التعليقات على كتاب الأدب المفرد 143

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 143، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل عيادة المريض وأثرها

يشرح فضل عيادة المريض كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبرز أهمية مجالس السلف في نشر العلم حتى في أوقات المرض. كما يشير إلى جواز عيادة الكافر إذا كان في ذلك مصلحة ورجاء لإسلامه.

أحكام الصلاة للمريض والمسافر

يناقش أحكام الصلاة عند المريض وجواز الصلاة خلف المسافر، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية وأقوال الصحابة. كما يبين كيفية صلاة المسافر خلف المقيم والعكس.

حكم زيارة الكافر والاستغفار له

يشرح حكم زيارة المشرك والاستغفار له مستندا إلى أقوال وأفعال الرسول وآيات من القرآن الكريم. يبين أن زيارة المشرك تجوز إذا كان فيها مصلحة، بينما الاستغفار للمشركين منهي عنه.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب الحديث للمريض والعائد، قال حدثنا قيس بن حفص، قال حدثنا خالد بن الحارث، قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر، قال أخبرني أبي، وهو جعفر بن عبد الله بن الحكم، أن أبا بكر بن حزم، ومحمد بن المنكدر، في ناس من أهل المسجد عادوا عمر بن الحكم ابن رافع الأنصاري، وعمر بن الحكم هذا هو عم عبد الحميد بن جعفر، قالوا: يا أبا حفص حدثنا، قال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من عاد مريضا خاض في الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها». الحديث صحيح، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه فضل عظيم من فضائل عيادة المريض، وهو قول عليه الصلاة والسلام: «من عاد مريضا خاض في الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها». ومعنى ذلك أن عيادة المريض سبب من أسباب نيل رحمة الله سبحانه وتعالى، فإذا قعد أي عند المريض استقر في الرحمة، بمعنى أنه نال رحمة الله سبحانه وتعالى. ورحمة الله جل وعلا عظيمة، ولا ينالها العبد إلا بشيء مما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه، ومن ذلك عيادة المريض، فإنها سبب لنيل رحمة الله عز وجل. ففي هذا فضل عيادة المريض. وكذلك أيضا فيه ما أراد أن يدل به الإمام البخاري رحمه الله من محادثة المريض وتحديثه، فإن محمد بن المنكدر ومن معه عادوا عمر بن الحكم، وكنيته أبو حفص، فقالوا: يا أبا حفص حدثنا، فقال: سمعت جابر بن عبد الله وذكر الحديث. ففي هذا جواز تحديث المريض. وهكذا أيضا بيان ما كان عليه مجالس السلف، وأن مجالسهم كانت مجالس علم، قال الله، قال رسول الله، حتى في وقت المرض، حتى في وقت المرض كانوا يهتمون بالعلم. يا أبا حفص حدثنا، وهو مريض، أتوا يعودونه، ومع ذلك استغلوا هذا المجلس بالعلم. وهذا يدل على حرص السلف رحمهم الله تعالى على العلم، واهتمامهم به في جميع مجالسهم، في حضرهم وفي سفرهم، وفي حال صحتهم، وهكذا في حال مرضهم، فإنهم يهتمون بالعلم. وبهذا ينبغي أن يكون المسلم عموما، وطالب العلم خصوصا، أن يكون مهتما بالعلم، وأن يشغل وقته بالعلم، لا يشغله بقيل وقال، ولا بلهو ولا عبث، بل هو أحرص على وقته من غيره. وبهذا يحفظ هذا العلم، وينتشر العلم، وينتفع به صاحبه. قال باب من صلى عند المريض، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، قال: عادني عمر بن صفوان - هكذا عندنا عمر بن صفوان - قال الشيخ البخاري رحمه الله معلقا: وفي نسخة الجيلاني «عاد ابن عمر بن صفوان»، ولعلها الصواب، فإنه ليس في رواة الكتاب من يسمى عمر بن صفوان، بل ولا في الرواة مطلقا، فصوابه «عاد ابن عمر بن صفوان». فحضرت الصلاة، فصلى بهم ابن عمر ركعتين، وقال: «إنا سفر». والأثر صحيح. وفي هذا جواز الصلاة عند المريض إذا حضرت وقت الصلاة، وكان هناك عذر من حضور الصلاة في المسجد، إما لبعد المسجد مثلا أو غير ذلك من الأعذار، فلا بأس أن يصلى عند المريض جماعة كما فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. حضرت الصلاة فصلى بهم ركعتين، وكان مسافرا، وقال: «إنا سفر»، يعني على سفر. وبهذا أيضا بيان أن السنة إذا صلى المسافر بالمقيم أنه يقصر الصلاة، أي المسافر والمقيم يتم إذا صلى ركعتين، وكان الإمام مسافرا يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يقوم المقيم ويتم الصلاة. وفي هذا مشروعية صلاة المقيم خلف المسافر. وإذا صلى المقيم أو المسافر خلف المقيم فإنه يتم، إذا صلى المسافر خلف المقيم فإنه يتم ولا يقصر، متابعة للإمام، ولأن هذه السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما قيل: «إذا صلينا مع الإمام أتممنا، وإذا صلينا في رحالنا قصرنا»، قال: «هي السنة». قال باب عيادة المشرك، قال حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا محمد بن زياد، عن ثابت، وأبان، عن أنس بن مالك، أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال: «أسلم». فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له أبوه: «أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». قال: فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري. وفي هذا الحديث أخبر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام فمرض، أي هذا الغلام اليهودي، فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام يعوده رجاء أن يسلم، فقعد عند رأسه، فقال: «أسلم»، عرض عليه الإسلام. فنظر إلى أبيه، أي هذا الغلام نظر إلى أبيه، فقال له أبوه: «أطع أبا القاسم»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». وفي هذا الحديث جواز استخدام الكافر للخدمة، فإن هذا الغلام اليهودي استخدمه النبي عليه الصلاة والسلام وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضا جواز عيادة الكافر إذا كان في ذلك مصلحة من رجاء إسلامه، فإنه يجوز بل ربما يستحب أن يعوده وأن يعرض عليه الإسلام. فهذا اليهودي مرض، فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام يعوده، وقعد عند رأسه، فعرض عليه الإسلام. وهكذا مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي طالب حين حضرته الوفاة، أتاه النبي عليه الصلاة والسلام يعرض عليه الإسلام: «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». فإذا كان يرجو إسلام الكافر فيجوز أن يعاد ويعرض عليه الإسلام. قال: فأسلم، أي هذا اليهودي الغلام أسلم حين عرض عليه النبي عليه الصلاة والسلام الإسلام، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». وفي هذا بيان أن من أسلم قبل موته وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم فإن إسلامه يقبل، تقبل توبة العبد ما لم يغرغر. فإذا لم يبلغ هذا الحد من الموت فإن إسلامه يقبل، أما إذا بلغت الروح الحلقوم فحينئذ لا تنفع التوبة. وفي هذا دلالة على أن إسلامه قبل، وهكذا أيضا في حرص النبي عليه الصلاة والسلام على هداية الخلق حتى الكفار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم من شدة رحمته وشفقته على هذه الأمة كان يرجو إسلامهم. ولما مات عمه أبو طالب استغفر له النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وكان قبل ذلك قال: «لو أعلم أن الله جل وعلا سيقبل دعائي أو مغفرتي لهم لزدت ماذا؟» فوق السبعين، بقول الله جل وعلا: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾. فقالوا: أعلم أن الله عز وجل يستجيب لي لزدت. ثم بعد ذلك لما استغفر لعمه أبي طالب بعد موته، أنزل الله عز وجل الآيات التي ينهى فيها عن الاستغفار للمشركين. فالشاهد من هذا الحديث أنه يجوز عيادة المشرك إذا كان في ذلك مصلحة من رجاء إسلامه. والله تعالى أعلم.