الدرس في قصة أيوب عليه السلام 1، أيوب - عليه السلام - زمنه ونبوته , وبلاؤه في ماله ونفسه . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع قصة نبي الله أيوب عليه السلام، ويذكر الفترة الزمنية التي عاش فيها. جاء ذكره في القرآن أربع مرات.
ناقش المقطع أسباب ابتلاء الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام، وأشار إلى أن الابتلاء قد يكون لرفع الدرجات وليس فقط بسبب الذنوب.
ابتلاء أيوب عليه السلام بدأ بذهاب أمواله ثم ابتلاه الله بنفسه بأمراض شديدة، مع توضيح عدم صحة بعض التفاصيل المروية عن ابتلائه.
هذا المقطع يختتم درس الابتلاء الثاني لأيوب عليه السلام ويشير إلى استكمال باقي الابتلاءات في درس لاحق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، بعد انتهائنا من قصة شعيب عليه السلام، نتابع في هذه السلسلة المباركة حول أنبياء الله ورسله، وإن ممن يناسب ذكره في هذه الفترة الزمنية هو نبي الله أيوب عليه السلام. أيوب عليه السلام نبي من أنبياء الله الكرام، جاء ذكره في القرآن أربع مرات. سيئة الحديث عنها في محلها وفي أوقاتها، لكن مما أحب أن أبتدئ به من المسائل المهمة هو معرفة الفترة الزمنية، لأن أيوب عليه السلام وقع الخلاف بين أهل العلم أين كانت فترة مدته ومكثه، أين كان ومتى كان، أي المرحلة الزمنية على أقوال. لكن أكثر الروايات عند المؤرخين تدل على أن زمنه هو في هذه الأزمان، أي من بعد إبراهيم وإسماعيل ويعقوب وإسحاق، قريبا من زمن يوسف عليه السلام، هو بهذه الفترة. ولهذا بعض العلماء يذكر أن أيوب عليه السلام هو من سلالة إبراهيم، ومنهم من يرى أنهم من سلالة يعقوب عليه السلام، ومنهم من يجعل له رابطة بين أيوب وبين يوسف، وأنهم أبناء عمومة، ومنهم من ذكر أن زوجة أيوب اختلف العلماء فيها، قيل أنها ابنة يعقوب، وقيل أنها حفيدة يعقوب عليه السلام، واسمها رحمة هكذا ذكر. فالشاهد أن أكثر الروايات تدور على هذه الفترة، على أن أيوب عليه السلام هو في هذه الفترة الزمنية، وهذا الذي جعل الكثير من العلماء من المؤرخين كابن كثير في البداية والنهاية أن يذكره في مثل هذه الفترات بعد يوسف عليه السلام، لقرب عهده بهم. فالشاهد من هذه المقدمة سنعلم لماذا تم اختيار أيوب في هذه الفترة الزمنية، إذ أنه قريب من زمن يعقوب ومن زمن يوسف عليه السلام. أما أيوب عليه السلام في المواطن التي ذكر فيها اسمه في القرآن، لم تذكر لنا شيئًا عن مسألة نبوته ورسالته والقوم الذي أرسل إليهم، وما هي عقيدة قومه، وبماذا ناقشهم، بماذا جادلهم إلى آخر هذه الأشياء، لم تذكر قط في حياة أيوب عليه السلام. هذا جعل بعض الناس يرى أن أيوب عليه السلام ليس بنبي، ليس بنبي وإنما هو رجل صالح، مثله مثل من؟ مثل لقمان، لقمان جاء ذكره في القرآن بمواعظه وبنصائحه، وهو ليس بنبي وإنما هو عبد صالح آتاه الله الحكمة. قالوا مثله أيوب، لأن ما عندنا شيء عنه، ما عندنا شيء يدل على قومه، أين أرسل، بماذا دعاهم، ماذا كانوا عليه. فهذا الذي جعل بعض الناس يرى أنه ليس بنبي وإنما هو عبد ورجل صالح. والجواب في هذا الباب أن هذا خلاف ما عليه جماهير العلماء، فإن جماهير العلماء يرون أن أيوب عليه السلام نبي من أنبياء الله، وذلك بنص القرآن، بنص القرآن كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾. فربنا عز وجل ذكر أيوب من جملة الأنبياء الذين أوحى الله إليهم، إذن هو من عداد أنبياء الله ورسله، فهذا أمر ما يمكن أننا نفاوض فيه، بل هو نبي كريم. ذكر الله عز وجل أمرًا واحدًا في قصة أيوب، وهو ما كان من صبره، ما كان من صبره. ولعل هذه القضية البارزة في قصة أيوب عليه السلام هي التي أغنت عن ذكر ما سواها من الأحداث، لأن أحداث الأمم قد جاء ذكرها في الأنبياء من قبل ومن بعد. لكن حياة أيوب عليه السلام أشارت إلى حدث عظيم، وهي الصبر على البلاء، الصبر على القضاء والقدر. فلعظيم هذا الحدث أغنى عن ذكر باقي القضايا التي قد ذكرت عن قبله وعن بعده من الأنبياء. ولهذا قال سبحانه وتعالى واصفًا هذا الحدث: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، إن وجدناه صابرًا، هذا الحدث العظيم الذي ضفر به أيوب عليه السلام. أما ما يتعلق بمحل بعث أيوب، وأين كان الذي عليه العلماء، على أن أيوب عليه السلام كان في بلاد الشام تحديدًا، تحديدًا في منطقة يقال لها حوران، وهذه منطقة الآن تذكر على أنها في شمال سوريا وفي جنوب الأردن، وعلى أخص التحديد يعني من ناحية الجغرافية الحديثة هي الآن تقريبًا في محافظة درعة، هذه المنطقة هي حوران، وهي التي بعث فيها أيوب عليه السلام ونشأ، ووقعت له هذه الوقائع العظيمة. نبدأ بذكر قصة أيوب عليه السلام، وما الذي كان؟ أيوب عليه السلام كان من أنبياء الله جل وعلا، وآتاه الله عز وجل الخير الكثير، ليس فقط الخير الديني من النبوة، بل كذلك الخير الدنيوي، إذ أن الله عز وجل أعطاه من المال الكثير، بل من صنوف الأموال، ليس مالًا محددًا، بل صنوف الأموال. أعطاه الله عز وجل من الأراضي بما فيها من المحاصيل والثمار، أعطاه الله عز وجل كذلك من المواشي من الأغنام والأبقار، وأعطاه الله عز وجل كذلك ما أعطاه من الذهب والمزارع. وحدث يا عبد الله عن هذا الأمر من الأموال أنعم الله عز وجل عليها لأيوب عليه السلام، وأيضًا أعطاه الله الذرية، أعطاه الله الذرية، فكان لهم من الولد العدد الكثير، على اختلاف بين العلماء كم عدد أولاده من الذكور والإناث، لكن الله عز وجل أعطاه العدد الكثير. هذه الأموال والأرزاق والنعم التي كانت عند أيوب عليه السلام، جاء أمر الله عز وجل بأن الله يبتليه في هذه الأموال وفي الأنعام والأرزاق والخيرات التي أنعمها الله عز وجل على أيوب. قبل الخوض في ذكر أنواع الابتلاءات وقفة، وهي لماذا ابتلى الله عز وجل أيوب؟ لماذا أنزل الله هذه الابتلاءات تلو الابتلاءات على عبده الصالح؟ للعلماء في ذلك أقوال وآثار وأنظار. منهم مثلًا من عرج على مسألة وهي أن إبليس لما كان مع الملائكة سمع باسم هذا العبد الصالح أيوب، وأنه يذكر بالمحمدة يذكر في الملأ الأعلى بالمنقبة، لا زالت الملائكة تذكر صيته وتذكر اسمه، حتى أن إبليس تمالكه الحسد على عظم صيت أيوب عليه السلام، فسأل ربه أن يصلطه على هذا الإنسان لكي يفتنه في دينه، فصلطه الله على أيوب، فتصلط الشيطان على أيوب على ماله وعلى أولاده وعلى أهله وعلى كل شيء من حياته. نعم، هذا أثر ذكره بعض المفسرين كالطبري وغيره، لكن صحيح أن هذا الأثر لا يصح، فهو من الإسرائيليات، وأيضًا قابله العلماء بالنكارة كما صرح بهذا الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى. ولهذا ابن كثير ما أورد هذه القصة بهذا الطول وبهذه الغرابة، هذا سبب. لكن هناك سبب آخر، أن من سبب ابتلاءات الله لأيوب أن أيوب حضر زمن فرعون، بل ودخل على فرعون ورأى المنكرات والمخالفات التي تحصل من فرعون وسكت عنه، سكت عنه ولم يبلغ دين الله ولم ينكر المنكر ولم يأمر بالمعروف، فحينها ألحى الله عز وجل إلى أيوب عليه السلام حين قال: سكت عن فرعون، استعد للبلاء، فأنزل الله عليه البلاء تلو البلاء. وهذه القصة كذلك وإن أخرجها بعض العلماء، لكنها لا تصح، إذ أنها من الإسرائيليات، ولا يظن هذا الظن بنبي كريم أنه يسكت عن المنكرات. وقصة قريبة وهو سبب ثالث، من جعل أن أيوب عاشر رجلًا جبارًا ملكًا ظالمًا وحضر في محضره ولم ينكر عليه، ولم ينكر عليه، وهذا الأثر ذكره ابن عساكر رحمه الله تعالى عن أبي إدريس الخولاني، وهو كذلك لا يصح، فهو مأخوذ من الإسرائيليات. وسبب رابع قيل: أن أيوب عليه السلام دخل عليه داخل وقال: يا أيوب، أتدري فيما ابتلاك الله؟ قال: فيما؟ قال: أنك لم تحمد الله على نعمائه ولم تشكر الله على نعمه، فابتلاه الله، فكان هذا سبب بليته، أنه ما كان من الشاكرين، وهذا أثر عن سفيان بن عيينة، لكن أين سفيان وأين واقعة أيوب عليه السلام بينهم مئات السنين، فلا شك إن صح هذا عن سفيان فإنما أخذه من الإسرائيليات. الشاهد أن ما أذكره ها هنا من مسألة لماذا ابتلى الله عز وجل أيوب عليه السلام، ما عندي نص صحيح صريح واضح يمكن أن نستدل به في هذه القضية. كل ما سمعتموه إنما هي عبارة عن إسرائيليات، وهي ما خلت من الطعن والغمز في أنبياء الله، وما ينبغي أن تقبل. وزد على ذلك يا عبد الله، ولماذا تذهب الأذهان إلى أن الابتلاء ما يكون إلا بسبب ذنب؟ هذا ليس لازم، ليس شرط أن يكون بسبب ذنوب ومخالفات، لربما كان الابتلاء لسبب رفع الدرجات، وهذا الظن بأنبياء الله جل وعلا أنهم على أحسن حال، لكن الله عز وجل أراد أن يجعل منهم من هو قدوة لأمته وللأجيال من بعده، فرفع الله قدرهم بهذه الابتلاءات. فليس من شرط الابتلاء أن يقع أن يكون بسبب منكر أو خطأ أو زلل حصل من هذا النبي أو من ذاك. الشاهد نرجع إلى ما كنا عليه، أن أيوب عليه السلام هو نبي صالح، أعطاه الله عز وجل من النعم ما أعطاه، فأراد الله عز وجل أن يبتليه. وقلنا أن سبب الابتلاء الله أعلم، وما سمعتموه ما صح منها شيء، ولا يمكن أن نجزم به. طيب، بدأت الابتلاءات، أول ما كان من الابتلاء هو ذهاب الأموال، أول ابتلاء من هذه الابتلاءات ذهاب الأموال. ذهبت أمواله تدريجيًا، تدريجيًا، قيل: أولًا الأراضي، الأراضي الفدانات الهكتارات من المساحات الزراعية والمحاصيل والمزارع والثمار، هذه أول ما ذهب عنه بسبب القحط والجدب والجفاف، لم تمت سنة بعد سنة حتى جاءها الجفاف، فيبست. على إثر ذهاب الأراضي والمزارع جاءت الآفة الثانية، وهو ذهاب المواشي، المواشي من الأبقار والأغنام وما كان معه ذهبت بذهاب طعامها، فذهبت. ثم بعد ذلك جاءت الحوادث التي أخذت أولاده الواحد تلو الآخر حتى فنوا جميعًا، فهذا كله ذهب عن أيوب عليه السلام، فأصبح وحيدًا ليس معه شيء من الأموال بعدما كانت بيده. هذا أولًا، ثانيًا الابتلاء الثاني أن الله عز وجل ابتلاه بنفسه، ابتلاه بنفسه، وذلك بأن الله عز وجل سلط عليه الأمراض والأوبئة والأسقام حتى أنهكت أضعفته جدًا كما ستأتي معنا الروايات، أضعفته جدًا، بل قال: «ربي أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين»، مسني الضر، أي مسني الوجع والألم والمرض والضعف والوهن، مسني الضر. واختلف العلماء في مسألة الضر، ما الذي عسى أصاب أيوب عليه السلام من الضر؟ طبعًا في هذا المقام العلماء تناقلوا الأخبار بعدة علل ابتلى الله عز وجل بها أيوب عليه السلام. منهم من قال: أن الضر الذي مسه عبارة عن انقطاع الوحي، ذهب بعيدًا، قال: انقطاع الوحي هو الضر. وقيل: هي شماتة الأعداء، أن الأعداء شمتوا به. وقيل: أن الضر أنه إذا أراد أن يقوم للعبادة ما استطاع أن يؤديها، هذه الأقوال نعم مأثورة، لكنها لا تسمى ضر، ما تسمى ضر. إذن الضر هو مرض هنا، طائفة من العلماء نعم حاولوا أن يلتمسوا الأمراض التي أصيب بها أيوب عليه السلام. منهم من قال: أنه أصيب بحمى، حمى لازمته، من فك عنه. ومنهم من قال: أنه أصيب بمرض جلدي، عبر بعضهم بين قوسين بالجدري، أصيب بالجدري، وتنوعت الأقوال في هذا المضمار. لكن مما أحب أن أنبه عليه أن من الناس من تمادى في ذكر الأمراض والأوجاع التي أصابت أيوب، بعضهم تمادى لكي يظهر مدى صبر أيوب عليه السلام، لكن بصورة ما تلغ بنبي مثله. تجد أن بعض وهذا يوجد في بعض كتب المؤرخين وبعض المفسرين، على أن الضر الذي أصابه أنه أصيب بمرض لدرجة أنه تعفن، حتى أن الدود ظهر وأخذ الدود يظهر على جسمه وعلى صدره، وأكل كل عضو من أعضائه، حتى بعضهم ذكر إثنى عشر ألف دودة، عدها إثنى عشر ألف دودة تسلطت على جسد أيوب عليه السلام. ومنهم من ذهب إلى أن أيوب عليه السلام من شدة ما أصابه من هذه المسائل والروائح، أنه أخرج إلى المزبلة، إلى كناسة، إلى مزبلة، وبقي فيها سنوات مرميًا. وآخر يقول: بأن أصيب بالأكلة، الأكلة، أي أن أعضائه تقطعت، وأن اللحم خرج، وما بقيت إلا العظام، هذا ما ينبغي، هذا ما ينبغي أن يذكر في حق نبي كريم أن يوصف بهذه الأوصاف التي تنفر منها النفوس وتشمئز منها الأسماع. ما ينبغي ينبغي لأنبياء الله جل وعلا أن يبقى لهم من الصيانة ومن المهابة حتى في أمراضهم، ما يوصف بهذا الوصف، أنه محل الديدان، أو أنه يرمى به في مزبلة، وترك في كناسة، هذا ما يصح. وقد نبه العلماء على ذلك، ولأن أكثر ما تأتي به هذه الأقوال من الإسرائيليات. يعلم منهم يقول: يقول إمام القاسم رحمه الله تعالى، قال: وقد روى المفسرون ها هنا في بلاء أيوب روايات مختلفات بأدلة واهية، لا يقام لها عند أئمة الأثر وزن، لا يقام لها، يعني أشياء مختلفة كما سمعتم، ومع ذلك ليس لها وزن. وعلى إثر هذا قال إمام الغزالي رحمه الله تعالى، قال: وقد ذكر بعضهم أمورًا لا يجوز اعتقادها بالنسبة لبلاء أيوب، وهي منقولة عن إسرائيليات لم تصح، إسرائيليات لم تصح، ثم ذكر مسألة الديدان، مسألة الرمي في المزبل، إلى آخره، ثم قال: إلى غير ذلك من الحكايات المنقولة عن التوراة المحرفة، أو هي أقوال من أهل الكتاب، هذه مصادرهم. فالذي يعول على هذه الأشياء فما ينبغي، فالشاهد إخواني في الله أن الله عز وجل أصاب أيوب عليه السلام بمرض، وهذا المرض شديد، أنهك، أضعف، أجلس، أقعده، نعم، لكن ما بعد هذا من التفاصيل الذي ما ينبغي أن نتمادى به، فينبغي للإنسان أن يقف عندها. هذا هو الابتلاء الثاني، ولعلنا في درس غد بإذن الله نذكر ما بقي من الابتلاءات التي ابتلي بها أيوب عليه السلام. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.