العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 1

الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 1، ألقاها

مقدمة في تعريف الفقه وأصوله والقواعد الفقهية

هذا الفصل يشرح معاني الفقه وأصول الفقه والقواعد الفقهية، حيث يبين أن الفقه معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. وأصول الفقه يهتم بالأدلة الإجمالية وكيفية الاستفادة منها.

فروق بين القواعد الفقهية والضابط الفقهي وقواعد الأصول

يشرح هذا الفصل الفروق بين القواعد الفقهية والضابط الفقهي وقواعد الأصول، مبينا أن القواعد الفقهية تجمع فروعا من أبواب شتى وتتعلق بالأحكام ذاتها. بينما الضابط الفقهي يختص بباب واحد من أبواب الفقه.

ميزات وفوائد القواعد الفقهية وتطبيقها العملي

القواعد الفقهية لها ميزات عديدة منها إيجاز عباراتها مع عموم معناها، وضبطها للفروع الفقهية وتجميع شتاتها تحت ضابط واحد. كما أن لها فوائد كثيرة مثل تيسيرها لضبط الفقه وتكوين ملكة فقهية قوية.

ختام المقدمة وتوجيه الصلاة على النبي

تم الانتهاء من قراءة المقدمة وتوجيه الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. هذا الفصل يمثل ختام المقدمة والبداية الفعلية للموضوع الرئيسي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شعب الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، نبدأ إن شاء الله القراءة في هذا الكتاب الذي هو المسمى بالعقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في صور الفقه وقواعده، لفضيلة الشيخ السادة الدكتور خالد بن علي المشيقح حفظه الله. قال حفظه الله: تمهيد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الأشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فعنوان هذه المنظومة: منظومة في أصول الفقه وقواعد الفقه. قال: قوله «منظومة» النظم لغة يطلق على معاني منها التأليف والترتيب، والنظم خلاف النثر. النظم في اللغة بمعنى التأليف والترتيب، تقول: مثلا نظمت الثياب بمعنى رتبتها، أو نظمت الكتب بمعنى كذلك رتبتها. وتقول: نظمت هذا الكتاب، أو نظمت هذا الكتاب بمعنى ألفته. والنظم خلاف النثر. قال: والمراد «الكلام المقفى الموزون». النظم هو الكلام المقفى الموزون، يكون على قوافي الشعر، وكذلك يكون موزونا بحيث تنتهي مثلا آخر كل بيت بحرف واحد، بخلاف النثر فهو عبارة عن كلام يكتب أو يذكر ولا يكون موزونا. قال: والأصول جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرع منه غيره. وسيأتي أن العلماء يطلقون الأصل ويريدون به عدة أشياء. وهذا المبحث أكثره مر معنا في أصول الفقه. قال: والفقه في اللغة الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُفَقِّهُ فِي الدِّينِ﴾، أي يفهم. وصلاحا: معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. فقولنا «معرفة» يشمل العلم والظن، لأن إدراك الأحكام الفقهية قد يكون يقينيا وقد يكون ظنيا. قولنا «الأحكام» يأتي تعريف الأحكام عند الكلام على البيت الثاني من هذه المنظومة. وقولنا «الشرعية» أي المتلقى من الشرع كالوجوب والحرمة، فخرج به الأحكام العقلية كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء، والعادية كمعرفة أن الماء مرئي وأن الخبز مشبع. قولنا «العملية» يخرج الاعتقادية كتوحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته، فلا يسمى ذلك فقها اصطلاحا. وقولنا «المكتسبة من أدلة تفصيلية» أي أن هذه الأحكام من أدلة مفصلة للأحكام، فخرج بذلك أصول الفقه لأنه مكتسب من الأدلة الإجمالية. فأدلة الفقه تفصيلية، فتقول مثلا: دليل وجوب الصلاة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، دليل وجوب الزكاة: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، طيب هذه أدلة تفصيلية. دليل حرمة الربا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وأما أدلة أصول الفقه فهي إجمالية كالأمر الوجوب، والنهي التحريم. قال: وتعريف أصول الفقه باعتباره فنا مستقلا هو: أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. فقولنا «أدلة الفقه الإجمالية» يشمل الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، لأن أدلة الفقه تنقسم قسمين: القسم الأول أدلة متفق عليها، القسم الثاني أدلة مختلف فيها، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه في النظم. وقولنا «أدلة متفق عليها» كالكتاب والسنة والإجماع، ومختلف فيها كالقياس، وإن كان القياس يعني من حيث أن جمهور أهل العلم على صحته دليلا فيدخل في الأدلة، لكن ليس متفق عليه. وكذلك مثلا المصالح المرسلة، وقول الصحابي إلى آخر ذلك، هذه أدلة مختلف فيها. قال: وقولنا «الإجمالية» يخرج أدلة الفقه، فإن أدلة الفقه تفصيلية. وقولنا «كيفية الاستفادة منها» يعني معرفة طرق الاستنباط: الأمر والنهي، والمطلق والمقيد، والعام والخاص إلى آخره. وقولنا «حال المستفيد» المستفيد والمجتهد، ففي أصول الفقه تبحث أحكام المجتهد، وما يلحق بذلك من أحكام الفتوى والتعارض والترجيح، لأنها من خصائص المجتهد. وتدخل مباحث التقليد لكون المقلد تابعا له، يعني تابع للمجتهد. قال: والقواعد لغة جمع قاعدة، وهي تنقسم قسمين: القسم الأول قواعد حسية مثل قواعد البيت وأساسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾. والقسم الثاني قواعد معنوية مثل قواعد الفقه: «لا ضرر ولا ضرار»، و«الأمور بمقاصدها» إلى آخره. والفقه سبق تعريفه، ومر معنا ذلك في دراستنا للقواعد الفقهية للعلامة السعدي رحمه الله. قالوا: عرفت القواعد الفقهية في الاصطلاح بتعريفات كثيرة، وهي وإن اختلفت عباراتها متقاربة المعنى. وهي: حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته لتعرف أحكامها منها. قولنا «حكم» سيأتي تعريفه. وقولنا «أغلبي» ليس كليا، وهذا من الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، فالقواعد الأصولية قواعد كلية تندرج جميع الجزئيات تحتها. وأما القواعد الفقهية فهي أغلبية. القواعد الأصولية قواعد كلية لا يخرج شيء من أجزائها أو من فروعها عن أصل القاعدة، فمثلا قولنا: «الأمر للوجوب» هذه قاعدة كلية أن الأصل في كل أمر أنه للوجوب. «النهي للتحريم» هذا كذلك قاعدة كلية أن الأصل أن كل نهي للتحريم، إلا إذا وجد صارف يصرف الأمر من الوجوب إلى غيره، أو يصرف كذلك التحريم إلى غيره. بخلاف القواعد الفقهية فهي أغلبية، ولهذا تجد لها استثناءات وصور تخرج من أصل القاعدة. وقولنا «حكم أغلبي» أي أن هناك مسائل مستثناة، أي أن هناك مسائل مستثناة من تلك القواعد تخالف أحكامها حكم القاعدة. وهذا الاستثناء لا ينقض كلية تلك القواعد، ولا يقدح في عمومها للأسباب الآتية. قال: الأسباب الآتية: أولا ما ذكره الشاطبي في «الموافقات» بقوله: إن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كليا. وأيضا فإن الغالب الأكثر معتبر في الشريعة، اعتبار القطعي. يعني كون هناك بعض الجزئيات تخلف عن الأمر الكلي لا يخرج هذا الأمر الكلي عن كونه كليا على جهة الأغلب والأكثر. والشريعة تعتبر الأغلب والأكثر في كثير من الأحكام. قال: ثانيا: إن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلية الثابت، وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحا في الكليات العقلية. فالكليات الاستقرائية صحيحة وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات. يعني يقول: هذه الجزئيات المتخلفة والتي خرجت عن الأمور الكلية واستثنيت لا يجتمع منها أمر كلي بحيث أنه يعارض الأمر الكلي الأول. وإنما هي عبارة عن جزئيات قليلة استثنائية لا تؤثر في كون الأمر الكلي الأول أو الأصل باق على كليته. قال: إنما يتصور تخلف بعض الجزئيات قادحا في الكليات العقلية، يعني مثلا قولنا: «أن الكل أكبر من الجزء»، لو وجد جزء أكبر من الكل هذا يقدح في هذه الكلية، لأن هذا أمر عقلي. قال: ثالثا: إن تخلف مسألة ما عن حكم قاعدة لا يلزم منه اندراج هذه المسألة تحت حكم قاعدة أخرى. فالمسألة المخرجة تندرج ظاهرا تحت حكم قاعدة، ولكنها في الحقيقة مندرجة تحت حكم قاعدة أخرى. وهذا من باب تنازع المسألة بين قاعدتين. قال: فليس إذن استثناء جزئية من قاعدة ما بقادح في كلية هذه القاعدة، ولا بمخرج لتلك الجزئية عن الاندراج تحت قاعدة أخرى. يعني لا مانع أنها لا تندرج تحت هذه القاعدة، وأن تدخل في ضمن جزئية أو ضمن فروع قاعدة أخرى. قال: وقولنا «لتعرف أحكامها منها» هذه فائدة القواعد الفقهية، أنك تعرف الحكم من هذه القاعدة، فقد لا تستحضر الدليل، لكن إذا استحضرت القاعدة الفقهية فإنك تعرف الحكم منها. فتعرف أحكام هذه الجزئيات وفروع هذه المسائل من معرفة هذه القاعدة الكلية أو الغالبية. قال: مثال ذلك من القواعد الفقهية: «الأصل في المياه الطهارة»، فإنك تستدل بهذه القاعدة على أن الماء الذي غمس فيه أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء طهور، لأن الأصل في المياه الطهارة. فهذا الماء طهور يرفع الحدث ويزيل الخبث. قال: وأيضا الماء المستعمل في رفع الحدث طهور إلى آخره. يعني من المسائل: الماء المستعمل كذلك اختلف فيه أهل العلم، هل هو طاهر أو غير طاهر؟ والصواب أنه طاهر. والأصل هو بقاء الماء على طهارته. قال: فإذا كانت عندك هذه القاعدة، فإنك تعرف الأحكام من هذه القاعدة. يعني تبني كثيرا من هذه الجزئيات وهذه المسائل على هذه القاعدة: «أن الأصل في المياه الطهارة». فكل ما شك في طهارته، فالأصل بقاؤه على طهارته. قال: وقولنا «لتعرف أحكامها منها» هذا بيان لثمرة القاعدة. وقد قيل: إن ثمرة الشيء لا تدخل في حقيقته. فثمرة القواعد الفقهية معرفة أحكام هذه القاعدة أو أحكام هذه المسائل عن طريق هذه القاعدة. قال: والفرق بين القواعد الفقهية والضابط الفقهي: الفقهاء كثيرا ما يستعملون لفظ القاعدة ويعنون بها الضابط، ويستعملون لفظ الضابط ويعنون به القاعدة. لكن ثمة فروقا بين القاعدة والضابط. قال: الفرق الأول: أن القاعدة كما سبق تجمع فروعا من أبواب شتى، ويندرج تحتها من مسائل الفقه ما لا يحصى. وأما الضابط فإنه يختص بباب واحد من أبواب الفقه، يتعليل به مسائله، أو يختص بفرع واحد فقط. قال: الفرق الثاني: أن القاعدة في الأعم الأغلب متفق على مضمونها بين المذاهب، أو متفق على أكثرها. وأما الضابط فقد يختص بمذهب معين، بل منه ما يكون وجهة نظر فقيه واحد في مذهب معين، قد يخالفه فيه فقهاء آخرون من المذهب نفسه. قال: الفرق الثالث: أن القاعدة الفقهية فيها إشارة لمأخذ الحكم ودليل الحكم، مثل «الأمور بمقاصدها» فيه إشارة لمأخذ الحكم. بينما الضابط الفقهي لا يشير إلى مأخذ المسألة ودليلها. قال: وطريقة جمهور من يصنف في قواعد الفقه بحسب التتبع أنهم لا يفرقون بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي. يعني يجمعون باسم القاعدة: قواعد وضابط يسمونها قاعدة. قال: الفرق بين قواعد الأصول وقواعد الفقه: إذا نظرنا في قواعد الأصول وقواعد الفقه رأينا أن فروقا عدة تميز بينهما. قال: منها أولا: أن قواعد الأصول تتعلق بالألفاظ ودلالاتها على الأحكام في غالب أحوالها. وأما قواعد الفقه تتعلق بالأحكام ذاتها. قال: ثانيا: أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهدين طرق الاستنباط واستدلالهم، وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام بالكلية من الأدلة الإجمالية. وأما قواعد الفقه فإنما يراد بها ربط المسائل المختلفة الأبواب برباط متحد، وحكم واحد هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله. قال: ثالثا: أن القواعد الأصول إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية، وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية. وأما قواعد الفقه فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة، وقد تكون أصلا لها. قال: رابعا: أن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله. وأما قواعد الفقه فليست محصورة أو محدودة العدد، بل هي كثيرة جدا منثورة في كتب الفقه العام وكتب الفتاوى في جميع المذاهب. قال: خامسا: أن قواعد الأصول إذا اتفق على مضمونها لا يستثنى منها شيء، فهي قواعد كلية مضطردة كقواعد العربية بلا خلاف. يعني لا تجد شيء من الفروع والجزئيات تخرج عن القاعدة الأصولية لأنها كلية. قال: أما قواعد الفقه فهي مع الاتفاق على مضمون كثير منها، يعني من مسائلها وفروعها يستثنى من كل منها مسائل تخالف حكم القاعدة. بسبب من الأسباب كالاستثناء بالنص أو الإجماع أو الضرورة أو غير ذلك من أسباب الاستثناء. قال: وقد نجد قواعد مشتركة بين العلمين، يعني بين أصول الفقه وقواعد الفقه، ولكن تختلف فيهما زاوية النظر. حيث إن القاعدة الأصولية ينظر إليها من حيث كونها دليلا إجماليا يستنبط منه حكم كلي. قال: والقاعدة الفقهية ينظر إليها من حيث كونها حكما جزئيا لفعل من أفعال المكلفين. شيء يتعلق بفعل المكلف، شيء يتعلق بفعل المكلف من حيث فعله للعبادة، وصحة نيته وقصده. قال: فمثلا قاعدة «الاجتهاد لا ينقض بمثله» أو «بالاجتهاد» ينظر إليها الأصول من حيث كونها دليلا يعتمد عليه في بيان عدم جواز نقض أحكام القضاة وفتاوى المفتين إذا تعلقت بها الأحكام على سبيل العموم والإجمال. قال: وينظر إليها الفقيه من حيث تعليل فعل من أفعال المكلفين، فيبين حكمه من خلالها. يعني إذا اجتهد المكلف وبذل ما في وسعه وفعل العبادة، فإن حينئذ تصح منه لأنه بذل ما يستطيع من جهد. قال: ميزة القواعد الفقهية وفوائدها: قال: الميزة الأولى ما ذكره القرافي في أن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والفقهاء، لا توجد في كتب أصول الفقه أصلا. قال: وهذه المقولة تعطينا ميزات عظيمة من ميزات القواعد الفقهية، وهي كونها قواعد كثيرة جدا غير محصورة بعدد، وهي منثورة في كتب الفقه العام والفتاوى والأحكام. قال: والميزة الثانية: إيجاز عباراتها مع عموم معناها وسعة استيعابها للمسائل الجزئية، إذ تصاغ القاعدة في جملة مفيدة مكونة من كلمتين أو بضع كلمات من ألفاظ العموم. قال: والميزة الثالثة: أن كل منها ضابط يضبط فروع الأحكام العملية، ويربط بينها برابط تجمعها وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها. قال: وما فوائد القواعد الفقهية فهي كثيرة جدا، نكتفي بذكر بعض منها: أولا أنها تضبط الفروع الفقهية وتجمع شتاتها تحت ضابط واحد مهما اختلفت موضوعاتها إذا اتحد حكمها. قال: فهي بذلك تيسر على الفقهاء والمفتين ضبط الفقه بأحكامه. كما قال القرافي: «من ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات». وهذه من أعظم فوائد القواعد الفقهية. قال: ثانيا أنها تكون عند الباحث ملكة فقهية قوية تنير أمامه الطريقة لدراسة أبواب الفقه الواسعة والمتعددة، ومعرفة الأحكام الشرعية، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة والمسائل المتكررة. قال: ثالثا أنها تعين القضاة والمفتين والحكام عند البحث عن حلول للمسائل المعروضة والنوازل الطارئة بأيسر سبيل وأقرب طريق. قال: رابعا أنها تربي عند الباحث ملكة المقارنة بين المذاهب المختلفة، وتوضح له وجها من وجوه الاختلاف وأسبابه بين المذاهب. قال: خامسا أنها تظهر مدى استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام ومراعاته للحقوق والواجبات، وتسهل على غير المختصين بالفقه الاطلاع على محاسن هذا الدين، وتبطل دعوى من ينتقصون الفقه الإسلامي ويتهمونه بأنه إنما يشتمل على حلول جزئية وليس قواعد كلية. قال: مراتب القواعد الفقهية: القواعد الفقهية ليست نوعا واحدا ولا في مرتبة واحدة، وإنما هي أنواع ومراتب. المرتبة الأولى: القواعد الكلية الكبرى ذوات الشمول العام للفروع والمسائل، حيث يندرج تحت كل منها جل أبواب الفقه ومسائله وأفعال المكلفين. وهذه القواعد ست هي: أولا قاعدة «إنما الأعمال بالنيات» أو «الأمور بمقاصدها». ثانيا قاعدة «اليقين لا يزول بالشك». ثالثا قاعدة «المشقة تجلب التيسير». رابعا قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» أو «الضرر يزال». خامسا قاعدة «العادة محكمة». سادسا قاعدة «إن أعمال الكلام أولى من إهماله». قال: المرتبة الثانية: قواعد أضيق مجالا من سابقاتها، وإن كانت ذوات شمول واسع، حيث يندرج تحت كل منها أعداد لا تحصى من مسائل الفقه في الأبواب المختلفة. قال: المرتبة الثالثة: القواعد ذوات المجال الضيق التي لا عمومية فيها، حيث تختص بباب أو جزء باب. وهذه التي تسمى بالضوابط. قال: المرتبة الرابعة: القواعد المذهبية التي تختص بمذهب دون مذهب، أو يعمل بمضمونها بعض الفقهاء دون الآخرين، مع شمولها وسعة استيعابها لكثير من مسائل الفقه من أبواب مختلفة. قال: موضوع أصول الفقه ومعرفة الأدلة ومراتبها وأحوالها. قال: مصادر أصول الفقه: المقصود بها الأدلة والأصول التي بنيت عليها قواعد أصول الفقه. وهي أولا: استقراء نصوص الكتاب والسنة الصحيحة. ثانيا: الآثار المروية عن الصحابة والتابعين. ثالثا: إجماع السلف الصالح. رابعا: قواعد اللغة العربية وشواهدها المنقولة عن العرب. خامسا: الفطرة والعقل السليم. سادسا: اجتهاد أهل العلم واستنباطاتهم وفق الضوابط الشرعية. قال: فائدة أصول الفقه: من فوائد علم أصول الفقه: الفائدة الأولى: ضبط أصول الاستدلال، وذلك ببيان الأدلة الصحيحة من الزائفة. قال: الفائدة الثانية: توضيح الوجه الصحيح للاستدلال، فليس كل دليل صحيح يكون الاستدلال به صحيحا. قال: الفائدة الثالثة: تسهيل عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الأحكام، بمعرفة أصول الفقه ودلائل ألفاظه ومسائله أو قواعده. قال: الفائدة الرابعة: بيان ضوابط الفتوى وشروط المفتي وآدابه. قال: الفائدة الخامسة: معرفة الأسباب التي أدت لوقوع الخلاف بين العلماء، والتماس الأعذار لهم في ذلك. قال: الفائدة السادسة: الدعوة إلى اتباع الدليل حيث ما كان، وترك التعصب والتقليد الأعمى. قال: الفائدة السابعة: حفظ العقيدة الإسلامية بحماية أصول الاستدلال، والرد على شبه المحرفين. قال: الفائدة الثامنة: صيانة الفقه الإسلامي من الانفتاح المترتب على وضع مصادر جديدة. قال: الفائدة التاسعة: ضبط قواعد الحوار والمناظرة، وذلك بالرجوع إلى الأدلة الصحيحة المعتبرة. قال: الفائدة العاشرة: الوقوف على سماحة الشريعة ويسرها، والاطلاع على محاسن هذا الدين. قال: أهم المؤلفات في القواعد الفقهية: المؤلفات في القواعد الفقهية كثيرة. ومن أهم هذه الكتب: في مذهب الحنفية «أصول الكرخي»، و«تأسيس النظر» لأبي زيد الدبوسي، و«الأشباه والنظائر» لمن نجيم. وفي مذهب المالكية: «الفروق» للقرافي، و«القواعد» لمحمد بن محمد المقري، و«إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك» لأحمد بن يحيى الونشريسي. وفي مذهب الشافعية: «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» للعز بن عبد السلام، و«الأشباه والنظائر» لتاج الدين عبد الوهاب السبكي، و«الأشباه والنظائر» لجلال الدين السيوطي. ومن كتب الحنابلة: «القواعد النورانية الفقهية» لشيخ الإسلام ابن تيمية، و«تقرير القواعد وتحرير الفوائد» لابن رجب. بهذا نكون انتهينا من قراءة المقدمة إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على