الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 8، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام الصبي في العبادات والمعاملات، وأهمية العلم قبل العمل ومراعاة الاستطاعة في العبادات. يشمل ذلك تصحيح عبادات الصبي المميز وأحكام عقوده، وأهمية فهم الأحكام قبل أداء العبادات.
يناقش هذا الفصل أقسام العذر بالجهل، حيث يوضح الحالات التي يعذر فيها الإنسان بالجهل مثل حديث العهد بالإسلام أو النشأة في بادية بعيدة عن العلماء، وحالات أخرى لا يعذر فيها مثل التفريط في طلب العلم.
يتناول هذا الفصل شروط العذر بالجهل في الشريعة، حيث يبين أن الجهل قد يكون عذراً إذا لم يكن هناك تفريط في طلب العلم، ويستعرض أمثلة على ذلك مثل وجود الشخص في مكان بعيد عن العلماء.
رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشارح -أفقه الله- النوع السابع، يعني من أنواع التخفيف الصغار، فالصغير يخفف عنه، فلا تجب عليه الصلاة، ولا الصيام، ولا الحج، ولا الجهاد، إلى آخره، يعني من الفرائض والواجبات. ودليله ما مر من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة، والصبي حتى يحتلم». قال: والأوامر بالنسبة للصغير تنقسم إلى أقسام. أولا: العبادات البدنية المحضة، كالصلاة والصيام والوضوء والغسل، إلى آخره، لا تجب عليه لحديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منها والصبي حتى يحتلم». وتصح منه إذا ميز، وأجرها له ولوليه أجر. لا تجب عليه قبل التمييز، ولا تصح منه. وسن التمييز هو سن السابع في الغالب، وبه علقت الأحكام. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمر الصبي بالصلاة في هذا السن، «مروهم بصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر». وهذا هو السن الغالب في تمييز الصبي. فإذا كان دون سبع سنين، فإنه لا يأتيجب عليه الفرائض والواجبات، ولا تصح منه إذا فعلها. فإذا صار مميزا لم تجب عليه، وصحت منه إذا صلى، هو مميز، صحت منه الصلاة. وإذا صام، وإلا الحج والعمرة، فإنه تصح من الصبي وإن كان غير مميز، لحديث ابن عباس في قصة أهل الروحاء الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لهذا حج؟ إمرأة رفع صبيا لها، قالت: يا رسول الله، لهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». نعم، وقوله: «وأجرها»، الحجر الصحيح، قاله: «أجرها له ولوليه أجر»، يعني أجر هذه العبادة لهذا الصبي، ووليه له أجر. ثانيا: العبادات المركبة من المال والبدن، كالحج والعمرة والجهاد والكفارات، لا تجب عليه، أي لا تجب على الصبي، لا يجب عليه حج ولا عمرة، ولا جهاد، وهكذا الكفارات. وكذا الكفارات إذا حلف وحنث في يمينه، ما يجب عليه كفارة. ويصح منه الحج والعمرة مطلقا، ولو غير مميز، وله أجره، ولوليه أجر. ودليل الحديث ابن عباس المذكور. ثالثا: العبادات المالية المحضة، كالزكاة، فتجب عليه ولو غير مميز، يعني صبي صغير عنده مال، عنده مال يبلغ النصاب، هل يجب أن يزكى هذا المال؟ الجواب: نعم، يجب عليه أن يزكيه؛ لأن الزكاة متعلقة بالمال. رابعا: الحقوق المالية، كقيم المتلفات وأروش الجنايات والنفقات، تجب عليه مطلقا. قيم المتلفات لو أتلف شيء هو صبي، نقول: ما عليك إثم، لكن عليك الضمان. الضمان ما أتلفت. وهكذا لو قتل إنسانا، أخذ السلاح فضرب به فقتل إنسان، واجبت عليه الدية. وهكذا النفقات لو أن هذا الصبي متزوج وهو دون سن البلوغ، يجب عليه أن ينفق على زوجته. خامسا: عقوده وفسوخه، لا تصح منه، إلا أنه يستثنى من عقوده. هذا الأصل أن عقوده وفسوخه لا تصح، لو باع أو اشترى، طيب، فلا يصح هذا العقد منه، إلا مستثنية مما سيذكره المؤلف. لماذا لا تصح؟ لأنه غير مكلف، وغير ماذا؟ غير محتلم، غير عاقل، غير بالغ. والصبي كما هو معلوم، يعني يعتبر سفيها من السفهاء الذين يحجر عليهم في التصرفات، إلا أن يكون أو يصبح رشيدا. والله عز وجل يقول: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾. قال: إلى أنه يستثنى من عقوده أولا: الأمور اليسيرة عرفا، يستثنى الأمور اليسيرة عرفا، مثل ماذا؟ أن يبيع الصبي مسواء، مساويك مثلا، هذا شيء يسير في العرف، يصح منه، أو يبيع، يعني شيء من الخردوات ونحو ذلك من الأمور اليسيرة، أو بضائع الأطفال ونحو ذلك، مثل هذا يصح منه. قال: ثانيا: ما كان مصلحة محضة، كقبول الهبة والوقف ونحو ذلك، يعني يصح منه كذلك ما كان مصلحة محضة، كقبول الهبة، إذا وهب له هبة، أو وهب هو شيء للإنسان، وكانت هذه الهبة مما يعني تقع من مثله، مما تقع من مثله، يعني شيء يسير وقليل. وهكذا أيضا الوقف، لو أوقف شيئا، وفيه مصلحة، فيصح هذا الوقف. قال: ثالثا: إذا كان القصد اختباره عند تسليم ماله إليه، فلا بأس أن يؤذن له في بعض تصرفات لننظر رشده، كما سمعنا في الآية: ﴿فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾. كيف أنست منه الرشد باختباره وامتحانه؟ يقول: اذهب اشتري كذا وكذا مثلا، يصيب بشراء شيء، أو ببيع شيء، ينظر هل يحسن تصرف في البيع والشراء؟ فإن يرى أنه أحسن التصرف، فحينئذ لا بأس أن يسلم له ماله فيتصرف فيه. قال: سادسا: لا تجب عليه الحدود، ولا الجنايات، لكن الجناية الثلث، لكن الجناية الثلث فما فوق تلزم العاقلة. الأفصح لو قال: لكن جناية الثلث، لكن جناية الثلث فما فوق تلزم العاقلة. لعل هذا أفصح. ويريد بهذا لو أن هذا الصبي وقع منه شيء مما يوجب الحد، كسرق مثلا، سرق مالا، هل تقطع يده؟ الجواب: نعم، لأنه غير مكلف. لو أنه وقع في الزنا، كذلك لا يقام عليه الحد؛ لأنه غير مكلف. لكن يعزر إذا لم يقام عليه الحد لكونه غير مكلف، فيعزر ويأدب، إما بضرب دون الحد، أو بحبس، أو شيء من معاني التعزير. طيب، وهكذا الجنايات، لو قتل إنسانا، لا يقتل به، ولو كان متعمدا، لكن تجب عليه الدية؛ لأنه يعتبر عمده خطأ، يعتبر عمده خطأ. وديه على العاقلة، أي عصبته. سبب الثامن، أي من أسباب التخفيف، العسر وعموم البلوى، وهو شيوع البلاء، بحيث يصعب على المرء التخلص أو الابتعاد، كطهارة فم الهرة وسؤرها، لكثرة تطوافها، يعني مما عمت به البلوى، وعسر التخلص منه. فإن هذا يوجب التخفيف والتيسير. فمثلا الهرة، لكونها كثيرة التطواف على أهل البيت، فتأكل من أنيتهم وتشراب منها، فحكم الشرع بطهارة سؤرها، لا يزال دفعا لهذه المشقة. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات». والحق بها أهل العلم كل ما كان مثلها، أي في العلة، كونها يكثر تطوافها على أهل البيت، فسؤرها طاهر، كالفارة والبغل والحمار. وهكذا أيضا مثلا مما عمت به البلوى الصور في النقود، النقود المالية التي تطبع فيها صور لبعض الرؤساء أو نحوهم، هذا أيضا شيء تعمه البلوى. معلوم أن الصورة ذوات الأرواح محرمة. والإنسان يحمل المال في جيبه، وهو يدخل المسجد ويصلي، كيف يفعل بهذا المال؟ ها، هل يخرجه خارج المسجد فيضيع، ويسرق منه؟ أم يدخله معه ويصلي، ولو كانت معه في جيبه؟ الجواب: يدخلها معه؛ لأن هذا مما عمت به البلوى، والتحرز منه مشقة. فلأجل هذا يكون في الحكمة التخفيف والتيسير. قال: مسألة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدمه، ويقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ونحوه من حديث حذيفة رضي الله عنه. قال بعض أهل العلم: وقوله: «تتفطر قدمه» في حديث عائشة في الصحيح، لما قالت: يا رسول الله، لِمَ تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ وقال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟». قال: قال بعض أهل العلم: إنه عليه الصلاة والسلام ارتاحت نفسه إلى العبادة. أما غيره من الناس فليس مثله. وأيضا ما جاء عن بعض السلف، لعلهم ارتاحت نفوسهم إلى هذه، فأحبوها، يعني ما ثبت عن بعض السلف من إقامة أو إطالة القيام والصلاة في قيام الليل. بعضهم كان يقسم الليل أثلاثا، يقوم هو ثلث، وتقوم زوجته ثلث، والخادم الثلث الآخر. وهكذا منهم من يقوم نصف الليل. فهؤلاء يعني أحبوا هذه العبادة والطاعة، فلم تصبح عليهم أو في أنفسهم شاقة، كحال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولا يوجدوا في أحكام الشريعة ما هو شاق أو ما لا يستطيع فعله، أو ما لا يستطاع فعله بالنسبة للمكلفين. بل إن العبادة يطيقون أكثر مما كلفوا به. وهذا موضع إجماع الأمة. وهذا كالبيان لهذا الأمر الذي ربما يعترض به معترض، يقول: فكيف مثلا أن الشريعة لم تكلف بشيء فيه كلفة ومشقة؟ ومثبت عن هؤلاء السلف من إطالة القيام والصلاة. ويقال: هذا يعني فعلوه برغبة منهم، ومحبة لهذه الطاعة والعبادة، فألفتها قلوبهم، وانشرحت لها صدورهم، فكانت عليهم هينة ويسيرة. وإلا فشر ما أمر، ولا ألزم الإنسان أن يقوم في الليل نصفه، أو ثلثه، أو ربعه، إلا ما جاء على سبيل الترغيب. وكذلك أيضا على سبيل الاستحباب. قال الناظم رحمه الله: فاجلب لتيسير بكل ذي شطط، فليس في الدين الحنيف من شطط. قال: هذا البيت تابع للقاعدة السابقة، يعني قاعدة المشقة تجلب التيسير. قوله: «شطط» يعني مشقة. يقال: شط في القول شططا وشطوطا، أغلظ فيه. فإذا حصلت المشقة، فإنه يجلب التيسير، ويؤتى به. فقوله: «فاجلب لتيسير بكل ذي شطط» يعني بكل ذي مشقة وعسر. وقوله: «الدين الحنيف» أي المائل عن الشرك، المائل عن الشرك إلى التوحيد. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا، حنيفا يعني مائلا من الشرك إلى التوحيد. ولا شك أن الدين قائم على التوحيد في أقسامه الثلاثة، أي الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. قال: مائلا عن الشرك بأنواعه. قال الناظم رحمه الله في البيت الخامس عشر: وما استطعت افعل من المأمور، واجتنب بالكل من المحظور. قال: أي أن المأمور، قال الشارح: أي أن المأمور يجب عليك أن تفعل ما استطعت منه. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. فعلق الله عز وجل فعل الأوامر بالاستطاعة. فما لم يستطعه الإنسان لا يكلف به؛ لأنه تكليف ما لا يطاق. وهذا مما جاءت الشريعة برفعه. قال: ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». والحديث في مسلم. وحديث عمران رضي الله عنه السابق، قال صلى الله عليه وسلم: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». والحديث كذلك بالصحيح. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على قدر استطاعته. يستطيع قائما، واجب عليه أن يصلي قائما. ما يستطيع يصلي جالسا، ما يستطيع على الجلوس يصلي على جنب. قال: الأصل في المأمور أنك تأتي به كله. فإذا لم تستطع أن تأتي به كله، فتأتي بما استطعت منه؛ إذ المأمور شرعا من أجل تحصيل المصلحة. فإذا لم تتمكن من جميعها، حصلت ما تستطيع منها. ويدخل تحت هذه القاعدة فروع كثيرة. من ذلك الصلاة، يصلي المسلم قائما، فإذا لم يستطع أن يصلي قائما، يصلي جالسا، ويؤمي بالركوع والسجود، إلى آخره. وفي زكاة الفطر، يجب أن يؤدي المسلم صاعا، فإذا لم يجد إلا نصف صاع، فإنه يؤديه. ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. الواجب عليك صاع، ما عندك صاع، إنك نصف صاع، أخرج نصف الصاع. قال: وكذلك الحج، الأصل أن الإنسان يحج بماله وبدنه، يعني يتكلف تكاليف الحج من المال، ويذهب ببدنه ونفسه لأداء مناسك الحج. قال: فإذا لم يستطع أن يحج بماله وبدنه، فإنه ينيب من يحج عنه، يعني إنسان عنده مال يستطيع به الحج، لكنه مريض، ما يستطيع أن يسافر ويذهب لأداء الحج، فينيب غيره، يعطي شخصا هذا المال، ويقول: حج عني. طيب، قال: قوله: «واجتنب بالكل من المحظور». هذا الآن ما يتعلق بالمأمور، وما استطعت افعل من المأمور. وهذا قاعدة يعبر عنها العلماء بقولهم: الواجبات تتعلق بالاستطاعة. قال: «واجتنب بالكل من المحظور» يعني المنهي عنه. ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». فأمر عليه وسلم باجتناب المنهيات. لماذا؟ لأن لا يتحقق اجتنابها إلا بتركها والابتعاد عنها. ولأن المنهيات من باب المفسدة، والشريعة جاءت بدفع المفاسد وتقليلها. قال: إذا نهي الشارع عن شيء، يجب على الإنسان أن يجتنبه، ويجتنب كل طرقه ووسائله، يعني الوسائل الموصلة إلى الوقوع في المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. ومن ذلك قال الله عز وجل: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾. الله قال: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾، ما قال: ﴿ولا تزنوا﴾؛ لأن هذا نهي عن الزنا وعن وسائله وطرقه. ﴿لا تقربوا الزنا﴾ هذا نهي عن الزنا وعن كل وسائله وطرقه الموصل إلى الوقوع فيه. قال: مثال ذلك، نهى الشارع عن الزنا، فيجب أن ينتهي عنه، وعن كل الطرق الموصلة إليه؛ لأن الترك أسهل من الفعل. ولأن الإنسان لو فعل شيئا من هذا المحظور، فإنه يكون قد أدى شيئا من المفسدة؛ لأن المحظور نهى عنه للمفسدة المترتبة عليه. قال الناظم رحمه الله في البيت السادس عشر: والشرع لا يلزم قبل العلم، دليله فعل المسيء صلاته. قال: الشرع لا يلزم قبل العلم، يعني قبل حصول العلم، فلا يلزم الإنسان ويؤاخذ ما حصل منه حال جهله. والدليل فعل المسيء صلاته، أي حديث المسيء صلاته، كما سيأتي. قال: هذا كلام لشيخ الإسلام، هذا كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: إن الشرائع لا تلزم قبل العلم. ودليل ذلك من القرآن، قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. وقوله: ﴿رسولا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾. قالوا: من السنة ما أشار إليه الشيخ رحمه الله بقوله: «فعل المسيء صلاته». يعني يفهم هذا الحديث. قالوا: «فعل المسيء صلاته» هذا أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا في المسجد، فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ارجع فصلي، فإنك لم تصلي» ثلاثا. قال: «والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره». فعلمني، يعني ما أحسن إلا هذه الصلاة. وكان يصلي صلاة لطمأنينة فيها، ينقر صلاته نقرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما أو جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». قال: وجه الدلالة أن العرابي أدخل بالطمأنينة، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، وواجب من واجباتها. قال: ومع ذلك لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة السابقة، يعني التي صلاها على هذا الحال بترك الطمأنينة. قال: وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة. فهذا دليل على أن الجاهل يعذر بالجهل، وأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم. ولو كان لا يعذر لأمره بإعادة الصلوات كلها الماضية التي صلاها، ويترك فيها طمأنينة. لكن ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يعيد الصلاة الحاضرة التي علم فيها، ووقعت عليه الحجة، أمره أن يعيدها. قالوا: من الأدلة على هذه القاعدة، قصة المستحاضة التي سألته عن تركها للصلاة. ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة ما سبق من الصلوات، مع أنها ظنت أن هذا الدم حيض، وتركت الصلاة. والحديث الصحيح. وهذا أيضا من الأدلة على العذر بالجهل، والسقوط الواجبات جهلا إذا خرج وقتها. فهذه المستحاضة تركت الصلوات، لم تصلها، تظن أنها في حكم الحائض، فتركت الصلاة. فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعيد الصلوات الماضية التي تركتها جهلا منها. وهذا يقع كثيرا بالنسبة للنساء، يعني كثيرا ما تسأل النساء، تقول: أنا يعني رأيت الدم، أو استمر بي الدم، فتركت الصلاة. ثم يتبين أن هذا الدم دم استحاضة، أو دم فساد، ليس بدم حيض. هل نقول لها: أعيدي الصلوات التي تركتها؟ لا، ما دامت قد خرج وقتها، وهي جاهلة، فهي معذورة. تصلي الصلوات التي ستستقبلها، أما ما مضى فإنها لا تعيده. قال الناظم رحمه الله في البيت السابع عشر: لكن إذا فرط في التعلم فذا محل نظر فلتعلم. قال الشارح: الأصل كما مشى عليه الناظم رحمه الله أنه يعذر بالجهل، وتقدم دليل ذلك من الكتاب والسنة. ثم بعد ذلك ذكر الناظم رحمه الله أن الإنسان إذا فرط في التعلم، فإنه لا يعذر. إذا فرط، يعني تساهل وتكاسل وتغافل عن السؤال. هو يعيش مثلا في مدينة فيها علماء، وفيها طلبة علم، وربما أخبر أو سمع أن هذا الأمر واجب، فما سأل، ولا تحرى، ولا ذهب يبحث عن حقيقة هذا الأمر. فنقول: هذا مفرط. هذا مفرط. فهذا لا يعذر بالجهل؛ لأنه فرط. بخلاف إنسان ما سمع بوجوب هذا الشيء، أو هو يعيش مثلا في مكان بعيد عن العلم، أهله، هذا معذور. قال: وعلى هذا نقول: العذر بالجهل ينقسم إلى أقسام. القسم الأول: أن يكون حديث عهد بإسلام، فهذا يعذر بالجهل. إذا أسلم حديثا، ثم شرب الخمر، أو لعب الميسر، ونحو ذلك، فإنه يعذر بالجهل. إنسان حديث عهد بإسلام، يعني أسلم قريبا، وقبل الإسلام كان معتادا على شرب الخمر، ولعب الميسر والقمار، ولا يعلم أن هذه الأشياء محرمة في الإسلام. فلما أسلم شرب الخمر، فلما جئ به، وانكر عليه، قال: لماذا؟ قيل له: أن الخمر محرم. قال: ما أدري، ما أعلم. فعلم. فهذا يعذر حينئذ، لا يقام عليه الحد؛ لأنه جاهل بالحكم. جاهل بالحكم. وهكذا يلعب الميسر كذلك. أما إذا كان يعلم الحكم، لكن لا يعلم ما يترتب عليه، فهذا لا يعذر. مثاله: إنسان يعلم أن الخمر حرام، لكن لا يعلم أن من شرب الخمر فإنه يجلد. فهذا يقام عليه الحد؛ لأنه يعلم الحكم، أن هذا محرم، وإن كان يجهل ما يترتب عليه، فلا يعذر بهذا، ولا يسقط عنه الحد. وهكذا إذا زن، وهو يعلم أن الزنا حرام، لكن ما يدري أنه إذا زن وهو محصن، أنه يرجم بالحجارة حتى الموت. فهذا لا يعذر. بخلاف إذا زن، هو يجهل أن الزنا حرام، فهذا معذور. قال: القسم الثاني: أن يكون ناشئا ببادية بعيدة عن حواضر المسلمين، بحيث لا يسمع من العلماء، إلى آخره. فهذا يعذر بالجهل. إنسان يعيش في بادية بعيدة عن المدينة، والبوادي في الغالب أنها يغلب عليها الجهل. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سكن البادية جفا»، أي أصابته الجفوة والقسوة؛ لبعده عن العلم، ومجالس العلم. فهذا إذا حصل منه شيء من فعل المحذورات، أو ترك الواجبات، فإنه يعذر؛ لأنه لم يسمع. معذور. إلا إذا كانت إذا كان يسمع بوجود علماء، فهذا قاله قاله هنا: «بحيث لا يسمع من العلماء». لكن إذا سمع أن هناك علماء، وهناك علم، وأن هناك من العلماء يقولوا كذا وكذا، وحينئذ يجب عليه أن يتحرى في دينه. قال: ويدل لذلك ما تقدم من حديث المسيء صلاته؛ لأنه أعرابي ناشئ في البادية، فعذره النبي صلى الله عليه وسلم. والأعراب هم سكان البوادي، وهم في الغالب بعيدون -كما سمعنا- عن المدن، وعن أماكن العلم. القسم الثالث: أن يكون ناشئا ببلاد الكفار. قال علماء: إنه يعذر بالجهل، إلحاقا له بالناشئ في البادية، يعني إنسان عاش في بلاد كفر، فألف أفعالهم، وأعمالهم، من شرب الخمر مثلا، والزنا، ونحو ذلك. فلما أسلم، وقع منه ذلك بعد إسلامه، هو لا يعلم بأن هذه أشياء محرمة. علي مثلا الإسلام، أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، يبتدان أسلم، وقع منه هذه الذنوب، فهذا يعذر؛ لأن حاله كحال من كان في بادية بعيد العلم. قال: القسم الرابع: ما يدق ويغمض من المسائل التي لا يعلمها إلا أهل العلم، فإن العامية يعذر فيها، يعني المسائل الغامضة، كبعض مسائل الفرائض، ومسائل الدقيقة من مسائل الأحكام، يعذر فيها العامي إذا جهلها؛ لأنها لا تتأتى للإنسان إلا بالعلم، وتحصيل العلم، وولوج إلى أهله. قال: القسم الخامس: إذا كان الإنسان مقيما في المدن، ولم تقم عنده شبهة بأن هذا محرم، أو أن هذا شرك، ونحو ذلك، فإنه يعذر. فإنه يعذر. أما إن قامت عنده شبهة، وأمكانه التعليم، ولم يتعلم، فإنه لا يعذر. وهذا القسم هو الذي أشار عليه الشيخ رحمه الله بقوله: «لكن إذا فرط في التعلم فذا محل نظر». في التعلم. إذا توفر عنده أمران: الأمر الأول: قيام الشبهة. الأمر الثاني: تمكنه من التعليم، بحيث يمكنه أن يسأل العلماء عن هذا الحكم، ولم يفعل، فإنه لا عذر له. عنده شبهة، يعني مثلا سمع أن الزينة حرام. أسلم، وسمع أن الزينة حرام. أصبح هذا الأمر عنده مشتبها. ثم عنده أهل العلم موجودون، فلم يسأل، ووقع في الزينة. هذا يعذر؟ الجواب: لا يعذر؛ لوجود الشبهة، وتمكنه من السؤال والتعليم، فلم يفعل. فحينئذ لا يعذر بجهله، ويعتبر مفرطا. قال: فإنه لا عذر له لكونه مفرطا. أما إن كانت الشبهة لم تقم عنده، أو قامت عنده، ولم يتمكن من السؤال، بحيث لم يجد عنده من يسأله، إلى آخره، فإنه يعذر حينئذ لعدم تفريطه. مثل مثلا أن الإنسان في بادية، أو في بلاد كفر، وسمع أن الزنا حرام، واشتبع عنده هذا الأمر، سأل عن أهل العلم، ما وجد، فوقع في هذا الأمر، فهذا يعذر. الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين.