الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 90، ألقاها
يناقش المقطع الأول اختلاف الفقهاء وأثره في تطبيق الأحكام، موضحا أنه ليس أمرا محمودا ولكنه مقدر. يشرح كيفية تعامل العالم والعامي مع هذا الاختلاف.
يتناول المقطع الثاني آراء بعض الصحابة والتابعين في مسائل فقهية مثل اعتبار الجد بمنزلة الأب، ويشرح مفهوم العرض في تحمل الحديث.
يناقش المقطع الثالث مسألة عرض الكتاب والحديث في الرواية، ويورد آراء بعض الأئمة حول ما إذا كان عرض الكتاب يعد كالحديث الشفوي.
يؤكد المقطع الرابع على صحة أثر عن الإمام مالك رحمه الله في عدم التفريق بين التحديث والعرض في الإجازة، مشددا على أهمية الإجازة في الحديث النبوي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب اختلاف الفقهاء. قال رحمه الله: أخبرنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن حميد، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو جمعت الناس على شيء، فقال: ما يسرني أنهم لم يختلفوا. قال: ثم كتب إلى الآفاق وإلى الأمصار ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم. هذا الأثر رجاله ثقات، واختلاف الفقهاء وأهل العلم ليس أمرا محمودا، وإنما أمر مقدر أن الاختلاف لابد أن يقع، كما قال الله عز وجل: ﴿لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾. وأما حديث "اختلاف أمتي رحمة" فهو لا أصل له، قد تكلم عليه العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة. والواجب أن يحرص العالم على الوصول إلى الحق ومعرفة الحق بدليله، ويجتهد في ذلك، فما أدى إليه اجتهاده عمل به، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وخطأه مغفور، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر». وأما العامي فإنه ينظر إلى الأعلم والأورع فيسأله عن أمور دينه، ويأخذ بما يقول له. قال رحمه الله: أخبرنا يزيد عن المسعودي عن عون بن عبد الله، قال: ما أحب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، فإنهم لو اجتمعوا على شيء فتركه رجل ترك السنة، ولو اختلفوا فأخذ رجل بقول أحد أخذ بالسنة. وهذا الأثر ضعيف، المسعودي مختلط، ورواية يزيد عنه بعد الاختلاط. قال رحمه الله: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا الحسن عن ليث عن طاووس، قال: ربما رأى ابن عباس الرأي ثم تركه. وهذا الأثر ضعيف، ليث -وهو ابن أبي سليم- مختلط. قال رحمه الله: أخبرنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أنبأنا هشام بن عروة عن عروة عن مروان بن الحكم، قال: قال لي عثمان بن عفان: إن عمر قال لي: إني قد رأيت في الجد رأيا، فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه. قال عثمان: إن اتبع رأيك فإنه رشد، وإن اتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان. قال: وكان أبو بكر يجعله أبا -أي يجعل الجد أبا- وهذا هو الراجح أن الجد بمنزلة الأب. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لو أردت أن أباهل لباهلت أن الجد أب. قال رحمه الله: باب في العرض. والعرض هو نوع من أنواع تحمل الحديث، وهو أن يعرض التلميذ أحاديث الشيخ عليه على هذا الشيخ، فيقرأها عليه، ثم يحدث عن هذا الشيخ، فيقول: أخبرني أو حدثني. قال رحمه الله: أخبرنا إبراهيم المنذر الحزامي، قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا عاصم الأحول، قال: عرضت على الشعبي أحاديث الفقه، فأجازها لي -يعني أحاديثه في الفقه- عرضها عليه عاصم الأحول على الإمام الشعبي عامر بن شراحيل، فأجازها له -أي إن يرويها عنه-. قال: أخبرنا إبراهيم المنذر، قال: حدثنا سفيان النعوي، قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل مر في المسجد بسهام: أمسك بنصالها. قال: نعم. والحديث في البخاري. قال رحمه الله: أخبرنا إبراهيم المنذر، قال: حدثنا سفيان، قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أسمعت أباك يحدث عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم؟ قال: نعم. والحديث في مسلم، وجاء في البخاري نحوه عن أم سلمة رضي الله عنها. قال رحمه الله: أخبرنا الحسن بن أحمد، قال: حدثنا مسكين بن بكير، قال: حدثنا شعبة، قال: كتب إلي منصور بحديث، فلقيته فقلت: أحدث به عنك؟ قال: أوليس إذا كتبت إليك قد حدثتك؟ قال: وسألت أيوب السختياني فقال مثل ذلك. ورواية مسكين بن بكير عن شعبة فيها كلام، كما قال إمام أحمد رحمه الله. قال: أخبرنا زكريا بن عدي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري، قال: عرضت عليه كتابا، فقلت: أرويه عنك؟ قال: ومن حدثك به غيري؟ وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا داود بن عطاء مولى المزنيين، قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، قال: عرض الكتاب والحديث سواء. وداود بن عطاء المزني ضعيف. قال رحمه الله: أخبرنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا داود بن عطاء عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: عرض الكتاب والحديث سواء. وهذا أيضا ضعيف. قال رحمه الله: أخبرنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا داود بن عطاء، قال: كان زيد بن أسلم يرى عرض الكتاب والحديث سواء. وكان ابن أبي ذئب يرى ذلك. وهو ضعيف. قال: أخبرنا إبراهيم، قال: حدثنا مطرف عن مالك بن أنس أنه كان يرى العرض والحديث سواء. وهذا الأثر عن الإمام مالك صحيح، أي أن الإمام مالك رحمه الله كان لا يفرق بين العرض وبين التحديث، يعني أن يحدث الشيخ التلاميذ، وبين أن تعرض عليه أحاديثه فيجيزها لهم، كلا الأمر عنده سواء. الصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.