الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 118

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 118

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 118، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أسباب وتفاصيل غزوة مؤتة

كانت غزوة مؤتة بسبب قتل شرحبيل الغساني للصحابي الحارث بن عمير الذي أرسله النبي لدعوة أمير بصراء إلى الإسلام. جهز النبي جيشًا من ثلاثة آلاف مقاتل لقتال الروم.

تفاصيل المعركة واستشهاد الأمراء وتولي خالد القيادة

استشهد الأمراء الثلاثة وتولى خالد بن الوليد القيادة، واستخدم ذكائه لتنظيم انسحاب الجيش الإسلامي من المعركة. غير تنظيم الجيش ليوهم الرومان بوصول مدد مستمر.

حيل خالد بن الوليد العسكرية في مؤتة

استخدم خالد حيلا عسكرية لرفع معنويات المسلمين وتحطيم معنويات الرومان، منها إرسال سرايا ليلا وتغيير تنظيم الجيش. هذه الحيل أدت إلى انسحاب المسلمين بدون مطاردة.

ختام الحديث عن غزوة مؤتة والدعاء

أنهى الحديث عن غزوة مؤتة بإيجاز وأحال الراغبين في التفاصيل إلى المصادر المطولة، ثم دعا الله أن ينفع بما قيل. صلى على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مواصل إخواني في الله في هذا البيت، والذي ذكرناه في يوم أمس، وقول الناظم رحمه الله: «وأهديت مارية القبطية فيه، وفي الثامنة السرية لمؤتة سارت»، وأشرنا إلى هذا الحدث من الأحداث المهمة والعظيمة في سيرته، ما وقعت في معركة مؤتة، والذي اصطلح العلماء على جعلها غزوة من غزواته. لما ذكرنا في درس أمس، ندخل في تفاصيل هذه الغزوة مع شيء من الإيجاز، فمن تفاصيل هذه الغزوة، غزوة مؤتة إخواني في الله، ما السبب؟ ما الذي أشعل هذه الغزوة؟ قصة هذه الغزوة، وما كان من بدايتها، أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما بدأ يرسل بالرسل والسفراء إلى الدول والمناطق والأمصار، كان ممن أرسله أن أرسل الحارث بن عمير رضي الله تعالى عنه، أرسله إلى أمير بصراء، إلى أمير بصراء وهو الحارث بن أبي شمر، وكان من الغساسنة. أرسله نبينا الحارث إليه يدعوه إلى الإسلام، كبقية الزعماء والرؤساء، لكن في طريق ذهاب هذا الصحابي الجليل، وافى الحارث بن أبي شمر، وافى أو قصد وافى شرحبيل، وشرحبيل هذا وهو أحد أمراء بلاد الشام، وخاصة وهو أمير البلقاء، أمير البلقاء. وكان هذا الرجل، وهو شرحبيل، لما علم أن الصحابي الجليل الحارث بن عمير قدم من جهة رسول الله، سأله قال: من أين قدمت؟ هل أنت من رسل محمد؟ علم شرحبيل هذا الهالك بأن نبينا يرسل الرسل، فعلم أن هذا أحد الرسل، فاعترض عليه الطريق، وهو كان أميرًا بحراسته، فأخذ يستفصل من هذا الصحابي: هل أنت من رسل محمد؟ فقال له الحارث: نعم. فحينها أمر شرحبيل بهذا الصحابي أن يوثق بالحبال، وأن تضرب عنقه، فقط لا لشيء، فقط هكذا: أنت من أتباع محمد اقتلوه، فأمر شرحبيل الغساني هذا، أمير البلقاء، بقتل هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، حينها علم نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الحادثة، فغضب غضبًا شديدًا، وخاصة أن هذه المسألة من المسائل التي تعارف عليها الناس قديمًا في نظام الملوك والأمراء، وفي العادات والتقاليد، أن الرسل لا تقتل. الرسول المبلغ هذا ما يقتل، مهمة أن يبلغ خبر، يبلغ رسالة وينتهي أمره، أما أنك تحمله الضغينة فتنال منه أو تقوم بقتله، كانت هذه جريمة على معايير كل الأنظمة، فكيف إذا كان هذا على غير وجه حق؟ إذا كان هذا على وجه غير حق، فغضب نبينا صلى الله عليه وسلم، واعتبر أن هذا إعلان حرب، فحينها جهز نبينا صلى الله عليه وسلم الجيش إلى هذه الجهة، إلى هذه الجهة من جهات الشام، لقتال أهلها. هذا ما يتعلق بسبب الغزوة، ما يتعلق بتاريخ الغزوة، كانت هذه الغزوة بعدما انتهى نبينا صلى الله عليه وسلم من عمرة القضاء، التي مرت معنا في أبيات سابقة، وكانت ذلك في شهر ذي الحجة، ثم رجع نبينا من هذه العمرة، عمرة القضاء، ومكث في المدينة، فأتم شهر ذي الحجة، وهكذا دخل عليه بعد ذلك محرم وصفر وربيعين الأول والثاني، حتى دخل جمادى في هذا الشهر، جمادى من السنة الثامنة، أرسل نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الجيش إلى جهة الشام، إلى جهة الشام. ما يتعلق بحركة الجيش، وما كان من تفاصيل التحركات، جهز نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الجيش بعدد، لأول مرة تجهز به جيوش الإسلام في حياته عليه الصلاة والسلام، إذ بلغ هذا العدد ثلاثة آلاف مقاتل من أصحاب رسول الله، ثلاثة آلاف مقاتل، يعتبر هذا أكبر عدد في الغزوات التي احتدمت بين المسلمين وبين الكفار. أضف إلى ذلكم أن هذه الغزوة كانت أول غزوة كان فيها الجيش الإسلامي يخرج عن خارج نطاق الجزيرة العربية، وأيضًا هذه الغزوة تعتبر أول ملاقاة بين المسلمين وبين النصارى، وأيضًا هذه الغزوة أول غزوة فيها تعدد للأمراء، تعدد للأمراء، جعل نبينا في هذا الجيش ثلاثة أمراء دفعة واحدة، زيد بن حارثة، فإن أصيب قتل فيخلفه بعد ذلك جعفر بن أبي طالب، فإن قتل يخلفه بعد ذلك عبد الله بن رواحة. وقد مر معنى كما جاء من حديث أبي قتادة، قال: «بعث رسول الله جيش الأمراء»، عرف بهذه لأنها لأول مرة أن النبي يبعث جيشًا بهذا التعداد من الأمراء، هذا ملخص الجيش، تحرك الجيش في هذا التاريخ، بهذا العدد، ولهذا السبب تحركوا، حتى وصلوا إلى بلاد الشام، تحديدًا إلى منطقة معان، منطقة معان من المناطق التي تعد من بلاد الشام. لما بلغوا إلى هذا المكان، ودنوا من بلاد الشام، جاءتهم الأخبار بجيش الكفار، تخيل نحن نتكلم عن أكبر عدد من المسلمين، ثلاثة آلاف، جاءتهم الأخبار بخروج جيش من الروم، كم تعدادهم؟ مئة ألف مقاتل، مئة ألف مقاتل، ليس هذا الذي خرج من بلاد الروم، ثم التف حول هذا الجيش من التف من القبائل العربية المتواطئة والخاضعة تحت الإمبراطورية الرومانية، قبائل عدة تجمعت، كم كانوا هؤلاء؟ هؤلاء أيضًا مئة ألف، الجيش بأكمله برمته، الجيش الرومي تعداده مئتا ألف مقاتل، وهذا بإجماع أهل السير، بإجماع أهل السير، أطبقت كتب التاريخ أن عدة جيش الروم مئتا ألف مقاتل. ونرجع الآن إلى عدة أهل الإسلام، ثلاثة آلاف، من أراد أن يقارن، سيقارن بين أمر العقل، لربما يقف عند الحساب فقط، لو أردت أن تتخيل كنقطة أمام نقط، ستعرف أن الأمر ليس بالسهل، ثلاثة آلاف بمقابلة مئتي ألف مقاتل، هنا مكث المسلمون في منطقة معان يفكرون فيما هم قادمون عليه، قيل: جلسوا ليلة، ليلتين يتشاورون، القوات الأمراء مع الجند. وكان من أمرهم أنهم: نرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرسل لنا المدد، فوق هذا المدد، أو ننظر في أمره، بماذا يشير علينا؟ حينها قام عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه، وقام في الناس خطيبًا وملهبًا المشاعر، وأشار إلى قصدي ما هم خرجوا لأجله، وأنكم أصلا ما خرجتم إلا للموت، فعلى ما تكرهون الموت؟ ما الذي يزعزعكم الآن؟ لماذا تفكرون؟ أنتم ما خرجتم إذا للشهادة، وهي شهادة أمامكم، إذا على ما تفكرون؟ علامة هذا الاضطراب فيكم؟ فزال، فأخذ رضي الله تعالى عنه يدعو ويشجع ويبعث فيهم، إما النصر، إما الشهادة، وأنه لا رجوع، وأنا نمضي نمضي إلى ما نحن فيه، وأن الله عز وجل إنما ينصر عباده لا بكثرة ولا بوفرة، وإنما بنصر من عنده، فوقعت كلماته في قلوب الصحابة، وفي قلوب المجاهدين الكثيرين، والسلام الموقع العظيم، حتى رضي الجميع بالدخول في غمار هذه المعركة، وبدأت المعركة. ولك أن تتخيل يا عبد الله كيف ستكون، بدأت المعركة، وفي خلال هذه المعركة قتل القائد الأول والأمير، وهو زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه، ثم أخذ الراية من بعده جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ثم قتل، ثم أخذ الراية من بعده عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه، ثم قتل. هذه المسائل الأخوان في الله، المقاتل نبينا صلى الله عليه وسلم في المدينة كانوا يشاهدها بالوحي السماء، كشف الحجاب، فكان نبينا يخبر من في المدينة، جاء في بعض رواية أنه نادى: «الصلاة جامعة، الصلاة جامعة»، فاجتمع الناس، فأخذ نبي يقص عليهم ما يرى من أخبار الجيش الغازي، أخذ الراية زيد فأصيب، أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فأصيب، أخذ الراية عبد الله بن رواحة فأصيب، وكان ينعي هذه الأخبار، وكان يبكي عليه الصلاة والسلام نعيًا لفقد هؤلاء العظماء من أصحابه. مما يذكر في مسألة هؤلاء الثلاثة، وقفة مع الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب، مما ذكر في ترجمته في مسألة قتاله في هذه الغزوة العظيمة، أنه نزل من خيله وعقر عقرها، عقر الخيل، عقر الخيل بمعنى قتل، قتل خيله، قتلها، طعنها بسيفه، قطع الأقوائم، قضى على خيله، يسمى عقر الخيل. يذكر أهل السير أن أن هذه الفعلة أول من فعلها جعفر رضي الله تعالى عنه في هذه الغزوة، عقر الخيل، وأنه قضى وقتلها، علق العلماء كالسهلي رحمه الله تعالى أنه ما هناك أحد أنكر عليه هذه الفعلة، ومن هنا استفاد العلماء، كما ذكر ذلك ابن كثير، وجار على هذا بعض الفقهاء، فائدة فيها، على أن المسلم إذا وجد أن شيء من الكائنات والحيوانات يمكن أن يستغلها الكفار، فحينها تقتل ولا تبقى. فجعفر رضي الله تعالى عنه علم أن هذه المقتل سيكون فيه مقتله، وأن الخيل إذا ذهب ستذهب إلى الكفار، سيأخذونها، قال: لا والله، فلما خرج من خيله قاتل خيله، وبقي لوحده قاتل، الأمر الثاني في أمر جعفر، أنه قاتل، وكانت الراية بيمينه، لأنه القائد، القائد أخذ الراية بيمينه، قطعت يده اليمنى، حينها أخذ الراية بيده الأخرى، الشمال، يدور بها، فقطعت يده اليسرى، فماذا فعل؟ فاحفظنا الراية بين عضديه، رضي الله تعالى عنه، فقتل في الأخير. طبعًا جاءت الروايات على أن جعفر رضي الله تعالى عنه أبدله الله بماذا؟ بجناحين، وقد جاء عند الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لقد رأيت جعفر يطير في الجنة بجناحيه، يطير بالجنة بجناحيه»، وهذا الحديث يحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى، وقد كان ابن عمر يقول لمحمد بن جعفر: يبنذي الجناحين، ولهذا لقب جعفر جعفر الطيار رضي الله تعالى عنه، أن الله أبدله بهاتين الذراعتين التي ذهبت في سبيل الله. ولما كان من قوته، بأسه، وشدة شجاعته، أن الله أبدله بهذا الخير الذي ناله في الجنة، الآن نرجع إلى المعركة، قتل الأمراء الثلاثة، والراية سقطت على الأرض، طبعًا من علامات انهزام الجيش أن لا ترفع الراية، ولهذا كان كما رأيتم جعفر كان مستميتًا على الراية، لماذا؟ لأن الراية ترفع لا تسقط، إسقاط الراية بمعنى ذهب الجيش، معناها الاستسلام، معناها أن الجيش يتبعثر، فرحون، وهنا وضع، ولهذا لابد الاستمات على الراية. فلما سقطت الراية، الأمراء الثلاثة الذي عينهم نبينا صلى الله عليه وسلم، الأول والثاني والثالث، قتلوا على التوالي، حينها أخذ الراية أحد الصحابة، وهو الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، وهو ثابت بن الأرقم، رفع الراية من الأرض، وأخذ يدر بها، فيقول له: يا أيها الناس، أو يا معشر المسلمين، اصطلحوا، اصطلحوا فيما بينكم، من يأخذ الراية؟ نريد قائد الآن. فقالوا: أنت، قال: لا والله لست بفاعل، أما أنا ما سأأخذها، لأن من يأخذ الراية يأخذ الراية بحقها، فقال: لست بفاعل، أنا لست بالذي أظن أني أتحمل هذه الراية، نحتاج إلى من هو، نتفق عليه، فحينها دارت الأنظار، وأشارت الأصابع إلى خالد بن الوليد، وكان من تقدير الله جل وعلا أن خالد كانت هذه الغزوة أول غزوة يحضرها، بل ما كان بينه وبين إسلامه سوى ثلاثة أشهر، ثلاثة أشهر، فدخل وانخرط في هذا الجيش الإسلامي. فإذا بالأمر دارت إليه، وراجعت، إذا واصطلح الناس، قلت: أخذها، فأخذ خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه الراية، فقاتل وقاتل وقاتل، قتالًا شديدًا، كلمة شديدًا هذه لربما ما تدري على ماذا تحمل، لكن حسبك أن تعلم أن خالد بن الوليد يقول عن نفسه: قال: «اندقت في سيفي تسعة أسياف»، تنكسر يعني السيوف، ما تنكسر السيوف تصنع لأن تصمد، لكن السيف الأول ينكسر، السيف الثاني ينكسر، الثالث ينكسر، تسعة أسياف، قال: كسرت ودقت من يدي، قال: وما بقي إلا صفيحة يمانية، صفيحة يمانية من صنع اليمن، هذا الذي ثبت في يدي، فيدلك على أن المسلمين أثخنوا أثخنوا في الكفار. بقي كيف دارت المعركة؟ طبعًا المعركة بهذه الصورة، يعني من نظرك كما قلنا: مئتا ألف عند ثلاثة آلاف، هذه مسألة محسومة، محسومة، لربما أول جيش الرومي سيمشي على جثث الجيش الإسلامي، ما يأتي الآخر إلا على الجثث، مئتا ألف، يعني ما مات، يعني كما يقول علماء هذه غزوة، يعني خيال، خيال، فالمسلمون بلوا بلاءً عظيمًا في الصمود. طيب خالد بن الوليد لابد أن يخرج من هذا المأزق، البقاء على هذا الوضع انتحار، انتحار، سيبيد الجيش، فاستخدم خالد رضي الله تعالى عنه الذكاء، أحيانًا في القتال ليس كل شيء قوة وشجاعة، أحيانًا الذكاء، المهارة، التفنن، البحث عن المخارج، فبدأ خالد رضي الله تعالى عنه يريد انسحابًا، ينسحب بهذا الجيش، عفاضًا على قوته، يخرج من هذا المأزق، وإلا إذا دخل وبقي لن يصمد، فلابد أنه يحرك المعنويات عند المسلمين، ويحطم معنويات الكفار. مما ذكره أهل السير على أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه كان من فعله، ومن حيلته الذي يفعلها ضد الكفار، أنه كان في الليل، عندما تهدأ الحرب ليلًا، كان يقوم بإرسال جند من جنده، يقولون: اذهبوا خلف الجبل، ابعدوا، اتعدوا من هنا، في الليل، سرية سرية في الليل، اذهبوا بعيدًا، يختبئون في مكان، يكمنون في مكان خلفهم، فإذا بزغ الفجر، وبدأت رحى المعركة، خرج هؤلاء من أين؟ من الأفق، خرجوا وجاءوا يجرون، ويثيرون الغبار. الروم ماذا يظنون؟ يظنون أن هناك مدد، مدد أتى، «اوه ايش هذا غبار؟ قال من هذا مدد؟ من المسلمين يأتيهم مدد من خلف»، المدد يأتي، وإلا هم هم ما هناك مدد، هم هم، من أفعال خالد رضي الله تعالى عنه، في أثناء النهار كان يجعل الناس على هبة بعيدة، يجعل مجموعة هنالك، هؤلاء مهمتهم أنهم يثيرون غبار، مهمة الغبار، كذلك قذف الرعب في قلوب الرومان، على أن هناك مدد يأتي من هذا الجانب. من فعل خالد رضي الله تعالى عنه أنه إذا دخل الليل، كان يغير فيه تنظيم الجيش، طبعًا الجيش يكونك قلب، أحيانًا ميمنة ميسرة، مقدمة مؤخرة، الأصل في الجيوش أن هذه تبقى ثابتة، خالد ما أبقاها، فكان إذا ارتاح الجيش في الليل غير الهيئة، الميمنة يحولهم جميعًا إلى الميسرة، والميسرة إلى الميمنة، والمقدمة إلى المؤخرة، والمؤخرة إلى المقدمة، لماذا هذا؟ إذا قام القتال في الصباح، في اليوم الثاني، الروم ينظر إلى وجوه غريبة، الذي في الميمنة يجد وجوه ليست بالوجوه الذي قاتلها بالأمس، هذا غريب. لين جاء هؤلاء يقول: هذا من المدد الذي جاء، والثاني بالمثل يقول: نعم، أنا قاتل في الميسرة، وناس ما كانوا بالأمس، وناس جدد، وكل يتحدث من الرومان على أن أهل الإسلام يأتيهم مدد دائمًا، بدليل بدليل على أن هذه الوجوه تتغير، والغبار لا زال يستمر، مما فعله خالد أنه في أحد الأيام حاول أنه يدخل إلى قلب الجيش، إلى داخل قلبي، ترك الميمنة والميسرة، وأخذ الجيش بأسره إلى داخل القلب، كاد أن يصل إلى الملك، وإلى أمير، ما استطع، رجع. هذا كلهم الذي طبعًا هذه الأفعال دامت في معركة مؤتة في ستة أيام، ستة أيام، وخالد دفع بهم، هذه الأفعال في اليوم السابع، هنا بدأ خالد أمر أصحابه بالرجوع، ارجعوا، طيب الكفار الرومان علموا برجوع خالد، لماذا ما تبعوه؟ خافوا، خافوا، قالوا: هذا ما سينسحبون، هؤلاء على ما رأينا من صمودهم، من ثباتهم، من قوتهم، من المدد الذي يأتيهم، ما سينسحبون هؤلاء على خديعة، هؤلاء سيجروننا إلى الصحراء، هم ظنوا هكذا، هؤلاء سيجروننا إلى الصحراء خلفهم، هناك فخ، ولهذا أبقى الرومان في أماكنهم ما تحركوا، قدعوهم إذا بدعوهم، وما علموا أن خالد ما الذي فعله؟ وفي الحقيقة رجع المدينة، وهذا الذي صار، رجع خالد رضي الله تعالى عنه إلى المدينة بهذا الجيش، إخواني في الله، كيف إذا علمنا أن هذه المعركة ثلاثة آلاف مقابل مئتي ألف؟ هل تدري كم عدد من قتل من المسلمين؟ عدد من قتل واستجهد من أهل الإسلام ثلاثة عشر شخصًا فقط، ثلاثة عشر شخصًا، ومنهم من قال: ثمانية، ومنهم من قال: عشرة، ومنهم من قال: ثلاثة عشر فقط، من هذه المعركة الذي يظن أنها ستسحق بأهل الإسلام. إلا أن الله جل وعلا نصارهم، وما رجع الجيش إلا بكل قوته، وما استشهد إلا هؤلاء القواد الثلاثة، وعشرة، قيل: أربعة وخمسة من المهاجرين، وأربعة وخمسة من الأنصار، كما ذكر ابن إسحاق، وذكر ذلك ابن هشام في السيرة، وذكروا بأسمائهم، لقلتهم ذكروا بأسمائهم، هؤلاء هم الذين قضوا نحبهم في غزوة مؤتة، فرجع الجيش إخواني في الله بهذا. وقف أخير إخواني في الله، وهي يشتهر في هذه الغزوة على أن لما رجع خالد بهذا الجيش إلى المدينة، أن أهل المدينة استقبلوا هذا الجيش، وأخذوا يحثون على وجوههم التراب، ويقولون: أنتم الفرار، فررتم في سبيل الله، فقال نبيه: «ليسوا بالفرار، وإنهم الكرار بإذن الله»، هذا الحديث، وإن قد اشتهر على الألسن، لكن كما يقول الشيخ الألباني رحمه الله: هذا الحديث باطل، منكر، باطل، منكر، ما يذكر، وهكذا أعل ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى بأن هذا الحديث بهذا لفظ قصة منكرة لا تصح. كيف يقال عنهم فرار، ويقال عنهم فروا، وهم في الحقيقة انتصروا، بل نبينا كما جاء في البخاري: «لما قال: أصيب زيد فأخذ الراية جعفر فأصيب فأخذ الراية عبد الله فأصيب، وعيناه تذرفان الدمع، قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، يفتح الله على يديه»، وهذا هو الفتح، فتح الله على يد خالد رضي الله تعالى عن هذا النصر. ولهذا ذهب جماعة من أهل الإسلام، من العلماء، ومن المؤرخين، على حسب والحكم على غزوة مؤتة أنها نصر للمسلمين، بهذه الأمور الذي حققها، وخاصة أن المسلمين قد غنموا أموالًا وأسلحة، كما جاء في بعض روايات، ولهذا بعض العلماء يرى أن هذا نصر محقق، فكيف يقال أن أهل المدينة أخذوا يعني ينعتون من جاء من أصحاب مؤتة بأنهم فرار، هذا ليس بصواب، القصة لا تنهض، القصة الذي جاء به الإسناد ضعيفة، وأيضًا هي مخالفة لما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بمتح هذه الفئة، وأن ما صار على أيديهم هو فتح. وهذا نعم بالمعايير الميدانية هذا نصر، قد مكن الله عز وجل ماذا أهل الإسلام من النجاة مما كان يخشى من وقوعه عليهم، وكان من آثار هذه الغزوة أن سمع بأهل الإسلام القاصي والداني، وقد ذكر جماعة من المؤرخين أن على إثري غزوة مؤتة، أسلمت الكثير من القبائل، فقيل: أسلمت بنو سليم، وهكذا غطفان، وهكذا بنو فزارة، وجماعات من القبائل أذعنوا، علموا أن هذا النصر من عند الله، لا يمكن لأي جيش أن يصمد بهذا الصمود. فهذا إخوان في الله خلاصة ما يذكر من غزوة مؤتة من التفاصيل، وإلا هذا على وجه الإيجاز، ومن أراد التفاصيل فليرجع إلى المطولات، أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والله تعالى أعلم.