التعليق على مقدمة سنن الدارمي 71

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 71، ألقاها

التحذير من طلب العلم للتباهي أو الدنيا

النبي عليه الصلاة والسلام حذر من طلب العلم للتباهي أو الجدل أو لجلب مدح الناس، وأمر العلماء أن يكونوا قدوة في الإخلاص. طلب العلم يجب أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى.

أهمية العمل بالعلم وعدم تضييعه

العمل بالعلم أهم من مجرد طلبه، وينبغي ألا يكون هدف طالب العلم التزين به دون العمل. يجب أن يكون عمل المسلم للآخرة وليس للدنيا.

خطورة العلم للتجمل به وتأثير الشخصيات

تعلم العلم للتجمل به دون العمل يعتبر من الأمور الخطيرة، والشخصيات لها تأثير كبير على أتباعها، خاصة العلماء والأئمة. يجب أن يكون العلم نافعاً وله أثر في القلب والجوارح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله: قال أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا أبو إسماعيل - هو إبراهيم بن سليمان المؤدب - عن عاصم الأحول، عن من حدثه، عن أبي وائل، وشيخ ابن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: من طلب العلم لأربع، دخل النار، أو نحو هذه الكلمة، قال: ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، أو ليأخذ به من الأمراء. والأثر هذا فيه ضعف، لكن صحة بعض ألفاظه مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فالنار، النار. بهذا اللفظ هو ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه وعيد شديد لمن طلب العلم غير الله جل وعلا، طلبه ليباهي به العلماء، أن يتباهى بالعلم ويفتخر به، وأنه من أهل العلم، ومن عنده معرفة بأحكام الشريعة، أو ليماري به السفهاء، يعني يجادل ويجلس في المجالس يناقش ويظهر أنه يعني عنده علم، أو ليصرف وجوه الناس إليه، يعني من أجل أن يمدحه الناس، وأن يثنون عليه، وأن يلتفون حوله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: فالنار، النار، يعني مصيره إلى النار. وهذا لا شك أنه وعيد شديد، وهذا مما يدعو طالب العلم إلى إخلاص النية في طلب العلم، وعدم إرادة بعلمه شيء من أمور الدنيا. قال رحمه الله: أخبرنا سعيد بن عامر، عن هشام صاحب الدستوائي، قال: قرأت في كتاب - بلغني أنه من كلام عيسى - قال: تعملون للدنيا، وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، وإنكم علماء السوء، الأجر تأخذون، والعمل تضيعون. يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه. الله نهاكم عن الخطايا، كما أمركم بالصلاة والصيام. كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضى شيئا أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته، وهو في الدنيا أفضل رغبة؟ كيف يكون من أهل العلم من مصيره إلى آخرته، وهو مقبل على دنياه، وما يضره أشهى إليه - أو قال: أحب إليه - مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به، ولا يطلبه ليعمل به؟ وهذا الأثر لا يصح بين هشام وبين عيسى بن مريم قرونا، لكن هذا الكلام يعني فيه من الحكم ما قد ينتفع به قارئه وسامعه، ففيه تزيد في الدنيا، وترك تزيد كذلك العمل لأجل الدنيا، وكذلك تحذير من ترك العمل للآخرة، وهو الذي ينبغي على المسلم، وطالب العلم على جهة الخصوص، أن يكون عمله للآخرة، ولا يكون عمله لأجل الدنيا. ثم كذلك حذر فيه من أن يكون صاحب العلم قاصدا بعلمه أخذ شيء من متاع الدنيا، من الأجر والمال والعطاء، ثم يترك العمل الذي هو ثمرة العلم، والذي ينبغي أن يعتني به، وأن يعمل بما علم من العلم، فيضيع علمه، ويهين ويدنس ما معه من العلم لأجل حطام الدنيا ومتاعها الفاني. ثم فيه كذلك أيضا تنبيه لأن صاحب العمل - أي رب العالمين جل وعلا - الذي أمرك بأن تعمل، وأن تطيعه، وأن تقوم بعبادته وطاعته، وبفعل أوامره، واجتناب نواهيه، فإنه يوشك أن يطلب عمله، أن يسألك عن هذا العمل، عن هذا العلم الذي آتاك الله عز وجل إياه، عملت به أم لا؟ وهو مقصود وثمرة هذا العلم. ثم فيه كذلك أيضا التذكير برحيل الإنسان من هذه الدنيا، وعدم بقائه فيها، وإن كان في الدنيا في سعة، فهو سيخرج إلى ضيق وظلمة، وهو ظلمة القبر وضيق القبر. وهذا القبر الذي هو أول منازل الآخرة، فإن إما أن يعني يكون واسعا على صاحبه بما عنده من صلاح وأعمال صالحة في دنياه، فيوسع له في قبره، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام لما يكون ويحصل للمؤمن في قبره، وإما أن يضيق عليه حتى تختلف أضلاعه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام لما يكون للكافر والفاجر. ثم حذر من كذلك تضييع العالم لعلمه، وكذلك أيضا الركون إلى الدنيا، وترك الآخرة، وتضييع ما يجب أن يقوم به من العمل بالعلم. فهذا فيه عظة وعبرة، أن طالب العلم ينبغي أن يحرص على العمل بالعلم، وأن لا يضيع علمه من أجل حطام الدنيا وفنائها. قال رحمه الله: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد، وهو الحنفي، أبو علي البصري، صدوق، قال: حدثنا حريز، وابن عثمان الرقي، ثقة، ثبت، عن حبيب بن عبيد، وهو الرقي، كذلك، أبو حفص الحمصي، ثقة، قال: كان يقال: تعلموا العلم، وانتفعوا به، ولا تعلموه لتتجملوا به، فإنه يوشك إن طال بكم عمر أن يتجمل ذو العلم بعلمه، كما يتجمل ذو البزة ببزته. وهذا الأثر صحيح. يقول حبيب بن عبيد رحمه الله: كان يقال: تعلموا العلم، وانتفعوا به، يعني انتفعوا بهذا العلم، والانتفاع به بالعمل، الانتفاع بالعلم بالعمل بهذا العلم، لأن كما سمعنا العمل هو ثمرة العلم، ولا يكون العلم نافعا إلا إذا عمل به صاحبه، ومن آثار هذا العمل أن يورث في قلبه الخشية والخوف من الله سبحانه وتعالى. قال: ولا تعلموه لتتجملوا به، يعني لا تتعلموا العلم لكي تجعلوا العلم كاللباس تلبسونه، فيقال: فلان عالم، فلان من أهل العلم، أو كذلك من أجل أن تقدم في المجالس، أو أن يثنى عليك، أو تمدح، فتجعل العلم لأجل التجمل به. قال: فإنه يوشك إن طال بكم عمر أن يتجمل ذو العلم بعلمه، كما يتجمل ذو البزة ببزته. البزة يعني الثياب، يقول: يوشك أن - يعني يأتي زمن - يتجمل ذو العلم بعلمه، يصبح العلم مجرد زينة تجمل، كما يتجمل بالثياب التي يلبسها في الظاهر، ويتزين بها، ويتجمل بها، فكذلك يكون حال العلم. ومعنى ذلك أن يكون العلم فقط في الظاهر بلسانه، لكنه ليس له أثر في قلبه، ولا في أعماله وجوارحه. وهذا لا شك أنه مما يضر المرء به نفسه، إذا كان حاله مع العلم على هذا الحال، أن يتجمل به في الظاهر، ولا يكون له أثر في قلبه، وفي جوارحه، لا شك أن هذا على خطر عظيم. قال رحمه الله: وأخبرنا نعيم بن حماد الخزاعي، أبو عبد الله المروزي، صدوق، يخطئ كثيرا، قال: حدثنا بقية - وهو ابن الوليد الكلاعي - صدوق، كثير التدليس، عن الضعفاء، قال: عن الأحوص بن حكيم - وهو ابن عمير العنسي - ضعيف، كان عابدا، قال: عن أبيه، قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر، فقال: لا تسألوني عن الشر، واسألوني عن الخير، يقولها ثلاثا، ثم قال: ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء. الحديث ضعيف، لكن صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أخاف على أمتي الأئمة المضلون». وقد مر معنا هذا الأثر، أو هذا الحديث، في بداية هذه المقدمة: «أخاف على أمتي الأئمة المضلون»، هو في هذا المعنى، يعني أن العالم الذي يكون إماما يقتدي به الناس، وهو ظالم، أو فاجر، لا شك أن الشر به أعظم، لما له من منزلة عند الناس، وكذلك كثرة من يتبعه، فيضل بظلامته، لا شك أن هذا أعظم شرا وخطرا، بخلاف صاحب المعصية الذي عنده عصيان، وعنده فسوق، وهو على نفسه، معصيته على نفسه، في الغالب أنه لا يؤثر على كثير من الناس، وإن أثر على شخص، أو شخصين، مثلا، خلاف العالم الفاجر، والإمام، فإنه لا شيء يكون له تأثير عظيم على أتباعه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على