، لا بد أن يقوم بها كل مسلم، كصلاة الجماعة مثلاً، أو الفرائض الخمس، هذه فرض عين، يجب أن يصليها جميع المسلمين. إذن إذا تعين الجهاد، فصار فرض عين، معناه على كل مسلم أن يجاهد ويقاتل. قال: الحالة الأولى من حالات فرض أن يكون الجهاد فرض عين، قال: إذا هاجم الأعداء بلاد المسلمين، ونزلوا بها، أو حصروها، فتعين قتالهم ودفع ضررهم على جميع أفراد المسلمين. هذه الحالة الأولى، إذا هجم العدو على بلاد الإسلام، هنا يجب على جميع المسلمين الدفاع عن دينهم وأرضهم، حتى يدفعوا ضرر هذا العدو، هنا يكون الجهاد فرض عين. قال: الحالة الثانية، إذا حضر القتال، يعني إذا ذهب المسلم يجاهد ويقاتل، وهنا يتعين عليه أن يبقى. قال: وذلك إذا التقت الزحفان، وتقابل الصفان، صف المسلمين وصف الكفار. قال: تعين الجهاد، وحرم على من حضر القتال الانصراف والتولي من أمام العدو، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، نهى الله عز وجل إذا لقي المسلم العدو أن يفر ويوليهم دبره. قال: وعدّه صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من الكبائر الموبقات، كما في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، يعني المهلكات، وذكر منها التولي يوم الزحف، أن يتولى ويفر المسلم عند ملاقاة العدو، عدّ ذلك من كبائر الذنوب المهلكة. قال: ولكن يستثنى من التولي المتوعد عليه حالتان: الأولى إذا كان المتولي متحرفًا لقتال، أن يذهب لكي يأتي بقوة أكثر، يعني يكون تولي من باب الكر والفر، من باب الكر والفر، يتقدم ويتأخر، ثم يهجم مرة أخرى، وهكذا، هذا لا بأس به، لا يكون من التولي المحرم. قال: والثاني، أن يكون متحيزًا إلى فئة من المسلمين، تقوية ونصرة لها، يعني ينتقل من جبهة إلى جبهة أخرى، في جبهة أخرى مثلاً فيها ضعف تحتاج إلى تقوية، فيذهب يقاتل معها، لا بأس. أما أن يفر ويذهب ويترك القتال، هذا الذي هو محرم، لقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، هذا استثناء، إذا كان توليه لأجل هذين الأمرين، فليس عليه شيء، يكون من باب التحرف في القتال والتفني. «إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة»، يذهب إلى فئة أخرى يقاتل معها. فقد «باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير»، وهذا وعيد شديد فيمن تولى يوم الزحف بغير هذين الأمرين. هذه الحالة الثانية التي تعين فيها الجهاد إذا حضر القتال. الحالة الثالثة، إذا عينهم الإمام واستنفرهم للجهاد، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنفرتم فانفروا»، والحديث في الصحيحين، من حديث ابن عباس، وأيضًا جاء من حديث عائشة. والشاهد من الآية أن الله عز وجل توعّد الذين لا ينفرون للقتال عند استنفارهم بهذا الوعيد: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾، هذا يدل على أن الاستنفار عند طلب ذلك للقتال واجب وفرض عين، أن يجيبوا إمامهم إذا استنفرهم للقتال. وقوله: وقوله إذا عينهم الإمام، المراد بالإمام ولي الأمر، ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولي الأمر الأعلى في الدولة، يعني رئيس الدولة أو حاكم الدولة، ولا يشترط أن يكون الإمام إمامًا عامًا لجميع المسلمين، كما كان الأمر في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وفي عهد الخلفاء، ما يشترط ذلك؛ لأن الأمة بعد ذلك تفرقت، وأصبح كل قطر من المسلمين وبلد لهم إمام وحاكم، ووجبت له السمع والطاعة، وجرى على ذلك أمر المسلمين. ويترتب على وصول هذا الحاكم إلى تلك الدولة لرئاستها وحكمها، أن يكونوا وولي أمرهم، وهو حاكمهم أميرهم، له السمع والطاعة. وعلى هذا إذا استنفر الناس للقتال، وجب على جميع المسلمين الاستجابة له والقيام لقتال العدو. وأما قول من يقول بأنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيع لأحد، هذا من قول الخوارج أو شبههم، ولا شك أنه قولهم باطل. قال: الحالة الرابعة، إذا احتيج إليه، فإنه يتعين عليه الجهاد، يعني إذا احتيج إلى شخص معين لعمل من الأعمال، لا يستطيع أن يقوم بها غيره، مثلاً، مثلاً الدولة أتت بأجهزة جديدة، ما أحد يحسن استعمالها إلا خلال من الناس، وهنا يكون الجهاد عليه فرض عين، يتعين عليه القتال؛ لأنه لا يمكن استخدام هذه الأجهزة إلا هو، ولا يحسن استعمالها إلا هو، فيكون فرض عين عليه. طيب، هذه الآن عندنا أربع حالات يكون فيها الجهاد فرض عين: إذا هجم العدو على بلد الإسلام، وإذا استنفر الإمام المسلمين لقتال العدو، وإذا حضر المسلم المعركة، وجب عليه أن يستمر في القتال، وأن لا يفر من الزحف، والحال الرابع إذا احتيج إليه في أمر لا يحسنه غيره، فإنه يتعين عليه الجهاد. قال: المسألة الثانية، شروط الجهاد. قال: يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والاستطاعة المالية والبدنية، والسلامة من الأمراض والأضرار. فلا يجب الجهاد على الكافر؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تجب عليه ولا تصح منه، ولأنه لا يتوافر فيه الإخلاص والأمان والطاعة، فلا يؤذن له بالخروج مع جيش المسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل المشرك الذي تبعه في بدر: «فارجع فلن أستعين بمشرك»، والحديث في مسلم، من حديث عائشة. وهذه مسألة خلافية اختلفية، أهل العلم هل يجوز الاستعانة بالمشرك في القتال؟ فذهب الإمام أحمد -رحمه الله- إلى أنه لا يستعان بالمشرك والكافر، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى جواز ذلك، إلى أنه يجوز الاستعانة بالمشرك في قتال الأعداء، واشترط الشافعي -رحمه الله- أن يكون هذا للحاجة، إذا كان هناك حاجة لذلك فيجوز، والأمر الثاني أن يكون هذا المشرك حسن الرأي بالمسلمين، أن يكون حسن الرأي بالمسلمين، ويكون موضع ثقة وأمانة، إذا كان الأمر كذلك واحتيج له، فلا بأس بذلك. ويدل على ذلك استعانة النبي عليه الصلاة والسلام بصفوان بن أمية، فاستعان به وهو مشرك، وهكذا أيضًا استعان بخزاعة، وكانت خزاعة من حلفاء النبي عليه الصلاة والسلام، استعان بهم في فتح مكة، وهم مشركون، وهذا يدل على أنه يجوز. ويحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فارجع فلن أستعين بمشرك»، أن هذا في أول الأمر؛ لأن هذا كان في غزوة بدر، وغزوة بدر كما نعلم كانت في السنة الثانية من الهجرة، واستعانة النبي صلى الله عليه وسلم بخزاعة كان في فتح مكة، وكان ذلك في السنة الثامنة. وبعض أهل العلم قال: بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: «ارجع فلن أستعين بمشرك»، قال له ذلك ورده؛ لأنه أراد النبي عليه الصلاة والسلام ورجى أن يسلم، رجى أن يسلم، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم منه علامات، يعني محبة الإسلام، فرده حتى يسلم، فأسلم الرجل، كما جاء في الحديث أنه أسلم، فلأجل ذلك رده النبي صلى الله عليه وسلم، لأجل ذلك. وأيضًا يدل على جواز الاستعانة بالمشرك أن النبي صلى الله عليه وسلم مهاجر من مكة إلى المدينة، كان ممن استعان به رجل مشرك، يقال له: عبد الله بن أريقط، كان رجلاً خريتًا يعرف الطرق، فاستعان به النبي صلى الله عليه وسلم حتى يدله الطريق إلى المدينة. فإذن قول الإمام أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله- أقرب إلى الصواب، أنه يجوز إذا كان ذلك للحاجة، مع كون هذا المشرك حسن الرأي بالمسلمين، أو موضع ثقة، فحينئذ لا بأس أن يستعان بهم. وأما إذا لم يكن هناك حاجة، أو كان سيء الرأي بالمسلمين، ليس موضع ثقة أو أمانة، هنا لا يجوز أن يستعان به. وإذا استعين به، هنا مثل ذكر أهل العلم: وهو هل يسهم له؟ هل يسهم لهذا الكافر؟ يعطى له سهم كغيره من المسلمين؟ أم أنه يرضخ له؟ والرضخ: أن يعطى شيء يسير، على قولين لأهل العلم، والأقرب للصواب أنه يرضخ له ولا يسهم له، يعطى يعني ما يتيسر من العطاء، كغيره من النساء ونحوهم ممن ليسوا أهلاً للقتال والجهاد. قال: إذن الأصل، الأصل في الجهاد أنه على المسلم، يشترط فيه أن يكون مسلمًا، هذا الأصل. فإن احتيج للكافر، فلا بأس، كما سمعنا بهذه الشروط. قال: وكذلك لا يجب على الصبي غير البالغ؛ لأنه غير مكلف، ولحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه عرض نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، قال: قال: وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه في المقاتلة، يعني لم يجزه، يجيز له أن يقاتل؛ لأنه دون البلوغ. ولما عرض عليه يوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه، فدل على أنه يشترط في الجهاد أن يكون بالغًا، أن يكون المسلم بالغًا، فإذا كان دون البلوغ، فلا يجب عليه. قال: وكذلك المجنون لا يجب عليه الجهاد؛ لأنه مرفوع عنه القلم، وليس من أهل التكليف، يعني من أهل التكليف، والمجنون لا يعقل، فصُغِّت عنه الفرائض والواجبات، من الصلاة والصيام وغيرها، كذلك الجهاد يسقط عنه. قال: ولا يجب على العبد؛ لأنه مملوك لسيده، والعبد يقوم بما يحتاج إليه سيده، فليس هو حرًا يملك التصرف في أمره وفي فعله، وإنما هو مملوك لسيده، لا يتصرف إلا بإذن سيده، إذا أذن له السيد، لا بأس، إذا أذن له السيد أن يذهب للقتال، فله أن يقاتل ويجاهد. قال: ولي المرأة، لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ فقال: جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة»، والحديث رواه ابن ماجة والبيهقي، وصححه الألباني -رحمه الله-، وفي لفظ: «نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور»، والحديث في البخاري. فالمرأة لا يجب عليها الجهاد، والذي عليها الحج والعمرة، والحج والعمرة سماها ﷺ جهادًا؛ لما فيهما من الجهد وبذل الأبدان والتعب في أداء المناسك. أما الجهاد القتال وقتال الأعداء، فهذا لا يجب عليها. قال: وغير المستطيع، وهو الذي لا يستطيع حمل السلاح لضعف أو كبر، يعني إنسان ضعيف، ما يستطيع أن يحمل السلاح، ما عنده قوة، أو يكون كبير السن، ما يتحمل، يعني قتال الأعداء وحمل السلاح، فهذا لا يجب عليه. قال: وكذلك الفقير الذي لا يجد ما ينفق في طريقه، فاضلاً عن نفقة عياله، لا يجب عليه الجهاد، لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾، ورفع الحرج والجناح يدل على عدم الوجوب، فلا يؤاخذ إذا كان ما يستطيع أن يذهب إلى موضع الجهاد؛ لكونه فقيرًا، ما يملك الراحلة التي توصله، وليس عنده من النفقة على عياله ما يكفيهم، فهنا لا يجب عليه الجهاد. أما أن يذهب يترك أولاده ويترك عياله، ويقول: أنا سأذهب أجاهد في سبيل الله، ويضيع من يعول، هذا لا شك أنه خطأ، هذا الفعل خطأ؛ لأنه في مثل هذه الحالة إذا كان ما عنده ما ينفق على عيال، لا يجب عليه أن يذهب ويجاهد، والواجب عليه أن يقوم على أسرته وأن ينفق عليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». قال: وكذلك من به ضرر أو مرض أو غير ذلك من الأعذار، لا يجب عليه الجهاد؛ لأن العجز ينفي الوجوب، ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فالأعمى ليس عليه حرج؛ لأن الأعمى لا يستطيع أن يقاتل، كيف يقاتل؟ هو ما يبصر، ما يدرى، ما يرى، ولا يعرف من هو عدوهم من صديقه، فهنا لا يجب عليه الجهاد، وهكذا الأعرج؛ لأنه لا يستطيع أن يفر وأن يتقدم وأن يتأخر، وهو مظنة لحق العدو به، وفيه ما يشق عليه إذا جاهد لهذا الحال، فلا يجب عليه. وأيضًا المريض، كذلك لا يجب عليه الجهاد. قال: المسألة الثالثة، مسقطات الجهاد. قال: هناك أعذار تسقط عن صاحبها الجهاد، إذا كان فرض عين أو فرض كفاية، وهي: أولاً الجنون والصباء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم»، الحديث رواه أبو داود والنسائي، من حديث عائشة وابن عمر، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله-. فكما مر معنا أن المجنون والصبي لا يجب عليهما، فجنون والصباء يسقط عنهما الوجوب، فلا يجب عليهما الجهاد. قال: ثالثًا الأنوثة، فلا يجب الجهاد على الأنثى، وقد سبق ذكره. رابعًا الرق؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للعبد المملوك الصالح أجران»، والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك، الحديث رواه البخاري. وهذا الحديث يذكره أهل العلم في كتب الحديث والمصطلح، في أي قسم من أقسام الحديث؟ نعم، في باب المدرج والمدرجات في الحديث، ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت، فقوله: «أبو هريرة: والذي نفسي بيده»، إلى آخره، هذا من قول أبي هريرة، ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام. فقوله: «والذي نفسي بيده»، أبو هريرة يقول: لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. والشاهد: «لأحببت أن أموت وأنا مملوك»، يعني لو كنت مملوكًا لما كان عليَّ الجهاد، لكن لما كانت نفسي محبة للجهاد، ما أحببت ذلك أن أكون مملوكًا. خامسًا والسادس: الضعف البدني، وهو العجز المالي، والمرض، وعدم سلامة بعض الأعضاء، كالعمى والعرض الشديد، وقد سبق ذكرها. سابعًا: عدم إذن الأبوين أو أحدهما، إذا كان الجهاد تطوعًا، يعني ليس بفرض عين، وإنما يذهب جهاد تطوع، جهاد مستحب، أو فرض كفاية، ليس بواجب عليه متعين، فهنا لا بد من إذن الوالدين. قال: لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد»، والحديث في الصحيحين. فبر الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية في هذه الحالة، فيقدم فرض العين. فإذا تعين الجهاد، فليس لهما منعه، ولا إذن لهما. إذا كان الجهاد فرض عين، كأن يهجم العدو، أو يستنفر الإمام الرعية، وهنا ما يجب عليه أن يستأذنهما، بل ولو استأذنهما ومنعهما، فلا طاعة لهما؛ لأن الجهاد فرض عين، ويقدم على برهما. ثامنًا: الدين الذي لا يجد له وفاء، إذا لم يأذن صاحبه، وكان الجهاد تطوعًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين»، الحديث في مسلم، من حديث عبد الله بن عمر، وجاء بنحوه في الصحيحين، من حديث قتادة. قال: فإذا تعين الجهاد، فلا إذن لغريمه. إذا كان إنسان عليه دين، عليه ديون للناس، وأراد أن يذهب يجاهد، وهذا الجهاد فرض كفاية، تطوع، ليس بفرض عين، ما يجوز له أن يذهب حتى يسدد الدين الذي عليه، يسدد الدين الذي عليه، أو يتحلل من صاحب الدين، إذا كلم صاحب الدين، وقال له: صاحب الدين، أنا مسامح، ما أريد منك شيء، هنا لا بأس أن يذهب. أما أن يذهب يقاتل ويترك الدين الذي عليه، فلا؛ إلا إذا كان فرض عين، إذا كان الجهاد فرض عين، فهنا لا يستأذن صاحب الدين، فيذهب ويقاتل في سبيل الله جل وعلا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين، يبقى في ذمته، يبقى في ذمته. تاسعًا: العالم الذي لا يوجد غيره في البلد؛ لأنه لو قتل لفتقر الناس إليه؛ إذ لا يمكن لأحد أن يحل محله، فإذا كان لا يوجد من هو أفقه منه، يسقط عنه الخروج لجهاد نظرًا لحاجة المسلمين له. إذا كان البلد فيه عالم واحد، الناس يتعلمون منه، ويفتي الناس، ويقضي بينهم، فمثله يسقط عنه الجهاد إذا كان يعني فرض كفاية؛ لأنه ربما إذا ذهب فقتل، ففتقر الناس إلى من يقوم بتعليمهم، ومن يفتيهم في أمور حكام الشرعية، ومن يقضي بينهم، فهنا يسقط عنه الجهاد. وظاهر كلام المؤلف: أنه حتى فرض العين، حتى جهاد فرض العين كذلك يسقط عنه؛ لحاجة المسلمين له. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وأهلي وصحبه أجمعين، شكرًا.

شاركنا على