شرح كتاب التوحيد 169

شرح كتاب التوحيد 169

الدرس في شرح كتاب التوحيد 169، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح باب قول الله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا

يبدأ الشرح ببيان أهمية التوحيد ومكملاته، حيث يشرح المؤلف الآية من سورة البقرة المتعلقة باتخاذ الأنداد من دون الله. يبين معانيها والمسائل المرتبطة بها.

عبادة الأصنام والأوثان وتجسيد الأرواح في معتقد المشركين

يشرح كيفية عبادة المشركين للأصنام والأوثان عبر تجسيد أرواح الكواكب والملائكة والصالحين في تماثيل، ويوضح أن القرآن بين لهم أن ما يعبدونه مجرد أحجار وأخشاب.

تفسير آية محبة الكفار للأصنام كمحبة الله وتأصيل المعنى الراجح

يفسر المقطع الآية القرآنية التي تشير إلى محبة الكفار لآلهتهم كما يحبون الله، ويختار المعنى الراجح بأنهم يساوون بين الله وآلهتهم في المحبة، مما يعد شركا.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم الشرح بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبرا عن الختام بالتوجه الدعوي والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب. وأشرنا إلى أن المؤلف رحمه الله تعالى ترك الترجمة، وقلنا: وصى في هذا الباب؛ لأنه اكتفى بالآية، فيكون المقصود قال رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في هذا المقام؛ وذلك للإشارة إلى مكملات التوحيد، كما سيأتي معنا في هذا الباب، والذي بعده، والذي بعده. وخص هذا الباب بما يتعلق بمحبة الله جل في علاء؛ إذ أنها من أعظم المقامات أن يكون الموحد محبا لله جل في علاء، محبا لربه سبحانه وتعالى. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، والتي تحتوي على عدة مسائل. ففي قوله جل في علاء: ﴿ومن الناس من﴾، أحرف التبعيد تدل على أن هذا فعل طائفة من أهل الكفر. ماذا كانوا يفعلون؟ ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله﴾، هذا التعبير كلمة "من" تأتي على أحد معنيين: إما أن تأتي بمعنى "مع"، أو تأتي بمعنى "غير". فيكون معنى "من دون الله" أي مع الله، أو غير الله. تحتمل على هذا المعنى أو تحمل على هذا المعنى. "من دون الله" إما مع الله، أو مع غير الله. ففي قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله﴾، أي يتخذ مع الله، أو يتخذ من دون الله، أي غير الله. كل هذا وارد، وهذا وارد، وتحتمله هذه الكلمة. ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا﴾، والأنداد جمع ند، والند هو الشبيه والنظير. فقد كان العرب قد اتخذوا أصناما وأوثانا، وجعلوها أندادا، ندا لله جل في علاء، جعلوها أندادا، ندا لله سبحانه وتعالى. قال سبحانه: ﴿يحبونهم﴾، أي أن الكافر عنده محبة لهذه الأصنام والأوثان. وهنا وقفة إخواني في الله، أقفها قليلا مع هذه الكلمات "يحبونهم". قد يقول قائل: وهل وصلت الغفلة بالكفار والمشركين أنهم يتخذوا الأشجار والأحجار آلهة، ثم يحبونها، ويعشقونها، ويعظمونها؟ هل بلغت بهم السفاهة إلى هذا الحد؟ هنا إخواني في الله ينبغي أن نفهم فلسفة الشرك عند المشرك الكافر. ليس بمجنون، ليس بخبل، رجل عاقل عربي يفكر ويعقل. فكيف يتخذ صنما أو وثنا ويعبده؟ ينبغي أن نفهم طبيعة الشرك عند العرب. العرب ملل وأصناف وطرائق. منهم من كان يعبد الكوكب، ومنهم من يعبد النجم، منهم من يعبد الشمس، منهم من يعبد القمر، منهم من يعبد الملائكة، منهم من يعبد الأنبياء كعيسى وعزير، منهم من كان يعبد الصالحين، كما عبد اللات. كان رجل صالح يلت السويق، فلما مات عبدوه. كيف يعبدونه؟ العبادة تحتاج إلى تجسيد، تحتاج إلى تجسيم. فهنا لابد لهم من توجه لهذا المعبود الذي اتخذوه آلهة. فيكون هنا تأتي مسألة التصوير، وهو جعل الأصنام، جعل التماثيل، جعل الأوثان، إشارة إلى آلهتهم الذي عبد من دون الله. فمن كان يعبد كوكبا كما فعل الصابئة في قوم إبراهيم عليه السلام، يعبدون الكواكب والنجوم، لكن أين الكواكب؟ أين النجوم؟ في الأفلاك. فجعلوا هياكل في المعابد ترمز للكواكب والنجوم، فيعبدونها بهذه الطريقة. وهكذا قسما. كان يعبد الصالحين، إذا أراد أن يعبد صالحا لابد أن يجسد هذا الصالح أمامه حتى يتوجه إليه. مثاله: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرى. هذه أسماء أسماء لأناس من أهل الصلاح، فلما ماتوا، وطال الأمد بأقوامهم، شكلوا لهم أصناما، ثم عبدوها. وبهذا تعلم يا عبد الله تفكير العربي عندما يعبد صنما أو وثنا، هو يعبد الروح، يتصور الروح. روح الكوكب، روح الملك، روح الصالح، تتوجد عند هذه الأصنام التي نصبوها لهم. ولهذا مثلا إذا ذهب العربي إلى صحراء قاحلة وأراد أن يعبد آلهته، إما أن يكون الآلهة موجودة عنده، يأتي بها من كيسه أو من جيبه، فيعبده. وإذا ما عبده، فإنه يجسد بنيانا، ثم يستلهم أن هذا الصالح قد حضر، فيدعوه، ويستغفر به، ويستنجد به. هذه هي طريقة العرب في عبادة الأصنام والأوثان. فهو يعلم أن هذا حجر، يقول: أنا بنيته، أنا صنعته. كيف أعبده؟ أنا ما أعبد هذا الشيء الذي ترونه، أنا أعبد الكوكب الذي جسدته في هذه التشكيلة. أنا أعبد الملك الذي صورته بهذه الصورة. أنا أعبد الصالح، أنا أعبد النبي، لكن جسدتم تسيدا أمامي، أمامي بهذه الهيئة حتى أتوجه إليه. وهذا ما يسمى الآن عندنا بالرمز. ولازال حتى عندما نبتلي بعبادة القبور، ابتلي بهذه الطريقة. حتى سمعنا من يأتي لنا بما يسمى "بالمشهد". المشهد عبارة عن ضريح، لكن هذا الضريح إن فتحته، ما هناك أحد داخله، فاضي. هم يعرفون هذا. يقول: هذا مشهد. من أين هذا المشهد؟ يقول: القبر الحقيقي في بلاد كذا، وأنه يصعب علينا الوصول إليه، فنحن سندعو، وسنستغيث، وسنستنجد به، ونطلب منه المدد. إذن حضوره لابد أن يأتي إلينا. كيف تأتون به؟ قالوا: نجسده بماذا؟ بمشهد. يقول: هذا مشهد الشيخ الفلاني، الولي الفلاني، مع أن قبره الحقيقي هناك، لكن يقربونه حتى يتجسد أمامهم، فيأتون إلى حضرته على حد زعمهم. هذه طريقة المشركين قديما وحديثا. فنفهم إخواني في الله هذه الطريقة. هنا ذكر ربنا جل وعلا شيئا من أعمال المشركين، إذا أندادهم وأصنامهم. ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم﴾، هنا المحبة لا تظن أنه يعشق هذا الخشبة لأنها من نوع الصاج، أو يعشق أو يحب هذا الصنم لأنهم يترى بالأحمر. لا، الأمر لا يتعلق بحبه للتشكيلة، وإنما حبه للروح التي حلت في هذا الصنم، وفي هذه الأوثان. طبعا هذه عقيدتهم، وهل هي صحيحة؟ الجواب: لا. إنما هذا من لعب الشيطان عليهم. ولهذا خاطبهم القرآن بالحقيقة الصحيحة: ما عندي أرواح، عندي أحجار، عندي أخشاب. فكروا. القرآن يخاطب العقول الصحيحة، الفطر السليمة. يا أيها العربي، أنت تجعل هذا تجعل أن هناك أرواحا، وهناك أنظمة في الكون تؤثر، لكن هذا خيال، هذا محال. ما هناك روح تلعب يمينا ويسارا، أو تتحكم. ما هناك إلا الله عز وجل. وفي حقيقة حالكم: إنما عبدتم أصناما، عبدتم أحجارة، هذا هو الواقع الذي تعيشونه. فالشاهد أن الله عز وجل أخبر أن من أفعالهم "يحبونهم"، فهم يحبون الأصنام والأوثان - بين قوسين - يحبون أرواح الصالحين، أرواح الأنبياء، أرواح الذي هم آلهة عندهم. طيب، ﴿يحبونهم كحب الله﴾، في هذه الجملة القرآنية تفسيران. ما معنى "يحبونهم كحب الله"؟ المعنى الأول: أي أن الكفار يحبون آلهتهم كما أنهم يحبون الله جل في علاء. والمعنى الثاني تفسير الآية: أي أن الكفار يحبون آلهتهم كما يحب المؤمن ربه. أن الكافر يحب آلهته والأنداد كما يحب المؤمنون الله. هذا التفسير الثاني. فعندي في هذه الآية تفسيران: إما أن الآية "يحبونهم كحب الله" تعود إلى حال الكافر فقط، أن الكافر يحب الله ويحب الأنداد، ويجعلهم سواء كحب الله. الكال التشبيه. وإما أن الآية فيها المقارنة بين محبة الكافر لنده ولآلهته، وبين محبة المؤمن لله جل في علاء. والصحيح في تفسير الآية: المعنى الأول، الراجح في تفسير الآية: المعنى الأول، وهو أن الكافر يحب الآلهة التي اتخذها من دون الله كما أنه هو يحب ربه، سواء بسواء. وفي هذه إشارة إلى موضوع الشرك، والذي لأجله سمي الكافر مشركا؛ إذ أنه شارك غير الله مع الله في العبادة. وأعظم عبادة زاحم فيها المشرك ربه مع نده: عبادة المحبة. عبادة المحبة. لنص القرآن: ﴿يحبونهم كحب الله﴾. فالكافر إخواني في الله هو أشرك مع الله، وساوى؛ لأن الله قد جعل مساويا. "إن كنا لفي ضلال المبين إذ نسويكم برب العالمين". الكافر اعترف يوم القيامة أمام الله، وأقر أمام الآلهة أنه كان يسوي آلهته بالله. السؤال هنا: نسويكم أي نساويكم بربنا برب العالمين؟ السؤال: الكافر اعترف أنه في الدنيا كان يساوي بين الند وبين الله. السؤال: في ماذا ساوى بينهما؟ هل في الخلق والإيجاد؟ لا؛ لأن الكافر هنا مقر بأن الله هو الخالق، هو الرازق، هو المحيي، وهو المميت. يعرف هذا. الكافر بل اعترف: "ولئن سألته من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم". الكافر يعترف ما هناك خالق إلا الله، ولا موجد للأكوان إلا الله. إذا كان الكافر ما ساوى بين الأصنام وبين الله في مسألة الخلق، ولا الإيجاد، ولا الإحياء، ولا الإماتة، إذن ساوى الله في ماذا؟ قال العلماء: ساوى الله في المحبة. بدليل هذه الآية: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾. فدل ذلك على أن من شرك الكفار أنهم ساووا محبة الله مع محبة غير الله. وبهذا نعلم أن من وصل به الحال إلى أنه جعل ما لله من محبة ساواها مع غيره فقد أشرك، فقد أشرك. فما ظنك بالذي يحب غير الله أعظم من محبة لله؟ فما ظنك بالذي لا يحب الله، بل يحب أنداد وحده؟ هذا أعظم شركا، وأعظم كفرا، وزندقة. بهذا إخواني في الله نعلم حقيقة مقام المحبة، وأن الله جل وعلا هو الذي يحب لذاته سبحانه وتعالى لا سواه. وأن مما أوقع الكفار في الشرك أنهم ساووا في محبتهم، فكانوا يحبون الله ويحبون غير الله، ومع ذلك ما كان ذلك دليل على إسلامهم، بل كان دليل على شركهم وكفرهم. هذا ما يذكر في هذه الآية من مسائل. أسأل مولانا جل وعلا أن يفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.