شرح كتاب التوحيد 30

شرح كتاب التوحيد 30

الدرس في شرح كتاب التوحيد 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الزكاة ومصارفها

يشرح الحديث أهمية ركن الزكاة بعد الصلاة، ويوضح أن الزكاة تجب على الأغنياء وتدفع للفقراء. الغني هو من ملك نصابًا من المال وتخرج الزكاة من أغنياء المسلمين وترد على فقرائهم.

تحذير من الظلم وأخذ كرائم الأموال

يوصي النبي بعدم أخذ كرائم الأموال عند أخذ الزكاة ويحذر من الظلم. يشير إلى أن دعوة المظلوم مستجابة ويدعو إلى تجنب أخذ الأموال بغير حق.

سبب الاكتفاء بالصلاة والزكاة في الدعوة

استعرض أسباب اكتفاء النبي بتعليم معاذ أهل اليمن التوحيد ثم الصلاة والزكاة. أوضح أن الصلاة والزكاة تمثلان عبادات ظاهرة ولها شأن عظيم ويمكن أن تُدرج تحتها باقي العبادات.

الدعاء والصلاة على النبي في الختام

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويشير إلى الصلاة على النبي وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق ويُنهي بالتسليم على النبي وآله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا الباب، والذي بواب له المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وذكرنا إخواني في الله، ووقفنا عند حديث ابن عباس الذي بعث فيه نبينا صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن، قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». وفي رواية: «أن يوحد الله، فإنهم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة». وقد مضى معنا إخواني في الله ما يتعلق بهذا الحديث من مسائل. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإنهم أطاعوك لذلك» أي بعد الإذعان للتوحيد وبعد الإذعان بفرضية الصلاة، قال: «فإنهم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة». والمقصود بالصدقة هنا الزكاة، وفي ذلك إشارة إلى أهمية ركن الزكاة بعد الصلاة، وأنها من أعظم أركان الإسلام، وسميت الزكاة صدقة؛ قال العلماء: لأنها دليل على صدق صاحبها وعلى صدق إيمانه. الإنسان إخواني في الله لا يجد شيء أحب إليه إلى قلبه من المال، بل هذا وصف القرآن: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. فالإنسان يحب المال، فإذا قام إنسان ما وأخذ وأخرج من ماله ما هو لله، مال كد وتعب على تحصيله، ثم يخرج جزءًا منه لله، هذا على ماذا يدل؟ يدل على صدق إيمانه. وبهذا يا عبد الله حاول أن تستشعر هذا المعنى وأنت تخرج وتقطع من مالك ما هو زكاة من الزكاوات الواجبة. قال: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم». فدل ذلك على أن الزكاة تجب على الأغنياء، ومن كان فقيرًا ومن كان مسكينًا لا زكاة عليه. بقي: من هو الغني؟ ما ضابطه؟ قال العلماء: هو كل من ملك نصابًا، من ملك نصاب المال يعد غنيًا، وليس من شرط الغني كما يذكر الناس في عرفهم أنه الذي حاز على الملايين وحاز على العقارات والسيارات والأراضي والملايين، هذا ليس بشرط. بل في نظرة الشرع من ملك نصابًا هذا يعتبر غنيًا، فهذا يخاطب بإخراج الزكاة. فإذا عندك نصاب مثلا في الأراضي، نصاب في الأموال، نصاب في الحلي، اعتبر نفسك غنيًا حينها ينبغي أن تدفع من هذا المال لغيرك. وقد يكون إخواني في الله من باب الفائدة أن الإنسان من وجه غني ومن وجه آخر مسكين، يمكن هذا أن الإنسان قد يدفع زكاة لغيره وهو بنفس الحال يستقبل زكاة، يجتمع عنده وصف الغنى ووصف المسكنة. قال عليه الصلاة والسلام: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». وهذا فيه فائدة كذلك على أن من مصارف الزكاة أن تدفع للفقراء، فلابد يا عبد الله أن تتحرى الفقر والمسكنة. فالأمر ليس محابة، ليس محابة إذا جاء موسم الزكاة أن تعطيه لأقرب الناس ولأحب الناس ومن تأنت بحاجة إليهم، فتجعلها مصيدة بهذا المال، لا الأمر ليس فيه منفع لك يا عبد الله شخصية، بل أمر حكم شرعي، تعطي الفقير، وكل ما كان الإنسان أشد فقرًا فهو أحوج للزكاة. فأنت يا عبد الله في الأصناف الثمانية مخير، تختار الذي ترى أنه محتاج، قد يكون ابن السبيل، قد يكون من هو غارم عليه الديون المتراكبة، أو يكون فقيرًا معدمًا أو مسكينًا، لا بأس به، إلى غير ذلك. فهذا بالإمكان. ومن هذا الحديث استفاد العلماء أن المال ينبغي أن يرجع إلى فقراء البلد، يرجع إلى فقراء البلد. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإن هم أطاعوك لذلك» أي انتهينا من التوحيد أذعنوا، ثم الصلاة أقروا، ثم الزكاة وافقوا، ماذا بعد ذلك؟ قال: «فإياك وكرائم أموالهم»، أي إذا وافقوا على أنك تأخذ الزكاة من أموالهم، انتبه لهذه الخصلة، وهي أنك لا تأخذ الزكاة من كريم المال، الكريم هنا بمعنى النفيس، بمعنى النفيس الطيب الغالي الرفيع، لا تتعمد هذا. المتصور مثل أنت ساعي في أخذ الزكاة، فأدخلت إلى مزرعة فيها إبل أو فيها غنم أو فيها بقر، طبعًا الحيوانات والبهم تتفاوت في حسنها وفي حجمها، فأنت عندما تختار تريد مثل إبل خمسة من الإبل على هذا صاحب المزرعة، فلا تبحث على أنفس ما يكون في المزرعة، قل: هذا وهذا وهذاك الكبير، فتأتي وتجمع نفيس المال لهذا صاحب المزرعة، ثم تخرجه زكاة، لا ما يجوز هذا. قال نبينا: «وإياك وكرائم وأموالهم»، إذا أقر لك بالزكاة فلا تأخذ النفيس، وإنما خذ الوسط، خذ الوسط، كما أنك لا تأخذ النفيس لا تأخذ الرديء، هو لربما يعطيك خذ هذه خمسة، فإذا بها عجاف عجاف ضعاف مسنة، هذا ليه يأخذ زكاة لله عز وجل؟ كما أنك لا تأخذ منه الرديء ولا أنت تأخذ منه الغالي النفيس، خذ الوسط، الأصل الغالي الوسط في هذه الحيوانات خذه، واجعله صدقة لله، واجعله صدقة لله سبحانه وتعالى. قال: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وفي بيان ذلك على أن الظلم حرام، واتق أي اجعل بينك وبين دعوة المظلوم وقاية، اجعل بينك وبين المظلوم فاصل أنك لا تتعدى فتكون ظالمًا. وتأمل في سياق الحديث يستفاد أن أخذ كرائم الأموال ظلم. ونحن في مقام رجل يريد أن يأخذ شيء لله، ليس لنفسه، لله، وليس لنفسه، هذا الساعي الذي سيأخذ أنفس الإبل أو أنفس البقر، هل سيذهبها إلى بيته؟ لا، ما سيأخذ سيذهبها إلى بيته، وإنما هي لله، يحبسها في سبيل الله، يجعلها لله في مصارف الإسلام، ومع ذلك هذا يعد ظلم، انتبه هذا ظلم. إذا كان هذا في حق الذي أخذ من أموال الناس من النفيس ما أراده لله، جعل ظلمًا، فما ظنك بالذي يأخذ لنفسه؟ هذا ظلم أعظم وأشد. بهذا تعلم يا عبد الله حرمة الظلم، فلا تظلم الناس، لا في دمائهم بأن تستولي عليهم ضربًا وقتلًا وسفكًا للدماء وإزهاقًا للأرواح، ولا تتعدى كذلك على أموالهم بأن تأخذها من غير حلها، ما يجوز هذا ظلم. من أي حق يا عبد الله تأخذ مال فلان ومال فلان؟ يدخل في ذلك أنواع من السرقة والغصب والرشاوة والاختلاسات والغصب والحرابة والاستيلاء على أموال الناس، سواء كان بطرق ظاهرة أو طرق ملتوية كالخيانة، هذا ظلم في أموال الناس ما يجوز. أو الظلم في أعراضهم، كأن تتعدى وتتكلم فيهم بما ليس فيهم، فيه وفيه وفيه، ثم تنشر، ولا يقتصر الأمر على أن هذا بينك وبينه صاحب، بل تنشر كما يفعل الآن في التواصل الاجتماعي، الاعتداء على محارب وعلى أعراض العلماء وعلى أعراض الدعاة وعلى الأتقياء والأبرار، أو على جارك أو على صاحبك، إذا تخاصمت معه فأطلقت لنفسك العنان أن تتكلم في عرض هذا ظلم. فالظلم في الدماء والأموال والأعراض حرام ما يجوز. وفي هذا الحديث وفي قوله: «فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» دلالة على أن المظلوم دعوة مستجابة، على أن المظلوم دعوته مستجابة، فعليك أيها الظالم أن لا تستخف بها، أن لا تستخف بها. كم في المحاكم من قضايا تجد من المكلومين ضعيف ما عنده قدرة على أن ينصر نفسه أو أن ينصر قضيته، وذا قد أعد العدة، فسلب منه أرضية وسلب منه قطعة وأخذ أموال، ويعلم هذا الظالم أنه ما يستحقها، لكن اتكى على قوته وعلى قوة المالية وعلى ما عنده من أموال وضخ، فأخذ هذه الأموال، وذاك المظلوم مكلوم ينصف عليك، يذهب هنا لا، لا تستحقر يا عبد الله دعوة المظلوم، فليس بينها وبين الله حجاب. وفيه كذلك على أن المظلوم في حال مظلمته يتكع على ربه، لا تشتك عند الناس وأنت في حال مظلمتك، يأفلان: أنا مظلوم، يأفلان: أنا مظلوم، وتذهب إلى هذا الباب وتذهب إلى هذا الباب، صحيح هذا الأخذ من الأسباب في أنك تدفع عن نفسك المظلمة، لكن هناك باب يا عبد الله أعظم من هذه الأبواب، هو باب الله جل وعلا، فليس بين هذا الباب وبينك حجاب، ادع الله سبحانه وتعالى في أوقات الاستجابة، مع ما فيك من التضرع وما فيك من التذلل، فالله يستجيب لك. قال: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». هذا إخواني في الله خلاصة ما يتعلق بهذا الحديث العظيم، وهو حديث معاذ حينما أرسله نبينا إلى أهل اليمن يدعوهم إلى توحيد الله، ومن ثم إلى الصلاة، ومن ثم إلى الزكاة، وأن يتقي أنفس أموالهم. بقي مسألة نختم بها المقام إخواني في الله، ألا وهي: لماذا نبينا صلى الله عليه وسلم اكتفى من معاذ أن يقرر أهل اليمن بركنين اثنين بعد التوحيد: الصلاة والزكاة؟ طب أين الصيام؟ وأين الحج؟ لماذا ما أمره نبينا أن يقرر القوم بعد الزكاة وأعلمهم بصوم رمضان، فإنهم أقروا لذلك، فأعلمهم بحج بيت الله؟ لكن ما ذكر هذا، لم يأتي هذا ذكره. من هنا تنوعت عبارات العلماء لماذا أن النبي لم يطلب من معاذ أن يقرر أهل الكتاب ممن أسلم بشرعية وفرضية الصيام والحج؟ وذلك لعدة أمور. قال العلماء: أن ذلك إنما كان على حسب ترتيب الفرائض، هذا قول، أي أن النبي أراد من معاذ أن يبدأ معهم بما كان من تسلسل الفرائض، إذ أن أول الفرائض نزولًا الصلاة، ومن ثم الزكاة، أمره أن يبدأ بهذا الترتيب الزمني. وقيل: وكم هذا الأشهر عند العلماء أن ذكر الصلاة والزكاة لها شأن، لها شأن عظيم، فهما من العبادات الظاهرة، من العبادات الظاهرة التي تكاد تلازم كل مسلم، بخلاف الصوم، الصوم عبادة مستمرة في كل عام، لكنها باطنية، ما أحد يدري بصومك، أما الصلاة ظاهرة، والزكاة ظاهرة، الصوم باطني، الحج بالنادر، الحج في العمر كله مرة واحدة، بخلاف الصلاة والزكاة، فهي تكاد تستمر مع أصحابها في كل عام، والصلاة في كل يوم، فكانت لها شأن، ولهذا خصت بالذكر. حتى أن ربنا في القرآن في خطابه مع أهل الإيمان لكي يخاطب الكفار: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، يكفي أقروا فقط بالركنين، يكفي أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فإن لها شأن، فإن من العبادات الظاهرة هذا قول، ولهذا اكتفى نبينا من معاذ أن يقرر القوم بها بالصلاة والزكاة. الأمر الثاني: قال علماء أن شرعًا إنما اكتفى بالصلاة والزكاة لأن العبادات البقية والفرائض تندرج تحتهما، تندرج كيف ذاك؟ قال علماء: التوحيد هي عبادة القلب مع القول، قلب مع القول، وعبادة الصلاة بدن، وعبادة الزكاة مال، قال: فبقية الفرائض ستعود إلى هذه المسائل، إما عبادة قولية، وإما عبادة قلبية، وإما عبادة مالية، وإما عبادة بدنية، فالنبي إنما ذكر أجناس العبادات، ولهذا اكتفى بها، اكتفى بالصلاة والتوحيد والصلاة والزكاة؛ لأن بقية الفرائض تدخل فيها، هذا قول. قول آخر: قال العلماء: أن من قام بالصلاة والزكاة فإنه سيقوم بقية الأركان، من كان حريصًا على أن يؤدي خمس صلوات في اليوم والليلة طيلة عمره، ويحرص على أداء الزكاة من أحب الأموال إليه في كل عام، فهذا يعلم أنه سيصوم، سيصوم وسيحج، سيحج، وهذا المشاهد؛ لأن من قام على هذه الأمور الصعبة فإنما دونها أسهل وأهون. ولهذا قال علماء: اكتفى نبينا بمعاذ أن يقرر القوم بهذين الركنين وبهاتين العبادتين؛ لأن بقية الفرائض ستكون أسهل لمن أداهما. هذا ما يذكر إخوانا في الله في هذا الحديث من مسائل وفوائد. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.