الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 87، ألقاها
يؤكد على أهمية صيانة العلم وعدم استغلاله في المعاملات التجارية، ويروي قصة الإمام الحسن البصري في هذا السياق. يشير إلى ضرورة الحفاظ على نزاهة العلماء.
يبرز أهمية العمل بالعلم واقترانه بالحلم، ويحذر من الطمع الذي يفسد العلم ويضيعه. يستشهد بعدد من الآثار التي تربط بين العلم والحلم.
ينقل أقوال العلماء والصالحين حول أهمية العلم والعمل به، ويحذر من الطمع والاستهزاء بالعلم. يشير إلى أن الطمع يخرج العلم من قلوب العلماء.
يُبين حرص السلف على صيانة العلم من الطمع الدنيوي، ويُنقل عنهم التأكيد على أن طلب العلم ليس لأجل الدنيا. يُذكر أن بعض الآثار الواردة في هذا السياق ضعيفة السند.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي -رحمه الله- في مقدمة سننه: باب صيانة العلم. قال: أخبرنا محمد بن سعيد، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، قال: عن عبد الأعلى، عن الحسن، أنه دخل السوق، فساوى ما رجلا بثوب، قال: هو لك بكذا وكذا، والله لو كان غيرك ما أعطيته. فقال: فعلتموها، فما رؤي بعدها مشتريا من السوق ولا بائعا حتى لحق بالله. وهذا الأثر صحيح. فالحسن بن أبي الحسن البصري -رحمه الله- الإمام، إمام أهل البصرة، لما دخل السوق وساوى ما رجلا بثوب -يعني يبايعه- فقال للحسن: هو لك بكذا وكذا، ولو كان غيرك ما أعطيته -يعني كأنه يقول: لأنك أنت صاحب العلم، فلك بكذا وكذا-. فقال الحسن: فعلتموها -يعني بسبب ما عندنا من العلم تعاملون بهذه المعاملة-، فما رؤي بعدها -رحمه الله- يبايع ويشتري في الأسواق، خوفا من أن يستغل -يعني ما عنده من العلم- في معاملة الناس، فصيانة لعلمه فترك البيع والشراء -رحمه الله-. وهذا بخلاف بعض طلبة العلم -هداهم الله-، ربما إذا -يعني- راه الناس يخطب أو يصلي أو كذا، فيأتي عند البيع والشراء أو في غيرهم المعاملات يستغل ذلك بما عنده من العلم، والله المستعان. قال: «قبرنا الهيثة من جميل». قال: عن حسام، عن أبي معشر، عن إبراهيم، أنه كان لا يشتري ممن يعرفه. وحسام هذا: حسام متروك. قال: أخبرنا محمد بن سعيد، قال: أخبرنا عبد السلام، عن عبد الله بن الوليد المزني، عن عبيد بن الحسن، قال: قسم مصعب بن الزبير مالا في قراء أهل الكوفة حين دخل شهر رمضان، فبعث إلى عبد الرحمن بن معقل فيدرهم، فقال له: استعن بها في شهر كهذا. فردها عبد الرحمن بن معقل، وقال: لم نقرأ القرآن لهذا. قال -رحمه الله-: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: حدثنا أنس بن عيار، قال: حدثني عبيد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون بما يعلمون. قال: فما ينفي العلم من صدور الرجال؟ قال: الطمع. وهذا الأثر منقطع بين عبيد الله بن عمر وبين عمر بن الخطاب، وإن كان معناه صحيح. أن حقيقة العلم والذي يوصى بأنه عالم: الذين يعملون بما يعلمون -يعملون بما يعلمون-، أي: العمل بالعلم، والذي يذهب العلم من صدور الرجال هو الطمع والجشع وحب الدنيا. قال: أخبرنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن زيد، عن عطاء، قال: ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم. وهذا الأثر صحيح. ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم. قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عاصم الأحول، أن عامر الشعبي قال: زين العلم حلم أهله. والأثر صحيح. قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن طاووس، قال: ما حمل العلم في مثل درع حلم. وهذا الأثر ضعيف؛ فزمعة بن صالح ضعيف. قال: أخبرنا محمد بن حميد، قال: حدثنا جرير، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، قال: زين العلم حلم أهله. ومحمد بن حميد الرازي كذاب. قال: أخبرنا الحكم المبارك، قال: أخبرنا مطرف بن مازن -ومطرف بن مازن كذبه ابن معين، وقال النسائي: ليس بثقة-، عن يعلى بن مقسم، عن وهب بن منبه، قال: إن الحكمة تسكن القلب الوادع الساكن. قال: أخبرنا محمد بن أحمد، قال: سمعت سفيان، يقول: قال عبيد الله: شنتم العلم واذهبتم نوره، ولو أدركني وإياكم عمر لأوجعنا. والأثر صحيح. شنتم العلم واذهبتم نوره -يعني بعدم العمل به والتأكل به ونيل حطام الدنيا به-. قال -رحمه الله-: أخبرنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبيه المراد، قال: قال علي: «تعلموا العلم، فإذا علمتموه فاكظموا عليه، ولا تشوبوه بضحك ولا بلعب، فتمجه القلوب». قال -رحمه الله-: أخبرنا محمد بن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الفضيل بن غزوان، عن علي بن حسين، قال: من ضحك ضحكة مجة من العلم. ومحمد بن حميد هو الرازي كذاب، لكن الأثر صحيح عند أبي نعيم في الحلية بسند صحيح. قال -رحمه الله-: أخبرنا محمد بن يوسف، قال: عن سفيان، أن عمر قال لكعب: من أرباب العلم؟ وكعب: كعب الأحبار، وهو من التابعين، ومن كان عنده من علم الكتاب، قال: من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون بما يعلمون. قال: فما أخرج العلم من قلوب العلماء؟ قال: الطمع. وهذا الأثر معضل بين سفيان وعمر. قال: أخبرنا أحمد بن حميد -وصوابه محمد بن حميد، وهو الرازي كذاب-، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن عمر بن أيوب، عن أبي إياس، قال: كنت نازلا على عمر بن النعمان، فأتاه رسول مصعب بن الزبير حين حضره رمضان بألف درهم، فقال: إن الأمير يقرئك السلام، قال: إن لم ندع قارئا شريفا إلا قد وصل إلي منا معروف، فاستعن بهذين على نفقة شهرك هذا. قال: أقرئ الأمير السلام، وقل له: إنا والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا ودرهمها، ولكن... وهذا الأثر ضعيف؛ فمحمد بن حميد الرازي كذاب. فكذا كان السلف -رحمه الله- يحرصون على صيانة العلم ونزاهة العلم من طمع وجشع الدنيا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.