الدرس في مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبرز أهمية التمسك بالجماعة والاجتماع كإحدى خصائص أهل السنة والجماعة مستندين إلى أدلة من القرآن والسنة. يُظهر حرصهم على هذا المبدأ من خلال تسميتهم وتعظيمهم لمقام الاجتماع.
يركز أهل السنة على الأخوة الإيمانية ومكارم الأخلاق لتحقيق التماسك المجتمعي ويحرمون تعدد الجماعات. كما يعارضون الأفكار التي تثير الفتن وتفرق بين الراعي والرعية.
يتميز أهل السنة بالوحدة في العقيدة رغم تباعد الأماكن، بينما يسعى المخالفون لتفريقهم. يؤكد على أهمية جماعة المسلمين في منهجهم وفقًا لتوجيهات النبي.
جميع الأديان السماوية قامت على مبدأ التوحيد والألفة والجماعة، وقد بعث الله الأنبياء لإقامة هذا المبدأ. يدعو الله أن ينفعنا بما قلنا ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأولًا هذا إعلان عن كلمة الليلة، والتي ستكون بعد أذان العشاء لأخينا الفاضل وديع العمودي، ومن إخواننا من طلاب العلم المبرزين من أهل مكة، وإن شاء الله كلمته واستضافته في هذا المقام الليلة بين الأذان والصلاة. ثانيًا، دخولنا وولوجنا في موضوعنا، وما يكون من تتبعنا لخصائص أهل السنة والجماعة، إذ أن من أعظم خصائصهم، إخواني، ما كان من حرصهم على الجماعة، وما كان من تمسكهم بالاجتماع. فإن الجماعة والاجتماع من الهيئات الحميدة، ومن الصفات الجميلة التي ندب الله إليها وحث عليها ورغب فيها، بأن يكون المسلمون على هذه الهيئة من توحدهم وإتلافهم واجتماعهم وتجمعهم. وقد كان من دعوة أهل السنة والجماعة أنهم كانوا من أحرص الناس على هذه الهيئة، وذلك بالتمسك بها والحث عليها. ولأدل من حرص أهل السنة على هذا الباب بمثل ما كان من تسميتهم وبانتسابهم لهذه الصفة، فكان منهم أن سموا أنفسهم بأهل السنة والجماعة. وقد مر معنا كيف أن أهل السنة قاموا بمقام السنة تعظيمًا وتشريفًا وتطبيقًا ودعوةً ونشرًا وترغيبًا لها، حتى استحقوا أن يكونوا من أهلها، وهم كذلك في مقام الجماعة فعلوا هذا الفعل، فكانوا من أحرص الناس على الجماعة بتطبيقه والعمل به والالتزام به ودعوة الناس إليه، حتى انتسبوا إلى هذا اللقب، وهو شرف، فكان منهم أهل السنة والجماعة، أي أهل السنة وهم كذلك أهل الجماعة. فكان من دلائل حرص أهل السنة على هذه الهيئة العظيمة الحميدة الجميلة الجليلة الاجتماع، أن عظموا هذا المقام، فرضوا به أن يكون مصدرًا يرجع إليه الناس، يرجع إليه المسلمون، وظهر ذلك فيما سموه بالإجماع، فيرون أن الأمة متى ما أجمعت على أمر ما، فالقول قولها، لا أحد ينازعها ولا يزاحمها في هذا الأمر الذي اجتمعوا عليه، تعظيمًا لمقام الجماعة والاجتماع. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، فجعل ربنا جل وعلا من عصمة هذه الأمة المحمدية متى ما اجتمعت، فلا ينبغي لغيرهم أن يأتي من بعدهم فيخالفهم أو يزاحمهم في اجتماعهم هذا، إخواني في الله، إن دل على عظيم مقام الجماعة عند أهل السنة والجماعة. وأضف إلى ذلك مما حدى بأهل السنة أن يعتنوا بمقام الجماعة والاجتماع، ما رأوه من تلك الأدلة الكثيرة المتكاثرة في الكتاب والسنة، والتي يأمر فيها ربنا ويحث فيها نبينا على ضرورة الاجتماع، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «يد الله مع الجماعة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «في الفرق الضالة كلها في النار إلا واحدة هي الجماعة». وقال عليه الصلاة والسلام، كما عند الترمذي، من حديث الحارث الأشعري، قال: «وأنا آمركم بخمس: بالسمع والطاعة والهجرة والجهاد والجماعة». كم نعدد، إخواني في الله، من الأدلة الكثيرة المستفيدة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كيف أنه رغب وحث وأكد على ضرورة العناية بهذا الباب، وبهذا المقام، الحرص على جماعة المسلمين وعلى جمع الكلمة وعدم التفرق. وإن مما يدل، إخواني في الله، على عناية الشرع بأمر الجماعة، كيف أن ديننا رغب بتأدية هذه الهيئة في أمورنا التعبدية، فتجد أن الشريعة اعتنت بالهيئة الجماعية عند أداء الطاعات والعبادات. فهذه الصلاة ركن من أركان الإسلام ومن أعظم مبانيه العظام، قال عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاة الرجل وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاة الرجل مع الرجل»، فكلما كان العدد أكثر، فإن الأجر أعظم، كل ذلك حرصًا من الدين على أن الصلاة تؤدى في الجموع الغفيرة، تجتمع الأبدان ومن ثم تجتمع القلوب. وهكذا، إخواني في الله، كم وكم نعدد من الأدلة التي تدل على عناية الشرع بأمر الجماعة، سواء كان في شؤون تعبدنا أو في مسائلنا الشخصية. كن في هيئة جماعية، وإن هذا الأمر، إخواني في الله، الذي يراه ورآه أهل السنة كما رآها غيرهم، قيام به الحرص على الجماعة، كان هذا فيه التأثير في دعوتهم. وحق لهم أن يتأثروا من ذلك، ما سمعتم أن جعلوه لقبا لهم، أهل السنة والجماعة، فكان من آثار ذلك أنهم دائمًا وأبدًا في خطبهم ومحاضراتهم يشيرون إلى مسألة الأخوة الإيمانية، وأن المسلم أخو المسلم، وأن المسلمين والمؤمنين إخوة، مهما تناءت بهم الديار واختلفت عنهم الأبشار، بغض النظر عن جنسه أو حسبه أو نسبه أو لونه أو بلده، هو مسلم رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا، أخو لك. كم كان أهل السنة ولا زالوا يقومون في الخطب والمحاضرات يركزون على هذه الخصيصة، الأخوة الإيمانية، بل ويذكرون ويحثون على مكارم الأخلاق مما ينبغي أن يبذل للمسلم لأخيه المسلم من التعاون والإيثار والإتلاف وحسن الظن والتغافل وعدم التعدي والتطاول على دماء وأعراض وأموال المسلمين. لماذا هذا كله يدعو إليه أهل السنة؟ وهذا مما لا يجهد في دعوتهم، لعلمهم أن بهذه الخصال متى ما طبقت، فإن المجتمع سيلتئم، ومتى ما التأم المجتمع، فأصبحوا جماعة، حين يأتي الخير والبركة. وكان هذا من هديه عليه الصلاة والسلام، وأنتم تعلمون عندما ذهب نبينا إلى المدينة، والذي أراد منها أن تكون المنطلق لقيام دولة الإسلام، من أوائل ما قام به أن آخى بين المهاجرين والأنصار، لماذا؟ لأن بالإخاء يتحد المجتمع، فكان هذا فاتحد المجتمع المدني، فكان هو المصدر والنبع لقيام دولة الإسلام. ومن آثار الجماعة في دعوة أهل السنة والجماعة ما ينددون به ويتعبدون الله بتحريم التعدد للجماعات، وأن ما عندهم شيء اسمه تعدد الجماعات، بل يرون أن تعدد الجماعات منكر، بخلاف غيرهم ممن يرى أن تعدد الجماعات ظاهرة صحية، يصرحون بهذه المقالة، لكن أهل السنة يذكرون غيرها وضدها، بل يقرون بأن تعدد الجماعات في المجتمعات ظاهرة سقيمة، بلية من البلايا التي فرقت بين أهل الإسلام. هذا في جماعة، وهذا في جماعة، وهذا في ملة، وهذا في نحلة، وهذا في حزب، حتى تفرق المسلمون، الكل ينادي بهذه الحرية الشخصية وجواز التعددية الحزبية، وأن يكون المجتمع كما يشاء، إلا أهل السنة، والله لن تجد سنيًا أبدًا يؤيد هذا، قولهم واحد: جماعة، جماعة أهل الإسلام على جماعة واحدة، كما جاء به الكتاب والسنة، هذا من آثار دعوتهم تعظيمًا لمقام الجماعة. ومن آثار الجماعة في دعوة أهل السنة والجماعة أنهم يضربون بيد من حديد لكل من سولت له نفسه أن يفرق بين الراعي وبين الرعية، فلا يرحبون أبدًا بأي أفكار هوجاء عوجاء يكون فيها الشغف وإثارة الفتن، ثم يكون فيها القصم لهذا المجتمع المسلم، فينقسم الشعب على دولته والدولة على حكومته. أهل السنة ما يقولون بالتأييد لهذه المهاترات والمظاهرات، والكل يعرف هذا عنهم جليًا لا يخفى على أحد، لماذا؟ أهل السنة على هذا الباب، مع أنهم ينالون من الناس من الطعن والغمز والله والله ما فعلوا هذا إلا حرصًا على جماعة المسلمين، تأسيا بقوله عليه الصلاة والسلام: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه كائنا من كان»، هذه وصية من رسول الله حملها أهل السنة، متى ما كان المجتمع على قلب رجل واحد، ما نجيز بل نضرب بيد من حديد لمن أراد أن يفرق بين هذه اللحمة التي أمر نبينا أن تبقى حفاظًا على جماعة المسلمين. إخواني في الله، المقام في هذا الباب يطول ويطول جدًا في تتبع المغازي والأهداف والمقاصد الذي أرادها شرعنا من الجماعة، ولهذا كما ترون وتسمعون أن أهل السنة هم الذين تبنوا هذا المبدأ، الحرص على جماعة المسلمين، لكن من نظر إلى حال المخالفين يرى العكس، المخالف ما يبالي بجماعة المسلمين، والمخالفون كثر، ومن أولهم وعلى رأسهم الشيطان، فإن الشيطان ما سعى إلى شيء بين أهل الإسلام كسعيه إلى التفريق بين جماعتهم، كما قال سبحانه: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾، هذا قصده وهذه من أهدافه الحرص على أن يفرق بين الناس وبين أهل الإسلام. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم»، يحرش التحريش من أعمال ماذا؟ من أعمال التخريب والتفريق بين الأحبة، بين الأحبة. كذلك يا عبد الله، على نمط الشيطان سار الكفار من يهود ونصارى وملاحدة وزنادقة، ما سعوا إلى شيء في ضرب الدعوة الإسلامية منذ نشأتها إلى زماننا هذا بمثل ما يكون من التفريق بين جماعة المسلمين. وتعلمون كيف كان الاستعمار الذي حل على بلاد المسلمين، فقسمها كما تقسم الكعكة، ومن درس التاريخ الحديث ويتذكر صورة الوطن العربي إبان الاحتلال والاستعمار، كيف كانت ألوانه أخضر وأزرق وأحمر وأحمر، وتحت هذا الأزرق فرنسا، والأخضر بريطانيا، قسمت الدولة الإسلامية، كان شعار الكفار حينها: «فرق تسد»، فرق فرق بين الناس، فرق بين المسلمين، تأتيك السيادة، فكان الكفار ولا زالوا على هذا المنوال من الحرص على تفكيك جماعة المسلمين. وعلى هذا النمط كذلك سار المبتدعة، سار المبتدعة ما يبالون بجماعة المسلمين، الكل همه هوى وبدعته، وهذه البدع التي طمت وعمت هي التي فرقت بين أهل الإسلام: المعتزلة والخوارج والقدرية والمؤولة والمعطلة والمشبهة والماتوريد، تقسمت حتى تقسمت بين الأمة الإسلامية، ناهيك عن الفرق الباطنية من الإسماعيلية والقديانية والبهائية والرافضة، كل هؤلاء كانوا معول الهدم، ما يبالون باجتماع المسلمين، همهم أن يكون لهم شأنهم. لكن انظر لأهل السنة، أم على قلب رجل واحد، والله والله لو كان رجل من أهل السنة يعيش الآن في بلاد الأسكيم -تعفونا- أين الأسكيم؟ في القطب الجنوبي أو القطب الشمالي؟ أو لا في معزل؟ لو كان السني وجئت به لرأيته مع السني في الغرب على نمط واحد، الكتاب والسنة عقيدتهم واحدة. فالسنة تجمع، بخلاف البدعة فإنها تفرق، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال البدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة»، فالبدعة يا عبد الله هي التي تؤجج وتهيج انقسامات بين المسلمين. فهذه خلاصة هذا المبعث، وإلا كما قلت فهو يطول جدًا في تتبع مصادر وأهمية هذا المقام، ولهذا كان أهل السنة من أسعد الناس بهذا اللقب، ولهذا ينبغي أن يحرص السني على أن يكون قائمًا لهذا المبدأ، فيكون من أسعد الناس إلى تطبيق الجماعة، فيسعى إلى جمع الكلمة قدر المكان، قدر المستطاع، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة في تلكم الدعوات التي تدعو إلى التفرق والتشرزم، فإنها ليست من دين الله جل وعلا. فإنما قام -لا أقول دين الإسلام- بل قامت جميع الأديان على هذا المبدأ، يقول إمام البغوي رحمه الله تعالى: «قال: بَعَثَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّهُمْ بِإِقَامَةِ التوحيد والألفة والجماعة، وترك الفرقة والمخالفة». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.