الدرس في قصة أيوب عليه السلام 4، إبرار اليمين - الدخيل على قصة أيوب عليه السلام - فوائد وعبر . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع مسائل متعلقة بقصة سيدنا أيوب عليه السلام، وأهمية الحذر من الدخيل في القصة. ناقش قضية إبرار القسم وأمر الله تعالى لأيوب بضرب امرأته.
ناقش المقطع الإسرائيليات والتأويلات البعيدة التي دخلت على قصة أيوب عليه السلام، وانتقدها بشدة. أشار إلى أمثلة من هذه الإسرائيليات والتأويلات.
تناول المقطع العبر المستفادة من قصة أيوب عليه السلام، وأهمية التأسي بأيوب في مواجهة البلاء. أشار إلى أهمية الصبر على البلاء وأن فرج الله قريب.
ختم المتحدث المقام بقصة أيوب عليه السلام بثلاث مسائل أساسية تتعلق بقدرة الله وعظمته. أكد على أهمية حسن الظن بالله وطلب من الله أن ينفعهم بما قيل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروسٍ خلت، إخواني في الله، كان حديثنا عن قصة أيوب عليه السلام، وأشرنا إلى أهم المسائل والأحداث التي وقعت في حياته، صلوات ربي وسلامه عليه. وهنا ناسب في ختام هذا المبحث أن أنبه على بعض المسائل المتعلقة بقصة أيوب، وهي في الحقيقة ثلاثة مسائل، أشير إليها إشاراتٍ سريعة. أولاها المسألة الأولى: قضية إبرار القسم، وأعني به ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنه أواب﴾. هذه الآية تتحدث عن أمرٍ من الأمور التي وقعت لأيوب عليه السلام، وهي من تمام عافيته. هذه الآية تتحدث عن قسم أبره أيوب عليه السلام، فأراد ربنا أن يتحلل منه. في الآية ليست عندنا تفاصيل كثيرة، لكن أكثر المفسرين ذهبوا إلى أنه أيمان أبرمه أيوب عليه السلام مع امرأته، أنه نوى وحلف على ضربها مئة ضربة. ومن أشهر الأسباب الذي استدعت هذا الأيمان، قيل: إن امرأته باعت ضفيرًا من ضفائرها لكي تشتري خبزًا لكي تطعم أيوب، فما ارتضى ذلك. وقيل: إنه أمرها بأمر، وأن ترجع إليه سريعًا فتباطأت وتأخرت، فأقسم عليها بهذا القسم، وهذا هو الشهير عند العلماء في كتب التفاسير. الشاهد أن أيوب عليه السلام أقسم بأنه إن عافاه الله سيضرب امرأته مئة ضربة. فلما جاءت العافية، وجد أيوب عليه السلام الحراج الشديد، ما مثل امرأته تعامل بهذه المعاملة امرأة صالحة صادقة صابرة صامدة وفية. فلا يكون الجزاء منها أن تضرب. فحينها أتى الله عز وجل بالفرج سبحانه، فأمره ربنا عز وجل بدل أن يضرب المرأة ضربة تلو ضربة مئة ضربة، أمره ربنا عز وجل بهذا الأمر: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾. الضغث بمعنى حزمة أعواد رقيقة طويلة خفيفة، الله أعلم بما هيّتها. هذه الأعواد تجمع حزمة مئة عود، تجمعها في حزمة، ثم بها اضربها ضربة واحدة، كما قال سبحانه: ﴿فاضرب به ولا تحنث﴾، أي لن تقع في حنث ولن تقع في إثم. فكان هذا فرجًا من الله عز وجل لأيوب عليه السلام. المسألة الثانية في قصة أيوب عليه السلام، والذي أحب أن أشير إليه في هذا المقام: الحذر من الدخيل. الحذر من الدخيل في قصة أيوب عليه السلام، قصة أيوب دخل فيها الكثير من الدخيل مما لا ينبغي أن يذكر فضلًا أن ينشر. والدخيل في قصة أيوب عليه السلام كان من أحد وجهين: إما دخيل جاء من قبل الإسرائيليات التي فيها الطعن والغمز في حق نبي من أنبياء الله، أو أن الدخيل في قصة أيوب عليه السلام من بعض التأويلات البعيدة التي ما ينبغي أن يحمل عليها كلام الله سبحانه. مثال الأول: الإسرائيليات التي طرأت على قصة أيوب عليه السلام، مثاله ما فيه أن أيوب عليه السلام عندما ابتلي بالذي ابتلي به جزع جزعًا شديدًا، وأظهر التسخط والتشكي وعدم الرضا بقضاء الله وقدره، وبعد ذلك تاب. وبعد ذلك - على حد زعمهم - أنه تاب وأناب. ومن الدخيل من الإسرائيليات كذلكم: أن الشيطان هو السبب في أنه أذهب كل شيء عن أيوب، هو الذي أذهب بماله وأهله وصحته وعافيته كل شيء، أي أن الشيطان له السلطة النافذة على أيوب، هكذا تحكي الروايات. وأيضًا مما يذكر في الإسرائيليات - مثلًا - على أن أيوب لما جاءته العافية، ومنها ما كان من استرداد أمواله، لم يكن فضلًا من الله وإنما هي هدايا، هدايا جاءته من أصحابه ومن أقربائه، فلا تزال الهدايا تغدق عليه حتى أصبح ذا مال. هذا الذي سمعتموه موجود في التوراة، في سفر يقال عنه: سفر أيوب. وكل هذا نقص وتنقص أيضًا من الإسرائيليات ما قد مر معنا ومضى في قصة أيوب، ما يذكر على أن أيوب عندما أصيب بمرض هذا المرض ألم به حتى أنه تعفن، فرمي في المزبلة ورمي في الكناسة. وقد مضى هذا معنا، وقد حذر العلماء من هذه الرواية الإسرائيلية. فالشاهد أن هذا دخيلٌ على قصة أيوب عليه السلام. ولا يلقى بنبي الله. الدخيل الثاني: وهو ما كان من التأويلات البعيدة. ولعل هذا التأويل قابل الإسرائيليات، الإسرائيليات أعمقت وهؤلاء أبعدوا. مثاله أنهم قالوا - مثلًا - في قول ربنا عز وجل: ﴿أركض برجلك﴾، قالوا: ليس معناه أنه يضرب الأرض، لا، ليس هذا المعنى، وإنما المعنى: أنه أثبت على ما أنت عليه، وكن على عزيمة وثقة بالنفس، ولا يأتيك اليأس من روح الله، هذا قالوا معناه: ﴿أركض برجلك﴾. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ووهبنا له أهله﴾، ما معنى وهبنا؟ قد ذكرنا الخلاف في كلمة وهبنا، هل أحياهم الله؟ هل أردهم؟ قالوا: لا، ليس المقصود هذا. وهبنا أهله بمعنى هديناهم. وهبنا بمعنى الهداية، بأن الله هدى أهلك على يديك، فآمنوا واستجابوا لدعوتك. وهكذا قالوا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثًا ولا تحنث﴾، قد أشرنا إلى هذه القصة آنفًا، قالوا: لا، هذا ليس هذا المعنى، وإنما المعنى: وخذ بيدك ضغثًا أي أنك لا تحمل رمحًا على قومك، ولا تعنف ولا تغلظ عليهم. قالوا: هذا معنى مفهوم الآية. وهكذا قالوا في قوله تعالى: ﴿هذا مغتسل بارد وشرب﴾، ما هو المعنى؟ وأن الله عز وجل أخرج له عينًا من تحت قدمه، قالوا: لا، ما عندنا عين ولا عندنا ما هذا مغتسل، المقصود بهذا الوحي المنزل، الوحي المنزل من الله، هذا الذي يتنزل عليك يا أيوب هو سبب في تطهيرك من حظ نفسك وحظ الشيطان منك. تأمل يا عبد الله إلى هذه الآيات، وانظر إلى التأويلات السمجة البعيدة كل البعد عن حقيقة واقع القصة. هذا معًا مذكور، ألفت مؤلفات تحت مسمى قصة أيوب عليه السلام، وأدخل فيها هؤلاء الدخلاء مثل هذه التأويلات. وهذا كله لا يصح، فلا ما يقع من الإسرائيلية يصح، ولا ما يذكر من التأويلات يصح. وقد ذكرنا في الدروس الماضية في قصة أيوب، مع الحرص على التحري ما صح من الآثار والأحاديث، ومن الأقوال المعتمدة من الأئمة، والتي عليها الجمهرة من العلماء والمفسرين. فعليك به، عليك يا عبد الله بما ذكر، ولا تخوض فيما قد أشرنا إليه. المسألة الثالثة والتي أختم بها المقام من التنبيهات على قصة أيوب عليه السلام: الاعتبار. الاعتبار بهذه القصة، إذ أن هذه القصة، إخواني، قد حوت على عبر وفوائد ودرر ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتأملها. وقد أطنب العلماء وأكثروا من تتبع الفوائد المذكورة في هذه القصة، ولست في مقام ذكرها وتعدادها، لكن حسب الإشارة السريعة إلى أهم ما نعتبره جميعًا من قصة أيوب عليه السلام. فيها أولًا: بيان لفضيلة أيوب عليه السلام، فهو المثل وهو القدوة الذي ينبغي أن يؤتسى به كل مبتلى. قال سبحانه: ﴿نعم العبد إنه أواب﴾. فيا من ابتليت ببلاء وأردت أن تأتسي، فعليك بعبد الله وبنبي الله أيوب عليه السلام، ففيه أسوة وقدوة لنا جميعًا. المعنى الثاني والفائدة الثانية: أننا نعلم أن الأنبياء لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعًا. هذا أيوب عليه السلام سلط عليه البلاء من ذهاب المال ومن ذهاب الأهل، وسلط عليه المرض، وما استطاع أن يملك ذلك لنفسه لا دفعًا ولا رفعًا، فالأمر لله من قبل ومن بعد. فيه إشارة إلى أن الأنبياء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرا، فكيف يملكون لغيرهم؟ الفائدة الثالثة فيها كذلك فائدة ما ينبغي على المسلم إذا ابتلي. إذا ابتلي، تتأمل يا عبد الله في قصة أيوب، حين ابتلي كيف مدحه ربه مدحًا على ما كان من صبره واحتسابه، وما جزع وما هلع وما أصابه القلق ولا الفزع. فهذه عبرة لكل صابر أن نستبر كما صبر أيوب عليه السلام. رابعًا: في هذه القصة بيان على أن بعد العسر يسرى، وأن دوام الحال من المحال، وأن فرج الله قريب، وأن من كان مع الله كان الله معه، فالصبر عاقبته حميدة. فمن ابتلاه الله بأمراض أو أسقام أو بفقر أو بضيق أو بنكبة أو بشدة، سواء فيه أو في أهله أو في عياله، فلا يزال يأمل من الله عز وجل أن الله يفرج عنه، ولا تسيء الظن بربك. وفي الحديث القدسي: «قال الله: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء». فلا يزال ظنك يا عبد الله حسنًا، إنما هو ابتلاء، والابتلاء ما يدوم، إنما هي شدة وستنفرج بإذن الله. خامسًا، وأختم به هذا المجلس: أن من فوائد هذه القصة: أن الله عز وجل يرزق من يشاء متى شاء كيف شاء بغير حساب، جل في علاه. ولله خزائن السماوات والأرض، ورزق الله لا تستعصيه يا عبد الله. كيف دعا هذا لله؟ ليس لك. تأمل تأمل في قصة أيوب عليه السلام، من أين جاءت الأرزاق؟ سحاب، من يصدق في علم البشر هذا خارج عن طوق البشر، بل هو للمحال أقرب. لكن أمر أراده الله، أرسل الله سحابتين، أولاها تمطر ذهبًا والأخرى تمطر فضة، وأيضًا أرسل الله عز وجل جردًا من ذهب. هذا أمر عند الله عز وجل، الله على كل شيء قدير جل في علاه. فالكون كونه، وخزائن السماوات والأرض ملكه، يفعل ما يشاء جل في علاه. فالإنسان إخواني في الله لا يستصعب على الله شيء سبحانه وتعالى، وإنما يحسن الظن بربه جل في علاه. هذه المسائل الثلاث أحببت أن أختم بها المقام في قصة أيوب عليه السلام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.