التعليق على مقدمة سنن الدارمي 34

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 34، ألقاها

التحذير من التنطع والتشدد في الدين

يُنقل عن العلماء تحذيرهم من التنطع والتشدد في الدين، ويُبين أن هذا التشدد قد يؤدي إلى الهلاك. التنطع هو التشدد المذموم الذي يجعل الشيء المستحب واجبا أو المكروه حراما.

الفرق بين التشدد المذموم والمحمود

يُوضح أن التشدد على الحق محمود كما في قول الله عز وجل: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾، بينما التنطع والتشدد المذموم مذموم. الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بهلاك المتنطعين.

اتباع السلف والتحذير من الابتداع

ينصح باتباع السلف والصالحين والتحذير من الابتداع في الدين، ويستشهد بآيات القرآن والأحاديث النبوية التي تحث على اتباع الحق والتحذير من الضلال. من يتبع الآثار الثابتة يكون على الطريق المستقيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب «منهاج الفتيا»، وكره التنطع والتبدع. قال: أخبرنا أحمد بن الحجاج -وهو البكري الشيباني- ذكره البخاري رحمه الله في التاريخ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وهكذا أيضا من أبي حاتم، ذكره في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه شيئا، إلا أنه نقل عن ابن أبي خيثم أنه قال: كان رجل صدق. وذكر غيره أنه ذكره ابن حبان في الثقات. قال: سمعت سفيان عن ابن المنكدر قال: «إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده، فليطلب لنفسه المخرج». هذا الأثر، وإن كان يعني سنده فيه شيء من الضعف من حيث أحمد بن الحجاج لم يوثقه معتبر غير ابن حبان، وابن حبان متساهل في التوثيق، لكن معناه صحيح. إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده، يعني في فتياه وحكمه وبيان الأحكام، فهو يعني ينقل ما علمه من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويحكم على هذه الأفعال بالصحة أو بالبطلان، أو بالحل أو بالتحريم، فهو موقع عن الله ومخبر عن الله جل وعلا. قال: «فليطلب لنفسه المخرج»، يعني ليكن عنده الخوف من الله جل وعلا، أن يكون خائفا وجلا أن يتكلم بلا علم، فيحلل الحرام أو يحرم الحلال. فالمقصود من هذا الأثر أن العالم ينبغي أن يكون على خوف ووجل من الله جل وعلا، فهو قائم بأمر عظيم. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن قدامة، قال: حدثنا أبو أسامة عن مسعر وابن جريج، قال: أخرج إلي معنو بن عبد الرحمن كتابا. ومعنو بن عبد الرحمن هو معنو بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة. قال: كتابا، فحلف لي بالله أنه خط أبيه، فإذا فيه قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: «والذي لا إله إلا هو، ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت أحدا كان أشد عليهم من أبي بكر، وإني لأرى عمر كان أشد خوفا عليهم أو لهم». وهذا الأثر صحيح، يقول عبد الله بن مسعود: «والذي لا إله إلا هو، ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر بهلاك المتنطعين، التنطع والتشدد في المسائل وفي الأمور، هذا من أسباب الهلاك. فمن التنطع مثلا أن يجعل الشيء المستحب واجبا، أو يجعل المكروه حراما، هذا من التشدد والتنطع. ليس التنطع أن يتمسك بالدين وأن يعمل بما أمر الله عز وجل به، وأمر به رسوله عليه الصلاة والسلام، فهذا وإن قيل فيه متشدد، فهو متشدد على الحق، وهذا التشدد محمود. كما قال الله عز وجل: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾، هذا التشدد محمود. أما تشدد المذموم والتنطع، كما سمعنا، أن يجعل الشيء المستحب واجبا، والمكروه حراما، هذا هو التنطع والتشدد الذي جاء ذمه في الشريعة. قال: «وما رأيت أحدا كان أشد عليهم من أبي بكر»، يعني على المتنطعين، كان ينكر عليهم ويشدد عليهم في ذلك. قال: «وإني لأرى عمر كان أشد خوفا عليهم أو لهم»، خوفا عليهم يعني من الانحراف والزيغ والضلال والهلاك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بهلاكهم: «هلك المتنطعون»، المتنطع والمتشدد، هذا في الغالب أنه ما يوفق له الهدى والاستقامة، فبسبب تنطعه وتشدده قد ينحرف ويميل عن الصراط المستقيم. قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا زمعة بن صالح -وهو الجندي اليماني-، قال: عن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: أوصني. قال: «نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع». هذا الأثر فيه ضعف، زمعة بن صالح ضعيف، لكنه صح من طرق أخرى. يقول عثمان بن حاضر الأزدي: دخلت على ابن عباس -يعني عبد الله بن عباس- فقلت: أوصني. قال: «نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع». طلب منه وصية، وهذا فيه حرص طالب العلم أن يطلب من أهل العلم أن يوصوه بما يرونه سببا في استقامته وصلاحه وتحصيله للخير، أن يقول للعالم: أوصني. فأوصاه بن عباس بهذه الوصية المختصرة الجامعة لما فيه الخير والصلاح والفلاح. قال: «عليك بتقوى الله»، يعني: الزم تقوى الله جل وعلا. وتقوى الله كما نعلم كلمة جامعة لكل خير، وناهية عن كل شر. تقوى الله جل وعلا أن تعمل بما أمر الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخاف عقاب الله. كما قال طلق بن حبيب رحمه الله: «تقوى الله جل وعلا: فعل الأوامر، واجتناب النواهي». فإذا حقق العبد تقوى الله جل وعلا، فقد حقق خيرا عظيما. ثم مع هذه التقوى: الاستقامة، الاستقامة أن يكون متقي لله جل وعلا وهو على استقامة، يعني متمسكا بالكتاب والسنة، وسائر على ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، فتكون تقوى لله جل وعلا مع استقامة وسير على صراط مستقيم، يكون متبعا لهم في باب العقائد، وفي باب العبادات، وفي باب المعاملات. ولهذا قال: «اتبع ولا تبتدع»، كن متبعا ولا تكن مبتدعا، متبع للسلف وللآثار الواردة عنهم ولما ثبت في الكتاب والسنة. وهذا الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، كما قال جل وعلا: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾. ولا تبتدع، يعني تحدث في الدين أشياء ليست منه، فتزيغ عن الصراط المستقيم وتنحرف عن الصراط القويم. فهذه الوصية مع اختصارها، فهي كما سمعنا وصية جامعة ونافعة، ما أحوجنا إلى العمل بها، أن نتقي الله جل وعلا، ونستقيم على ما كان عليه السلف، ونتبع ولا نبتدع. قال رحمه الله: وأخبرنا مخلد بن مالك الجمال -وهو أبو جعفر الرازي ثقة-، قال: أخبرنا النضر بن شميل، وأبو الحسن النحوي البصري -ثقة ثبت-، قال: عن ابن عون -هو عبد الله-، عن ابن سيرين. ومحمد بن سيرين قال: «كانوا يرون أنه على الطريق ما كان على الأثر». والأثر صحيح. كانوا يرون أنه على الطريق ما كان على الأثر، يعني من كان متبعا للآثار وما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعن صحابته الكرام، وهكذا من تبعهم بإحسان، فهو على الطريق، يعني على الطريق الصحيح والطريق القويم، طريق المستقيم. لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. وخط النبي صلى الله عليه وسلم خطا طويلا، وخط بجانبه خطوطا صغارا عن يمينه وشماله، قال: «هذا صراط الله مستقيم، وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه». ليس مراد: شيطان يدعو إليه، يعني أنه شيطان بحقيقة هو الذي يتكلم، لا، يتكلم على ألسنة البشر. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها»، دعاة يدعون، لكن لا يجيبهم إلى جهنم هؤلاء الذين زاغوا عن صراط المستقيم، وانحرفوا عن ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فيدعون الناس إلى ما فيه هلاكهم، وما فيه ضلالهم وانحرافهم. فهذا يدعو إلى نبذ الشريعة وتحكيم العقول على النقل، وذاك يدعو إلى إباحة المحرمات من الربا والزنا إلى آخره، وذاك يدعو إلى نحو ذلك من أمور المحرمة. وهكذا تجد دعاة كثر، دعاة كثر، لكنهم دعاة على أبواب جهنم. فمن كان على الأثر، متبعا للآثار، فهو على الطريق المستقيم. قال رحمه الله: وأخبرنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا أزهر عن ابن عون، قال: عن ابن سيرين، قال: «ما دام على الأثر فهو على الطريق». وهذا بنحو الأثر المتقدم: «ما دام على الأثر فهو على الطريق»، يعني على الطريق المستقيم والطريق القويم. نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على