الدرس في قصة أيوب عليه السلام 3، رفع البلاء عن أيوب - عليه السلام - في نفسه وماله وذريته . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
استجاب الله لدعاء أيوب عليه السلام وأمره بضرب الأرض ليستحم ويشرب من الماء البارد، فكشف عنه المرض. كان أيوب عليه السلام يخرج لقضاء حاجته بمساعدة امرأته، وعاد إليها بعد شفائه.
رفع الله البلاء عن أيوب عليه السلام، وعادت إليه العافية في جسده وماله وأهله، واستند الشرح إلى أحاديث نبوية صحيحة. تم توضيح كيفية عودة العافية إليه بعد ابتلائه.
عوض الله أيوب عليه السلام عن ذريته التي فقدها، وهناك ثلاثة أقوال حول كيفية رجوع الذرية الأولى، إما في الجنة أو بإحياء الله لهم أو عودة الذرية إليه بعد عودته للصحة والمال.
يختتم الدرس هنا مع احتمال العودة لبعض المسائل في قصة أيوب عليه السلام في درس لاحق، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، ذكرنا ما يتعلق بعموم الابتلاءات التي ابتلى الله عز وجل بها عبده أيوب عليه السلام. وها نحن في هذا المقام، وفي هذا المجلس، سنبين كيف أن الله عز وجل استجاب لعبده أيوب عليه السلام حين نادى ربه: «أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين». فكان الجواب كما قال سبحانه: ﴿فاستجبنا له﴾. استجاب الله عز وجل لأيوب عليه السلام، فكشف عنه الضر والمس والأذى والتعب والنصب الذي أصابه عليه الصلاة والسلام. نبدأ في كيفية رفع هذه المصائب عن أيوب عليه السلام، بدءا بما كان من رفع المرض الذي ابتلاه الله عز وجل به. جاء الأمر في قول ربنا عز وجل: ﴿أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾. هذا فيها البشارة إلى إتيان العافية إلى جسده. أمره ربنا جل وعلا بهذا الأمر: «أركض برجلك». الركض هنا بمعنى الضرب، أي اضرب برجلك الأرض. فإذا فعلت ذلك، فحينها ستنبع من تحت قدمك عين ماء. هذا مغتسل بارد وشراب، وهذه آية من آيات الله. فما ظنك برجل مريض عليل؟ فما ظنك بضربه للأرض؟ سيكون ضربا خفيفا، لكنها آية من آيات الله. فهذا الضرب الخفيف أثمر هذه البركة العظيمة، أن الله فجر العين من تحت قدمه. وهذا يذكرنا بمثل هذه الصورة، كما سيأتي في قصة موسى عليه السلام، إذ كان يضرب بعصاه الحجر فتنفجر منه العيون. ومثلها قد مضى معنا في قصة إسماعيل عليه السلام، حين جاء جبريل، فكان يضرب بطرف جناحه، وفي رواية: بعقبه، ضرب الأرض فانفجرت منه زمزم. فالشاهد أن الله عز وجل لما أمر أيوب بأن يضرب برجله الأرض، ضرب، فخرجت ماء. ومن عجيب المياه الجوفية تكون ساخنة لسخونة الأرض، لكن هذا الماء خرج باردا على خلاف العادة. فقال ربنا عز وجل: «هذا مغتسل تغتسل منه وشرب وتشرب منه». وقال العلماء: والحكمة من ذلكم أن هذا الماء سيكون علاجا لما عسى أن أصابك من مرض ظاهري وباطني، علاج للأجساد الخارجية وللعلل الدافلية. وهنا الآن أورد حديثا من الأحاديث التي تبين كيف وقع هذا العلاج بالتفصيل، وهو ما رواه الإمام الحاكم وابن حبان من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كان أيوب يخرج لحاجته، فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ». كانت هذه طبيعة أيوب، إذا خرج لقضاء الحاجة يخرج إلى العراء، فكانت امرأته معه تمسك بيده لضعفه. فإذا ذهب حاجته، رجع، أخذت بيده وأرجعته إلى محله. قال عليه الصلاة والسلام: «فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحي إلى أيوب أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب». فاستبطأته، أي في هذا اليوم الذي خرجت كعادتها معها أيوب، ذهب لقضاء الحاجة. في هذا اليوم، عندما خل بنفسه، هنا جاءه الوحي يضرب برجلك، وصار الذي صار. امرأته ما تدري عن شيء، لكن استبطأته، ورأت أنه تأخر تأخر عن العادة، طبعا وهذا يثير الاستغراب أو المخاوف. ما الذي عسى أن يكون صار لأيوب عليه السلام؟ فأخذت تبحث عنه. وفي رواية: أنه جاءت إلى هذا المحل الذي تركته ليقضي حاجته. قال: «فاستبطأته، فتلقته تنظروا وقد أقبل عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو أحسن ما كان». يعني جاءت إلى هذا المحل، جاءها أيوب، لكن ليس الصورة التي فارقته، جاءها بصورة فيها من الجمال والكمال والبهاء والقوة والنشاط ما لم يكن كذلك، أحسن ما كان عليه السلام. وهي إلى الآن ما تعرفه، إلى الآن ما تعرفه. قال عليه الصلاة والسلام: «فلما رأته، أي رأت هذا الرجل، قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟» تسأله، ما تعرف أن هذا أيوب هو هو، غريب، لكنه بحيويته. قالت: «أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ والله ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحا، ويمين أنت». يعني تشبهه لما كان في عافيته. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني أنا هو». إني أنا هو، فاعترف بما كان من كرامة الله وإنعام الله. هذا الحديث، إخواني في الله، هو نفس القصة التي ذكرناها أمس في أمر الرجلين الذين دخلا على أيوب عليه السلام، وقال: «إنك لعلك أذنبت ذنبا». نفس الحوار هي نفس سياق هذه القصة. هذه القصة ما حالها؟ إذ أنها فيها إضاح لبعض معالم ما وقع لأيوب عليه السلام. هذه القصة رواها ابن حبان في صحيحه، وصححها، وهكذا الإمام الحاكم رواها في مستدركه، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وهكذا الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في التلخيص، قال: على شرط البخاري ومسلم. وهذا الحديث أيضا أورده الإمام الضياء المقدسي في كتابه المختارة، وقال: حديث صحيح. والهيثمي رحمه الله تعالى في مجمع الزوائد رواه هذا الحديث، وقال: رواه أبو يعلم والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح. وهكذا الإمام البوصيري رحمه الله تعالى قال: إسناده صحيح. وهكذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى أورد هذه القصة في السلسلة الصحيحة، وصحح إسنادها. فأنا تعمت بذكر التصحيح لهذه الرواية، لأن يوجد من الناس من أهل علم من أنكرها واستغربها. لكن على قول هؤلاء الثلة من الأئمة والحفاظ، فالحديث صحيح، بل منهم من صرح على أنه على شرط البخاري ومسلم، وأن رجاله رجال الثقات. فالشاهد أن هذا الحديث أظهر فيه ما أظهر فيه نبينا صلى الله عليه وسلم قصة أيوب عليه السلام، وكيف رجعت له العافية. هذا ما يتعلق برفع البلاء عن جسده. نأتي إلى المسألة الثانية، وهي في رفع البلاء عن ماله. ذكرنا في دروس خلت في أوائل الدروس، إلى أن أيوب عليه السلام قد آتاه الله عز وجل من الأموال من الثمار والأراضي والمحاصيل، ومن الخدم، ومن الذهب، ومن ومن إلى آخره. ثم سلب هذا منه ابتلاء أراده الله عز وجل. السؤال: كيف في حديث أنس هذا الذي ذكرنا صحته في تمامه، أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم كيف أن الله أرجع المال إلى أيوب؟ قال عليه الصلاة والسلام: «وكان له أندران: أندر للقمح وأندر للشعير». ما معنى أندران؟ أندران بمعنى مخازن، مستودعات. انصح التعبير: مخزن. فكان عنده مخزن للقمح ومخزن للشعير لحفظ القمح والشعير. قال عليه الصلاة والسلام: «وكان له أندران: أندر للقمح وأندر للشعير». قال: «فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت في الأخرى -أندر الشعير- الوَرِق حتى فاض». سبحان الله، أرسل الله سحابا، سحاب فوق مخزن الشعير، والآخر فوق مخزن القمح. السحاب التي فوق مخزن القمح، ما الذي أمطرت؟ لم تمطر ماء ولا قطرا، وإنما أمطرت ذهبا. سبحان الله، ذهب حتى فاض الذهب في المخزن. والسحاب الثانية من أمر ربه عز وجل أن الله أمرها أنها تمطر ورقا -بمعنى فضة- فأمطرت حتى امتلأ هذا المخزن. فما ظنك بمخازن تمتلئ ذهبا وفضة؟ هذا رزق الله، رزق الله. قد يكون بعض الناس يرى أن الحديث إن تكلم فيه، وهذا قد يكون ما يمكن أن يتقبل. مطر ينزل، سأعطيك ما هو أعجب من هذا في البخاري ومسلم. ما هو أعجب من هذا؟ جاء في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «بينما كان أيوب يغتسل عريانا»، يغتسل عريانا، قال: «فخر عليه رجل من جراد من ذهب». رجل جراد، ما معنى الرجل؟ معنى السرب، سرب، يعني هو وهو يغتسل، تخيل أثناء اغتساله يأتيه سرب جراد يتساقط عليه. الأعجوبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذهب». قال: الأعجب ليس جراد دابة طير فقط حشرة، لا بل مصنوعة من ذهب. وهذا في البخاري ومسلم. يا من تستشكل القصة الأولى، فما ظنك بهذه القصة، وهي في أصح كتب الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه». أيوب عليه السلام، أي واحد يرى هذه الآية العظيمة، ذهب يتساقط عليه، فترك الذي هو فيه وأخذ يحثي، أتى بثوبه وأخذ يغرف الذهب، وهو على شكل الجراد. فناداه ربه: «يا أيوب، ألم أغنك عن ذاك؟ أو ألم أغنك من فضلي؟ أما يكفيك الذي عندك؟» ذهب وفضة. فقال أيوب عليه السلام: قال: «بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك». بلى يا رب أغنيتني، لكن هذه بركة ما أفوتها، هذه بركة ما أفوتها. فأخذ أيوب عليه السلام هذا، وكان يذكر، طبعا العلماء يذكرون هذا من باب الطرفة من أيوب عليه السلام في حسن تأدبه مع ربه عز وجل. فشاهد أن الله أرجع له الذهب، الأموال. فتخيل إذا كان على القصة الأولى مخازن من ذهب وفضة، وعلى القصة الثانية سرب من جراد ذهب، ما الذي ترى أن الإنسان يصنع بهذا؟ سيشتري ويشتري ويشتري ما يحلو له: الأراضي والعقارات والمحاصيل والدواب، ويأتي بالخدم والحشم. فرجع الله عز وجل له المال. المسألة الثالثة والأخيرة وهي العافية في أهله. ذكر العلماء كما مضى على أن أيوب عليه السلام كانت عنده ذرية ذهبت عنه في طرفة عين، على أقوال كثيرة. لسنا في صدد تتبع كيف ذهبت هذه الأسرة والذرية الكريمة. لكن أخبر ربنا عز وجل على أن الله أعاد ذلك إليه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ووهبنا له أهله ومثلهم معهم﴾. وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وآتيناه أهله ومثلهم معهم﴾. وهبنا وآتينا، وهذه الآيات التي تخبر عن تعويض الله لأيوب عليه السلام في ذريته، أخبرت على أن التعويض جاء في مسألتين أو في صورتين اثنتين: أن ما مضى رجع، وأن الله عوّضه بشيء قد سيأتيه فضل من الله طيب. ما سيأتي وهو أن الله وهب له مثل أهله، هذا لا إشكال فيه. بمعنى أن الله عز وجل عندما رد العافية لأيوب، أصلح الله له أهله وأصلح الله له زوجه، فأصبحت تحمل وتنجب، فأصبحت تنجب نفس العدد الذي أنجبته منذ قبل. على قول من يقول: بأن كان لأيوب عشرة، فأنجبت بعد رفع البلاء أنجبت عشرة. ومنه من قال: سبع ولد سبع ذكور سبع إناث، أنجبت سبع ذكور سبع إناث. هذا بنص القرآن. ما إشكال عندي في هذه المسألة أن الله وهب لأيوب مثل أهله، هذه الزيادة ما عندي إشكال. الإشكال الذي وقع بين العلماء: الذرية الأول التي ذهبت، كيف رجعت؟ هنا وقع الخلاف بين أهل العلم، والخلاف كثير. لكن حسب أن أشير إلى ثلاثة أقوال لها حظ من الوجاهة. القول الأول: قول من قال: أهله الذين قد مضوا، كيف وهبهم الله وآتاهم الله لأيوب؟ قالوا: بمعنى أن الله ردهم إليه في الجنة، رده إليهم في الجنة، وأقر عينه بأهله الذين توفاهم الله في حياته، أن الله سيجمعهم بهم في الجنة مع الذرية التي سيعوض عنهم في الدنيا. أي سيكون له ماذا؟ حظين من الذرية: من مضى سيعودون له في الجنة، وما سيأتي في حياته سيعوض. كما قلنا الذي سيأتي ما في إشكال عندي، الإشكال في هؤلاء الذين مضوا. القول الثاني: وهو قول الكثير من المفسرين على أن الله قد أحيا له الذرية من أبنائه الذين قضوا نحبهم، أماتهم الله أحياهم الله لأيوب كرامة لأيوب عليه السلام. وهذا كما قلنا قول جماعة من السلف، نقل عن مجاهد وعن الحسن وعن قتادة، قال به الإمام الطبري رحمه الله تعالى، والقرطبي والإمام السعدي، بل حتى قال البغوي رحمه الله: قال: وهو قول أكثر المفسرين. أكثر المفسرين على أن الله أحيا من مضى من أبناء، أماتهم الله أحياهم الله، ثم أتى له بالذرية الجديدة. هذا القول الثاني وهو الشهير. القول الثالث: قول من يقول: لماذا نركز على مسألة أنهم ماتوا؟ ما عندي دلالة على أن الذرية الأول ماتوا. فيحمل جماعة من أهل العلم على أن القصة وما صار فيها على أن أيوب عليه السلام عندما ضعف حاله، ذهب ملكه وزال ماله وذهب صحته، وأصبح في وهل من أمره. قد مر معنا في حديث أنس، قال عليه الصلاة والسلام: «فرفضه القريب والبعيد»، رفضه تركوه. فحمل جماعة من أهل العلم إلى أن أبناءه تركوا، تركوا أيوب، ما استطاعوا أن يعيشوا من ذات أنفسهم، أو أن أيوب أرادهم أن يبتعدوا. ستبقوا معي على ماذا؟ لا شيء عندي، لا مال، لا مأوى، لا سكن، لا عشرة. لا يحمل هذا. والله تعالى أعلم. فقال: ذهبوا فشردوا وابتعدوا عنه وتقطعوا في الأراضي، إلى أن جاءت العافية والصحة، ورجع المال والملك لأيوب عليه السلام. حينها جمع الله عليه ذريته الذين تفرقوا عنه، فتجمعوا. هؤلاء من كل حدب وصوب، ورجعوا إلى كنف أبيهم، مع ما كان من العوض من الذرية الجديدة. هذا قول، قال به جماعة من أهل العلم. وممن انتصر له الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، يرى أن هذا هو الصواب: أنهم إنما بدليل أنا ما عندي، قال: في القصة أنهم أماتهم الله، وليس عندي في القصة أن الله أحياهم، وإنما: «آتيناه أهله»، «وهبنا له أهله». ما قال: «أحيا له أهله». فالشاهد: مسألة خلافية بين أهل العلم. سواء قلنا هذا أو قلنا ذاك، فإن المسألة لا زالت تحت نظر العلماء. فالشاهد، إخواني في الله، بهذا الموجز السريع، علمنا كيف أن الله عز وجل استجاب لأيوب عندما قال: «مسني الضر وأنت أرحم الراحمين». فاستجبنا له، فرجع له الله العافية في بدنه، ورجع له المال في ملكه، ورجع له أولاده من ذريته. وهكذا هو عطاء الله، كما يقال: الله إذا أعطى أدهش، إذا أعطى أدهش، جل في علاه. نقف إلى هذا الحد، ولعلنا في درس قادم نبقى مع بعض المسائل في قصة أيوب عليه السلام. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.