الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أربعة مذاهب في حكمة العبادة، موضحًا قول الجبرية الذين ينفون السبب والمشيئة، وقول القدرية المعتزلة الذين يجعلون الثواب أجرًا مقابل العمل. يرد الشيخ على المعتزلة مبينًا أن الله أكرم من أن يحصر عطاؤه في مقابلة العمل فقط.
يبين المقطع أن العمل في العشر من ذي الحجة من أحب الأعمال إلى الله، ويرد على زعم المعتزلة بأن الثواب لا يتجاوز قدر العمل. يؤكد أن دخول الجنة يكون بتوفيق الله وفضله لا بمجرد الأعمال، مستدلًا بالحديث النبوي والآية الكريمة.
يصف المقطع الصنف الثالث الذين يرون العبادة رياضة للنفس لاستقبال الفيض العلمي، ويشبههم بالنصارى والفلاسفة القائلين بقدم العالم. يوضح كيف قدمت الطرق الصوفية أورادها على الفرائض معتبرين الورد أعظم من القرآن.
أشار المحاضر إلى الصنف الرابع وهم أهل السنة، وقرر تأجيل تفصيل الحديث عنهم إلى درس لاحق. ثم ختم الجلسة الحالية معلنًا انتهاء المقطع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في كلام الإمام المفيد الإمام المقريزي رحمه الله، وذكر أن الناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها لهم طرقًا أربعة. فذكرنا أولًا الصنف الأول، وهم نفاة الحكمة والتعليل، نفاة الحكمة والتعليل، نفاة الحكمة من أفعال الله، وكذلك نفاة التعليل والسبب. نفاة الحكمة والسبب، أولاهم الجهمية ومن اتبعهم من الأشاعرة الجبرية وغيرهم. أولًا الجبرية الذين نفوا السبب والحكمة من أفعال الله عز وجل، فلذلك قالوا: إن المخلوق ليس له مشيئة، وإنما الإرادة كلها لله. قال: الصنف الثاني، القادرية النفاة. الصنف الثاني، القادرية النفاة، الذين يثبتون نوعًا من الحكمة والتعليل لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه، بل يرجع لمحض مصلحة المخلوق ومنفعته. وهذا هم المعتزلة، القادرية النفاة هم المعتزلة الذين يقولون بأن العبد يخلق فعل نفسه، فسموا قادرية نفاة لأنهم ينفون قدرة الله عز وجل ومشيئته على أفعال العبد. قال: الصنف الثاني، القادرية النفاة، الذين يثبتون نوعًا من الحكمة والتعليل لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه، بل يرجع لمحض مصلحة المخلوق ومنفعته. فعندهم أن العبادات شرعت أثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وأنها بمنزلة استيفاء الأجير أجرته. قالوا: لهذا يجعلها سبحانه عوضًا، كقوله: ﴿ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾. معنى أثمان: ليس أن هذا سبب أعطاهم الله عز وجل جزاء، فإنما كما أنها أثمان لما يناله العباد من الثواب والنعيم، معنى كأنه يجعل يعطي الله عز وجل الأجير أجرته. كما قال تعالى: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، ﴿ وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، وقال: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. أو في الصحيح: «إنما هي أعمالكم محصية لكم ثم وفيكم إياها». قالوا: قد سماها جزاءً وأجرًا وثوابًا لأنه شيء يتوب إلى العامل من عمله أن يرجع إليه. قالوا: ويدل عليه الموازنة، فلولا تعلق الثواب بالأعمال عوضًا عليها لم يكن للموازنة معنى. آتان الطائفتان متقابلتان، يعني تقابل الجبرية تقابلها القدرية النفاة. الجبرية المثبتة الذين غلوا في الإثبات حتى سلبوا العبد المشيئة، والقدرية النفاة الذين جعلوا للعبد حق الخلق، فأثبتوا له مشيئة وخلقًا للفعل لا تعلق لها بمشيئة الله وخلقه. معناه: أن العبد قد يفعل الشيء والله عز وجل لا يريده، مثل ما قال ذاك عمر بن عبيد لما قال له الأعرابي: يا شيخ، قد ضاعت راحلتي، فادعُ الله عز وجل أن يعيدها. فقال: هذا قدر. عمر بن عبيد من نفاة القدر: «اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقة هذا الأعرابي، اللهم ردها إليه». فقال الأعرابي: لا حاجة لي بدعائه، فإنه إذا كان سرقها وهو لم يرد أن تسرق، فقد يريد أن يعيدها فلا يستطيع أن يعيدها. فبين له الأعرابي أن هناك من يفرض أمره على الله، وأن هناك أشياء تكون ليس تحت مشيئة الله، بل بعدم رضاه وعدم أيضًا قدرته عليه. معناه: أن الله عز وجل يقهر بفعل العبد. وهذا كلام باطل، هذا كلام باطل. الله عز وجل على كل شيء قدير، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قال: والقدرية أجابوا عليه سبحانه رعاية المصالح، وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمل فيه تنغيص، باحتمال منه الصدق عليه بلا ثمن. معناه: كرم الله عز وجل على العبد، يقولون هذا تنغيص. معناه: كيف يعطى صدق بلا ثمن؟ لا بد عندهم إذا عمل العبد يعطي ثمنًا، أما أنه يعطى أجرًا فوق الذي عمل فهذا عندهم يستحيل. قال: فجعلوا تفضله سبحانه وتعالى على عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد، وأن عطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد من أن يعطيه فضلًا منه بلا عمل. الله عز وجل أكرم عباده، أكرمهم بالأجر الجزيل، فيعطيهم أجرًا لا حدود له، وهم يقولون: لا، العدل أنه يعطيهم أجرًا على قدر عملهم. أن يعارضون الله عز وجل في ذلك، والله عز وجل كريم، فأعطى من يعمل في ليلة وهي ليلة القدر، أعطاه عمرًا كاملًا أكثر من ثمانين سنة. وأحب الأعمال إلى الله في هذه العشر من عمل عملًا في هذه العشر فهو من أحب الأعمال إلى الله جل وعلا. أن يعمل العمل في هذه العشر، العشر من ذي الحجة. ومعنى ذلك أن الله عز وجل يعطيه ثوابًا لا يقدر، وهذا عند المعتزلة لا يمكن أبدًا. وإنما يعطى هذه الأجور، يعطى على قدر العمل فقط، لا يزيد عليه. وكأنهم يريدون أن ينظموا أمر الله، ولهذا جاءوا بهذا الأصل الذي عندهم، فيقولون: إنه يجب على الله أن يفعل كذا. أن هؤلاء المعتزلة يجبون على الله أشياء، وهذا يدل على عدم تعظيمهم لله جل وعلا، حتى تجرؤوا فيقولون: يجب على الله أن يفعل كذا، وأن يفعل كذا، ولا يفعل كذا. وهذا من العدل، وهذا من الظلم. ولما ذكر الله عز وجل، أو ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الميزان، قالوا: الميزان لا يحتاجه إلا البقال. وغير ذلك من الاستهزاء الذي يذكرونه. قالوا: أن يعطاه ما يعطيه أجر على عمل أحب إلى العبد من أن يعطيه فضلًا منه بلا عمل. ولم يجعلوا الأعمال تأثيرًا في الجزاء البتة. معنى يفصلون الأعمال من الجزاء، ويقولون: لا بد أن يترتب على العمل جزاء بقدره. قالوا: الطائفتان منحرفتان عن الصراط المستقيم، وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب، والأعمال الصالحات من توفيق الله وفضله. وهم يقولون: لا، ليس من توفيق الله، وإنما بقدر عمل الإنسان، أنا هو الذي اكتسب. وهذا باطل، بل أن دخوله الجنة إنما يكون بتوفيق الله وفضله. اعلموا أنكم لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. «لن يدخل الجنة أحدكم بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضله». فلابد من فضل الله وتوفيقه للعبد، فلا يكون الثواب إلا بتوفيق الله وفضله. وأما من أراد ثوابًا ليس بتوفيق الله وفضله، فهذا ليس صحيحًا، واعتقاده باطل. وإنما هذه الأعمال سبب، فقد توصل إلى رضوان الله وثوابه، وليس هو جزاء أنه إذا عمل لا بد أن يعطى، ولا يعطى أكثر مما عمل. فهذا كلام غاية البطلان. قال: وليست قدرًا لجزاء وثوابه، غايتها إذا وقعت على أكمل وجوه أن تكون شكرًا على أحد الأجزاء القليلة من نعمه سبحانه وتعالى. هذه الأعمال الصالحة التي يقدمها العبد هي شيء من شكره لله على ما أنعم عليه سبحانه وتعالى من الخلق والرزق، وكذلك سائر ما أنعم الله عز وجل به على العبد. قال: «فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم». وهذا قاله جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقاله سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وتأمل قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، مع قوله صلى الله عليه وعلى وسلم: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». أنا هذا رد عليهم. وتلك الجنة التي أوردتموها بما كنتم تعملون، هي سبب، الأعمال سبب في دخول الجنة، لكن دخول الجنة ما يكون إلا بتوفيق الله وفضله سبحانه وتعالى. قال: تجد الآية تدل على أن الجنان بالأعمال، والحديث ينفي دخول الجنة بالأعمال، ولا تنافي بينهما، لأن توارد النفي والإثبات ليس على محل واحد. أنا ليس على محل واحد، أي ليس أن الحديث ينفي أن تكون الأعمال سببًا لدخول الجنة، وإنما ينفي أن يكون العمل يدخل الجنة، لأن دخول الجنة إنما يكون بفضل الله ورحمته وتوفيقه. «لن يدخل الجنة أحدكم، لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». فلذلك فليس بينهما تعارض. قال: فالمن في باء الثمانية واستحقاق الجنة على كأنها ثمن. أنت تعمل مثل هذا القول المعتزلة: عملت فمنك الجنة، ما عملت ما في جنة أيضًا. هذه الجنة تدخلها شاء معنا، لا بد تدخلها مدام أنك عملت تتحصل جزاء. فهذا باطل، لأن دخول الجنة ما يكون إلا بتوفيق الله، وأيضًا كذلك رحمته سبحانه وتعالى. قالوا: استحقاق الجنة بمجرد الأعمال. ردًا على القدرية المجوسية التي زعمت أن التفضل بالثواب تدعا متضمن لتكدير المنة. والباء المثبتة التي وردت في القرآن هي باء السببية. الثمانية ردًا على القدرية الجبرية الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال وجزائها، ولا هي أسباب لها، وإنما غايتها أن تكون أمارة، علامة على الثواب، وليست سببًا. قالوا: السنة النبوية هي أن عمومة مشيئة الله وقدرته لا تنافي ربط الأسباب بالمسببات وارتباطها بها. وكل طائفة من أهل الباطل تركت نوعًا من الحق، فإنها ارتكبت لأجله نوعًا من الباطل، بل أنواعًا. فهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه. قال: الصنف الثالث، الذين زعموا معنا الصنف الثاني هم القدرية النفاة. الصنف الثالث الذين زعموا منفعة العبادة رياضة النفوس واستعدادها لفيض العلوم والمعارف عليها، وخروج قواها من قوى النفس السبعية والبهيمية. أن يقولون: أن العبادة ليست مقصودة بذاتها، أن الله عز وجل أراد أن يتعبدنا أو أن نعبده، وإنما هذا عبادة رياضة للنفوس، تروض النفوس على طاعة الله، وأيضًا استعدادها لفيض العلوم والمعارف عليها. معناه: أن هناك أشياء تتنزل على هذه النفس إذا استمرت واستعدت للطاعة، وهو ما يسمونه العلم اللدني. قال: وخروج قواها من قوى النفس السبعية والبهيمية. معناه خلاص، أنه السبعية معناه المراد به أو البهيمية أي الشهوات. معناه المراد أنه يعزلها عن الشهوات، حتى أنه لا ينظر، أو حتى أنه لا يفكر أنه يتزوج. وأرادوا أن يفعلوا هذا، لكن وقعوا فيما هو أعظم من هذا، وأنه حصل فيهم والتفشى فيهم. معناه عمل قوم الوقت. قال: فلو عطلت العبادة للتحقت بنفوس السبع والبهيم. فالعبادة تخرجها إلى مشابهة العقول. لكن هذا الفطرة جعلها الله عز وجل في قلوب الناس، أنه جعل هذه الشهوة والزواج، هذه الفطرة جعلها الله عز وجل في الناس، ولهذا جعلها في أنبيائه. وأما هؤلاء أهل التصوف، فهم فعلوا مثل ما فعل النصارى. قال: فالتصوف قابل الانتقاض، صور المعارف فيها. وهذا يقول طائفتان: إحداهما من يقرب من يقرب إلى الإسلام، وشراء من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وعدم الفاعل المختار. قدم العالم: معنى أن العالم هذا قديم ليس مخلوقًا، وهؤلاء هم كفار كما ذكر ذلك العلماء. وهؤلاء أصحاب أرسطو، أرسطو طاليس، ومن كان ممن يدعي الإسلام ممن يقول به كابن سينا والفارابي والرازي وغيرهم. قال: والطائفة الثانية من متفلسفة نصوفية الإسلام، ويقرب إلى الفلاسفة في أنهم يزعمون أن العبادات رياضات لاستعدادات النفوس للمعارف العقلية ومخالفة العوائد. ثم هؤلاء من لا يوجب العبادة إلا بهذا المعنى، فإذا حصل لها ذلك بقي متحيرًا في حفظ أوراده والاشتغال بالوارد عنها. ولهذا تجد يتركون الصلاة لأجل الورد الذي معه من الأذكار وغيره، فيجلس يذكر الله أو يذكر هذا الورد الذي عنده، قد يكون ليس فيه ذكر الله بل فيه هو مثلًا على الضمير الغائب، ثم يترك الصلاة ويترك الصيام ويترك كده لأجل أنه منشغل بهذا الذي ورد على قلبه كما يقولون. قالوا: منهم من يوجب القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها، وهم صنفان. ولهذا تجد الفرق، الفرق الصوفية كلها تجد أنها تهتم بالأوراد التي معهم أكثر من اهتمامهم بالطاعات، الصلاة وقراءة القرآن. أنا عندهم الورد أعظم من قراءة القرآن. الورد هذا الذي جاء به صاحب هذه الطريقة، سوى كانت الطريقة الشاذلية أو الطريقة الأحمدية أو الطريقة الرفاعية أو النقشبندية، أو عندنا هنا الطريقة العلوية. فكل طريقة لهم أوراد يلتزمونها، وهذه الأوراد عندهم أفضل من القرآن، أفضل من القرآن. إذا ضيعها الإنسان يرى أنه، أو إذا لم يأتِ بها يومًا يرى أنه نقص في الإسلام نقصًا عظيمًا، وقد يكون أنه ما يقرأ القرآن، أن يمر عليه يومًا إلا ما كان في الصلاة، وإلا فهم ما يقرؤون القرآن إذا كانوا يصلون، وإلا بعضهم يترك الصلاة. لأن هؤلاء بعضهم فلاسفة باطنية ما يصلون، يجعلون الصلاة هو سر الله، يقولون: هو السر بين العبد وبين ربه، ليست أن هذه الركعات التي يصليها الإنسان. قال: وحدهما من يقول بوجوبها حفظًا للقالون، ضبطًا للنفوس، والآخرون يجبونها حفظًا للوارد وخوفًا من تدرج النفس بمفارقتها. أي هذه الأوراد له إلى حالتها الأولى من البهيمية. فهذه نهاية إقدام إقدامهم في حكمة العبادة. وكل هذا يريدون أنه ليس العبادة همة، سواء كان الإنسان صلى أو لم يصل، زكى أو لم يزك، أطاع الله عز وجل أو لم يفعل، أهم شيء النفس. قال: وما شرعت لأجل، ولا تكاد تجد في كتب المتكلمين على طريق السلوك غير طريق من هذه الطرق الثلاثة أو مجموعها. ثم ذكر الصنف الرابع، وهم أهل السنة، إن شاء الله تعالى نتركه في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر