الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن القدرية المجوسية تمثل أوسع فرق المشركين بتعدد معبوداتهم بين سماوية وأرضية واعتمادهم على وسائط لتقريبهم إلى الإله الأعلى. ويبين أن جعل الزعماء آلهة عليا أو وسائط سفلى يعد شركاً وتعطيلاً لحقيقة التوحيد.
يبيّن المقطع أن جوهر الشرك هو تشبيه الخالق بالمخلوق في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، مستدلاً بآيات تنفي الشريك والكفو عن الله. ويؤكد أن صرف العبادة لغير الله يعد أعظم الظلم، لذا أخبر الله أنه لا يغفرها أبداً رغم رحمته الواسعة.
يشير المقطع إلى أن من خصائص الإلهية العبودية التي تقوم على الحب والذل، موضحاً أن هذه الصفة تميز العبادة الحقيقية لله وحده. ويعد بذكر المزيد من خصائص الإلهية في الدروس القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فبعدما ذكر المؤلف رحمه الله أن الشرك تعطيل ثلاثة أنواع، ذكر أمثلة لهذا الشرك. ثم قالوا: شرك القدرية المجوسية، مختصر منه. وهؤلاء أكثر مشركي العالم، وهم طوائف جمع. منهم من يعبد أجزاء سماوية، ومنهم من يعبد أجزاء أرضية. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده أكبر الآلهة، مثل البوذية. ومنهم من يزعم أنه من جملة الآلهة. وهؤلاء كلهم على مذهب المجوس، ثم تفرقوا. قالوا: منهم من يزعم أنه إذا خصه بعبادته واتبتل إليه أقبل عليه واعتنى به. ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى الأعلى الفوقاني. وهذا أيضا حال مشركي قريش؛ قالوا: الفوقاني يقربه إلى من هو فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه وتعالى. فتارة تكثر الوسائط، وتارة تقل، على من أوليائهم ومن قادتهم. فيجعلون قائدا: إما أن يجعلونه إلها يقربهم إلى الإله العلوي، وإما أن يجعلونه آسطا يقربهم إلى إله سفلي، ثم هذا السفلي يقربهم إلى إله علوي. وهو كله شرك وتعطيل. قال: فإذا عرفت هذه الطوائف، فعرفت الاستداد نكير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم على من أشرك بالله تعالى في الأفعال والأقوال والإرادات، كما تقدم ذكره. فتح لك باب الجواب عن السؤال: فعلى لماذا وقع هؤلاء في الشرك؟ قال: فنقول: اعلم أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. الشرك هو هذا: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. سواء كان شركا في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات، وكله تشبيه الخالق بالمخلوق. فيعطي صفات المخلوق فيعطيها لصفات الخالق، فهذا شرك في الربوبية. وكذلك في الألوهية؛ لأن مما اختص به الله عز وجل من الصفات أنه هو المستحق للعبادة. فإذا عبد غيره، فمعنى ذلك أنه صرف ما هو لله صرف لغيره، فجعل شريكا مع الله. لهذا قال جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وربنا جل وعلا نفى الشريك: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ﴾. وقال أيضا ربنا جل وعلا في نفي الكفو والمساوي: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وكل ذلك نفاه الله عز وجل عن نفسه سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ﴾. فليس هناك من يعاون الله جل وعلا. وكما تقدم عن الإمام ابن القيم أن قوله جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويله. فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. ليس لهم ملك أبدا، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾. ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. فليس له شريك، وليس لأحد معه ملك، وليس له ظهير معاون، وليس أحد يشفع عنده إلا بإذنه. قال: فنقول: اعلم أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. أما الأول: فإن المشرك شبه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، وهي التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع. فمن علق ذلك بالمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، فدعاه واستغاث به من دون الله، واستعاذ به من دون الله. قال: وسوى بين التراب ورب الأرباب. هذا قد أكله التراب، فكيف يساوي برب الأرباب جل وعلا؟ فأي فجور وأي ذنب أعظم من هذا؟ قال: واعلم أن من خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده عقلا وشرعا وفطرة. فمن جعل ذلك لغيره فقد شبه الغير بمن لا شبيه له. ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم، أخبر من كتب على نفسه الرحمة أنه لا يغفره أبدا. إن كتب على نفسه الرحمة جل وعلا، لكن لظلم هذا العبد وتجنيه على الله، وأن جعل له شريكا وولدا، فإنه لم يغفر الله عز وجل له هذا الذنب. ومن خصائص الإلهية العبودية التي لا تقوم إلا على ساق الحب والذل. ثم ذكر بعض الخصائص، إن شاء الله تعالى في الدرس اللاحق نذكرها. والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.