الدرس في كتاب الإيمان 92، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد الشيخ على أهمية كتابة العلم وتدوينه لمنع نسيانه وضمان بقائه، مستشهدا بأقوال العلماء القدماء. هذا التأكيد يبين قيمة العلم والحرص على حفظه.
يروي جابر بن عبد الله قصة نزول الوحي بعد فترة انقطاعه، حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل جالسا على كرسي بين السماء والأرض، فنزلت الآيات الأولى من سورة المدثر. هذا يدل على أن نزول هذه الآيات كان بعد فترة الوحي.
يفسر المقطع تفاصيل نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مبينا أن أول ما نزل من القرآن هو الآيات الخمس من سورة العلق، ثم الآيات الأولى من سورة المدثر بعد فترة من الوحي. كما يوضح رؤية النبي لجبريل عليه السلام.
يفسر المقطع الآيات الأولى من سورة المدثر، حيث يُبين الأمر بالإنذار والتحذير من الشرك والكفر، وتكبير الله بالتوحيد، وطهارة الثياب والأعمال. هذه الآيات تشكل بداية الدعوة النبوية بعد فترة الوحي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي عن جدي، أبوه شعيب بن الليث، وجده الليث بن سعد أبو الحارث الفهمي، إمام من أئمة أهل مصر. قال الشافعي رحمه الله: ما تأسفت على أحد ما تأسفت على الليث، وابن أبي ذئب. وكان قال فيه أيضا: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. قال: حدثني عقيل بن خالد، وابن عقيل الأيلي. قال ابن شعيب بن الليث: ما اسمه؟ أبراهيم، محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شعيب الزهري. تذكر شيئا من أقواله؟ آه، من يذكر؟ من يذكر شيئا من أقوال الزهري؟ ما أحد يذكر؛ لأنكم ما سجلتموها، لو كتبتموها لما نسيتموها. ومن أقواله رحمه الله: العلم كنوز، مفاتيحها السؤال. وقال رحمه الله: حياة العلم مذاكرته، وآفته النسيان. العلم إذا ذكر فإنه يبقى ويحيا، وإذا ترك وأهمل نسي وذهب. وقال رحمه الله: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وبث العلم ثبات الدين والدنيا. يحرصوا على الكتابة؛ كتابة العلم مهمة لطالب العلم، لا بد له من دفتر وقلم. فما أحد يجلس في حلقة العلم من غير دفتر وقلم، إذا لم يكن عنده كتاب، فيحرص على اقتناء دفتر وقلم، لا بد أن يحرص الجميع على ذلك. ما نرى طالب علم بلا دفتر، ما يصلح. لا بد أن يكون معك دفتر وقلم تسجل فيه الفوائد التي تمر بك، حتى إذا أردت أن تراجعها تستطيع أن تستحضرها. أما إذا لم تسجلها فإنها تذهب، تدخل من أذن وتخرج من الأخرى. إلا إذا كان الواحد منا مثل الشعبي الذي قال: ما كتبت سوداء على بيضاء، فهذا أمر آخر، الذي يحفظ من أول مرة ويطبع الحفظ في قلبه، هذا هنيئا له. إن كان كذلك، فالحرص على الكتابة قال القائل: العلم صيد، والكتابة قيده، قيد صيودك بالحبال الواثقة. فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتذرها بين الخلائق طالقة. إذا صيدت غزالة وتركتها عند الناس، هل تبقى؟ تذهب. وهكذا الفوائد، العلم صيد يحتاج إلى كتابة، أو إلى قيد تقيده وتحبسه به حتى يبقى، وإلا إذا لم تكتبه فإنه يذهب وينسى. قال رحمه الله: سمعته عروة بن الزبير - عروة بن الزبير بن العوام، ابن أخت عائشة، أحد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة الذين اشتهروا بالفقه - فمن هؤلاء من يذكر؟ البيت إذا قيل: من في العلم سبعة أبحر، روايتهم ليست عن العلم خارجه. فقلهم: عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان. خارجه. فعروة أحد هؤلاء السبعة. قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - عائشة رضي الله عنها زوج النبي عليه الصلاة والسلام، الطاهرة المطهرة، صديقة من تصديق، رضي الله تعالى عنهما - زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وإحدى أمهات المؤمنين، وأحب النساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهي أيضا ممن عرفت بالعلم والحفظ، ليس فقط في حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل حتى في حفظ الأشعار والأنساب. فكانت رضي الله عنها لها باعا طويلا في ذلك، وهي ممن روى فوق الألف من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك ستة آخرون رووا من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فوق الألف. فمن هؤلاء؟ وكثيرا ما قد ذكرناهم: فضل أبو هريرة، وابن عمر، وعائشة. أولا ثلاثة، بقي أربعة. ها من يكمل؟ ذكر أبو الله بن عمر، ذكره. أبو الله بن عباس، أبو سعيد الخدري أيضا، ها أنس بن مالك، وبقي السابع منه جابر بن عبد الله. آه، من يحفظ؟ من يحفظ البيت الذي يجمعهم؟ ها طيب، جمع في قول القائل: المكثرون في رواية الأثر أبو هريرة، يليه بن عمر، المكثرون في رواية الأثر أبو هريرة، يليه بن عمر، وأنس والحبر والخدري، وأنس والحبر والخدري، وجابر وزوجة النبي. المكثرون في رواية الأثر أبو هريرة، يليه بن عمر، وأنس والحبر والخدري، وجابر وزوجة النبي. الحبر بن عباس، والخدري أبو سعيد الخدري. قالت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده. واقتص الحديث بمثل حديث يونس ومعمر، ولم يذكر أول حديثهما من قوله: أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤية الصادقة. وتابع يونس على قوله: فوالله لا يخزيك الله أبدا. وذكر قول خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك. قالوا: حدثني أبو الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني يونس، قال: ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن النجاري - ابن عبد الله الأنصاري - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحدث، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث عن فترة الوحي - قال في حديثه: فبينما أنا أمشي، سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجئثت منه فرقا، فرجعت، فقلت: زملوني، زملوني، فدثروني. فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 1-5]، وهي الأوثان. قال: ثم تتابع الوحي. هذا الحديث جابر رضي الله عنه في ذكر كذلك بدء الوحي ونزوله بعد نزوله في أول مرة حين كان في الغار، فذكر جابر رضي الله عنه. وقول الراوي عنه: وكان من أصحاب رسول الله، هذا قاله لعله خاطب من كان لا يعلم صحبته أو يشك في ذلك، فقال ذلك من باب التأكيد والبيان، وإلا فجابر رضي الله عنه ممن اشتهرت صحبته، وهو أحد هؤلاء السبعة الذين رووا فوق الألف عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث. فذكر عن جابر أنه كان يحدث، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه - أي النبي عليه الصلاة والسلام -: بينما أنا أمشي، سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء - يعني جبريل عليه السلام - جالسا على كرسي بين السماء والأرض - على كرسي بين السماء والأرض - يعني في الهواء، في الهواء الذي بين السماء والأرض. فقال رسول الله: فجئثت منه فرقا - يعني فأصابني الرعب والخوف - فرجعت - أي رجع إلى خديجة رضي الله عنها زوجه - فقال: زملوني، زملوني، فدثروني. زملوني بمعنى غطوني، ودثروني أيضا بمعنى غطوني بالثياب. ومعروف الذي يصيبه شيء من الرعب والخوف يأتي إلى الفراش، وربما يتغطى من شدة الرعب الذي يصيبه. وسيأتي معنا في بعض الروايات أنه قال: وصب علي ماء بارد. وصب الماء حين يذهب شيء من الخوف والرعب الذي يصيب الإنسان. قال: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 1-5] - يعني أول الآيات من سورة المدثر - وقول جابر رضي الله عنه: وهو يحدث عن فترة الوحي، يدل على أن هذه الآيات نزلت بعد نزول الآيات الأولى من سورة العلق. كما مر معنا في حديث عائشة، فنزول الآيات من سورة العلق كان هذا أول ما نزل من القرآن على جهة الإطلاق. أول ما نزل من القرآن على جهة الإطلاق الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. وأما حديث جابر وذكره لنزول الآيات من سورة المدثر، فكان هذا بعد نزول الآيات الأولى من سورة العلق، ففتر الوحي، انقطع، ثم نزلت الآيات الأولى من سورة المدثر، وبعدها تتابع الوحي واستمر. وليس معنا نزول هذه الآيات، أو جاء في بعض الروايات أن أول ما نزل الآيات من سورة المدثر، هذه أولية مقيدة، أولية مقيدة بمعنى أول ما نزل بعد فترة الوحي. أول ما نزل بعد فترة الوحي، أما أول ما نزل على جهة الإطلاق فهي الآيات الخمس من سورة العلق. ويدل على أن هذا النزول كان بعد فترة الوحي قوله: وهو يحدث عن فترة الوحي. ومعنا أن الوحي قد نزل، لكنه انقطع وفتر، ثم بعده نزلت هذه الآيات من سورة المدثر. وأيضا قوله: فإذا الملك الذي جاءني بحراء - يعني في الغار - يعني رأى نفس الملك، وهو جبريل عليه السلام، وهذه أدل أن هذا كان في المرة الثانية، كان قد رأى في المرة الأولى في الغار، وأنزل عليه الآيات من سورة العلق. قال رحمه الله: حدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي عن جدي، قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثم فتر الوحي عني فترة، فبينما أنا أمشي، ثم ذكر مثل حديث يونس، غير أنه قال: فجثثت - يعني بدل الهمزة ثاء، بدل الهمزة الأولى في الرواية الأولى: فجئثت، في هذه الرواية بالثاء: فجثثت - منه فرقا، حتى هويت إلى الأرض. قال: وقال أبو سلمة: والرجز الأوثان. قال: ثم حمي الوحي بعد وتتابع. وهي بنفس معنا: فجئثت. قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، وابن جريج، والصنعاني، قال: أخبرنا معمر، وابن راشد نزيل اليمن عن الزهري بهذا الإسناد، نحو حديث يونس، قال: وأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1] إلى قولي: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]، قبل أن تفرض الصلاة، وهي الأوثان - يعني الرجز - قال: فجثثت منه - كما قال عقيل. قال: حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة النسائي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: سألت أبا سلمة: أي القرآن أنزل قبله؟ قال: يا أيها المدثر. قلت: أو اقرأ؟ قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبله؟ قال: يا أيها المدثر. قلت: أو اقرأ؟ قال: جابر: أحدثكم بما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فلم أر أحدا. ثم نوديت، فنظرت فلم أر أحدا. ثم نوديت، فرفعت رأسي، فإذا هو على العرش في الهواء - يعني جبريل عليه السلام - فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، فصبوا علي ماء. فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 1-4]. وقوله في هذه الرواية: أن أول ما أنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1]، هذا كما سمعنا محمول على أنه أول ما أنزل بعد فترة الوحي. أول ما أنزل بعد فترة الوحي، لا أنه أول ما أنزل ابتداء. فإن أول ما أنزل ابتداء الآيات من سورة العلق. وقوله في هذه الرواية: فرفعت رأسي، فإذا هو على العرش، المراد بالعرش الكرسي. وأصله السرير الذي يجلس عليه الملك، كما في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23]. والرواية الأولى: قال جالسا على كرسي بين السماء والأرض. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد، وقال: فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض. طيب، هذا القول الصحيح كما سمعنا: أن أول ما نزل من القرآن الآيات الخمس من سورة العلق، ثم الآيات الأولى من سورة المدثر، ثم بعد ذلك تتابع الوحي. وهناك من قال: بأن أول ما نزل الفاتحة. أن أول ما نزل من القرآن سورة الفاتحة، وهو قول باطل كما قال النووي رحمه الله، وجمهور أهل العلم على أن أول ما نزل هو الآيات من سورة العلق. النبي صلى الله عليه وسلم نعم أخبر أنه رآه مرتين بسورته، رأى جبريل مرتين بسورته. ولهذا قال: «رأيته له ستمائة جناح، كل جناح قد سد ما بين الأفق». وقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1]، المدثر يراد به النبي عليه الصلاة والسلام، وصفه بهذا الوصف لأنه قال: «دثروني، دثروني» - يعني غطوني بالثياب - قطبه الله بهذا الوصف لأنه كان عليه. قال: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: 2] - يعني أنذر قومك من الشرك ومن الكفر، وأنذرهم عذاب الله وعقاب الله - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3] - يعني عظمه بالتوحيد، خلاص العبادة لله جل وعلا - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] - يعني طهر ثيابك من النجاسة والقدر - وقيل: المراد بثيابك فطهر، أي طهر أعمالك ونفسك من الشرك، واجعلها خالصة لله جل وعلا - قال: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]، والرجز الأصنام والأوثان، فهجر - يعني هجرها وتركها وابتعد عنها، وكن على منأ منها. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.