التعليق على مقدمة سنن الدارمي 66

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 66، ألقاها

فضل العلم وعلاقته بخشية الله

يتناول فضل العلم وعلاقة العلماء بالله، حيث تشير الآثار عن السلف الصالح إلى أن حقيقة العلم هي خشية الله. كما يبين أهمية طلب العلم وأقوال السلف في فضل العلم والعلماء.

تفضيل العالم على العابد وأهمية العلم

يفضل العالم على العابد لكون علمه متعديا ينتفع به الناس، بينما عبادة العابد لنفسه. كما أن مجالس العلم تحضرها الملائكة، مما يدل على أهمية العلم وفضل العلماء.

حكم سرد القصص وضوابطها

لا بأس بقص القصص الثابتة في السنة أو القرآن، ما دام أنها صحيحة وثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. يُشترط أن تكون القصص المروية صحيحة ومتوافقة مع ما جاء في القرآن والسنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، بباب فضل العلم والعالم: أخبرنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا أبو عميس، وهو عتبة بن عبد الله، عن عون، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: من همان لا يشبعان، صاحب العلم وصاحب الدنيا، ولا يستويان، أما صاحب العلم فيزداد رضا للرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، ثم قرأ عبد الله: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾. قال: وقال الآخر: إنما يخشى الله من عباده العلماء. وهذا الأثر منقطع؛ فعون لم يسمع من عبد الله بن مسعود. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي -وقد كذبا-، قال: حدثنا إبراهيم بن مختار. قال البخاري: فيه نظر. وهذه من عبارات الجرح الشديدة عند الإمام البخاري، لكنها بعبارة لطيفة، قال: حدثنا عن بسة من الأزهر، عن سماك بن حرب. وسماك بن حرب صدوق، لكن في روايته عن عكرمة نظر. قال الطرابلسي: عن عكرمة، عن ابن عباس: «إنما يخشى الله من عباده العلماء». قال: من خشي الله فهو عالم. وهذا الأثر بهذا السند الضعيف، لكن ثبت عن جمع من السلف رحمهم الله تفسير الآية، أو الإخبار بمعنى هذه الآية: أن حقيقة العلم هو خشية الله جل وعلا، وأن من خشي الله فهو عالم. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن أبان، وهو صدوق، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، وهو ثقة فقيه عابد، عن ليث -ومن أبي سليم- مختلط، عن طاووس -وهو ابن كيسان اليماني- ثقة فقيه فاضل، وهو من علماء اليمن، ومن تلاميذ عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال فيه ابن عباس: إني لأظن طاووسا من أهل الجنة، إني لأظن طاووسا من أهل الجنة. ولعل هذا قاله ابن عباس لما رأى فيه من الفضل والعبادة والخير. قال: عن ابن عباس قال: من هو ماني لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا. وهذا السند فيه ضعف، وهو سبب اختلاط ليث بن أبي سليم، لكن مر معنا أن متن هذا الأثر قد صح مرفوعا من قول النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: أخبرنا مروان بن محمد، قال: حدثنا يزيد بن ربيعة الصنعاني، قال: حدثنا ربيعة بن يزيد. وربيعة بن يزيد متروك، كما قال الدارقطني والنسائي، كما في ميزان الاعتدال. قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم فأدركه كان له كفلان من الأجر -يعني ضعفان ونصيبان-، فإن لم يدركه كان له كفل من الأجر -يعني له نصيب من الأجر- إذا طلب العلم وحرص على طلبه، فلم يدرك -يعني لم يتحصل على العلم- وهو يسلك طريق العلم ويحضر مجالس العلم، فله كفل من الأجر، فإن أدركه وصار من أهله كان له كفلان». لكن هذا الأثر، أو هذا الحديث ضعيف. قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وهو أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن عوف، عن عباس العمي، قال: بلغني أن داود النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: «سبحانك اللهم أنت ربي تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض، فأقرب خلقك منك منزلة أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك، وما حكمة من لم يطع أمرك». وهذا الأثر يعني منقطع؛ فعباس العمي لم يدرك داود عليه السلام، وبينه وبين داود مفاوز. قال رحمه الله: أخبرنا المعلى بن أسد، قال: حدثنا سلام -هو ابن أبي مطيع-، قال: سمعت أبا الهيثم يحدث عن الضحاك، قال: قال عبد الله بن مسعود: «أغد عالما أو متعلما، ولا خير فيما سواهما». والضحاك من مزاحم، لقي جماعة من الصحابة، ولم يسمع من أحد منهم، فالأثر منقطع، وإن كان معناه ثبت عن بعض السلف كذلك، كعلي رضي الله عنه وغيره: «كن عالما أو متعلما، إما تعلم الناس وإما تتعلم وتتفقه في دين الله، ولا خير فيما سواهما» -يعني من لم يكن عالما ولا متعلما فقد فاته خيرا عظيما-. قال: أخبرنا الحكم بن المبارك، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا الوليد بن سليمان، عن علي بن يزيد -وهو الألهاني- وهو متروك، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا إلا من أحياه الله بالعلم». وهذا الحديث ضعيف؛ علي بن يزيد الألهاني متروك. وجاء معنا من حديث أبي هريرة في السنن من غير ذكر «إلا من أحياه الله بالعلم». قال: أخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني هارون بن رباب، وهو ثقة، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يقول: «أغد عالما أو متعلما، ولا تغد فيما بين ذلك؛ فإن ما بين ذلك جاهل، وإن الملائكة تبسط أجنحتها للرجل غدا يبتغي العلم من الرضا بما يصنع». وهذا الأثر منقطع؛ هارون بن رباب مع كونه ثقة إلا أنه لم يرو عن عبد الله بن مسعود. وأما متن هذا الأثر فصحيح من حيث المعنى، وكذلك أيضا بعض ألفاظه ثبتت روايتها وذكرها عن النبي عليه الصلاة والسلام، كقوله: «وإن الملائكة لتبسط أجنحتها للرجل غدا يبتغي العلم من الرضا بما يصنع». صح من قول النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي الدرداء في السنن. «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب». وهذا من شرف العلم أن الملائكة تتواضع لطالب العلم حتى تضع أجنحتها ليجلس عليها طالب العلم، رضا بما يطلب -أي من طلب العلم وتفقه في دين الله جل وعلا-. وهذا شرف لأهل العلم أن تضع الملائكة لهم أجنحتها، ولا تضعها لغيرهم من الرؤساء والأمراء وأصحاب الأموال، بل تضعها لطالب العلم وإن كان مسكينا فقيرا وضيعا، فله هذا الشرف وهذه المنزلة العظيمة. قال: أخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، عن الحسن، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في بني إسرائيل، أحدهما كان عالما يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم رجلا». هذا الحديث مرسل من مراسيل الحسن البصري رحمه الله، ومراسيله من أشد المراسيل ضعفا كما ذكر الإمام الذهبي رحمه الله، لكن معناه صحيح. أن فضل العالم أفضل من فضل العابد، بل صح هذا من قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي الدرداء في السنن: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». وصح بلفظ: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب». لماذا؟ لأن فضل العالم متعد ينتفع الناس بعلمه، وأما فضل العابد فهو على نفسه، عبادته لنفسه هو الذي ينتفع بها لنفسه، لا ينتفع الناس بعبادته. فلما كان فضل العالم وعلم العالم متعديا يتعدى إلى الناس وينتفعون به، كان أعظم أجرا من كون العبادة وينتفع بها الإنسان لنفسه. قال: أخبرنا الحسن بن الربيع، عن عبد الله بن عبيد الله، عن الحسن بن ذكوان -والحسن بن ذكوان فيه ضعف-، قال: عن ابن سيرين، قال: دخلت المسجد فإذا سمير بن عبد الرحمن يقص، وحميد بن عبد الرحمن يذكر العلم في ناحية المسجد، قال: فمالت إلى أيهما أجلس -يعني تحيرت إلى أيهما يعني أميل أجلس في مجلسه-، قال: فنعست فأتاني آت فقال: من يلت إلى أيهما تجلس؟ إن شئت أريتك مكان جبريل من حميد بن عبد الرحمن. وهذا الأثر فيه ضعف، لكن الشاهد منه أن مجالس العلم التي يبث فيها العلم هي التي تحضرها الملائكة، بخلاف مجالس القصاصين -والمراد بالقصاصين الذين يقصون القصص ولا يتحرون الصحيح منها- لا يتحرون الصحيح منها، أهمهم أن يقص على الناس ولو كان بأحاديث مكذوبة وبقصص ضعيفة، قصده أن يلفت الناس إليه وأن يجلس الناس له. فهؤلاء ذمهم أهل العلم وتكلموا فيهم محذرين منهم ومن مجالسهم. وهذا حال أغلب القصاص في القديم والحديث، من كان يعتني منهم بالقصص في الغالب أنه لا يتحرى الصحيح منها من الضعيف، فيكون همه أن يقص وأن يجذب الناس إليه وأن يلتف الناس حوله، فلهذا يحرص على الإتيان بالغرائب والعجائب التي لم يسمع بها الناس من قبل، وغالب هذه العجائب كذب، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: «اجتنبوا هذه الغرائب؛ فإن عامتها كذب» -يعني أكثرها كذب-. فهو تجده يعني حاطب ليل يلف من هنا ويأخذ من هنا ويقص على الناس. أما من كان يتحرى الصحيح، كان يقص على الناس من قصص القرآن أو من قصص الثابتة في السنة، فهذا لا بأس به ولا ينكر عليه ما دام أنه يذكر شيئا صحيحا ثابتا عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك أيضا ما كان من قصص القرآن، فهذا لا بأس به. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على