الدرس في شرح العقيدة التدمرية 11، ألقاها
يتناول هذا الفصل شرح تقابل العدم والملكة وتعريف الملكة والعدم المقابل لها، ثم ينتقل إلى آراء الباطنية في رفع النقيضين الوجود والعدم. يُفصّل شيخ الإسلام آراءهم ويفندها.
يفسر هذا الفصل مفهوم امتناع ما لا يقبل الوجود والعدم، ويوضح أن ما لا يقبل النقيضين أقرب إلى المعدوم، بينما ما يقبل النقيضين أقرب إلى الممكن والوجود. يستند الشيخ إلى أن قبول النقيضين أقرب إلى الوجود.
يشرح هذا الفصل استدلال شيخ الإسلام على وجوب اتصاف الله تعالى بالصفات الكمالية، حيث يرى أن ما جاز في حق الله وجب له، وأن صفات الله لا تتوقف على غيره. كما يؤكد أن الله أحق بالكمال لأنه معطيه.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، كنا في الدرس الماضي ذكرنا أننا سنعرف العدم للملكة فيما بعد، وأخذنا الكلام على شرح الفقرات، ونسينا ما نذكر التعريف، سنذكره الآن إن شاء الله لمن أراد أن يكتبه. تقابل الملك والعدم، نعم، تقابل العدم والملكة، قالوا: المراد بالملكة كل معنى وجود، إما أن يكون ثابتا للشيء إما بحق جنسه كالبصر للإنسان، أو بحق نوعه ككتابة زيد، أو بحق شخصه كالنطق للرجل. وأما العدم المقابل لها فهو ارتفاع هذه الملكة. هذا تعريف، ولو تعريف آخر لعله أخصر وأوجز، وهو أن المتقابلان بالعدم والملكة أمران: أحدهما وجود، والآخر عدم ذلك الوجود، لا مطلقا، بل من موضوع قابل له، كالبصر والعمى، والعلم والجهل. فإن العمى عدم البصر عما من شأنه البصر، والجهل عدم العلم عما من شأنه العلم. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين، الوجود والعدم، ورفعهما كجمعهما. قوله رحمه الله تعالى: وهؤلاء الباطنية تقدم معنا من هم الباطنية، والإشارة بقوله الباطنية إلى أنهم الذين يصرحون بهذا الأمر برفع النقيضين. فقال شيخ الإسلام رحمه الله: وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين، برفع النقيضين الوجود والعدم، قال: ورفعهما كجمعهما، أي في الامتناع، فكما أن رفع النقيضين ممتنع، فكما أن الجمع بين النقيضين ممتنع، فرفعهما كذلك ممتنع؛ لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان معا، اجتماعهما ممتنع وارتفاعهما معا كذلك ممتنع. لا يتصور هذا ولا هذا، فكما ذكر، قال: برفع النقيضين الوجود والعدم، كان يقال مثلا: لا موجود ولا معدوم، وموجود معدوم، موجود معدوم، الجمع بين النقيضين لا يجتمعان، ولا كذلك يرتفعان، وموجود معدوم واضح، ولا أن يقول: لا موجود ولا معدوم؛ لماذا؟ لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان معا أبدا، بل هذا من الممتنعات عند جميع العقلاء، عند جميع العقلاء. لذا ذكر هذا الأمر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن هذا قول لهؤلاء الباطنية، وسيأتي الكلام على غيره. قال رحمه الله: ومنهم من يقول: لا أثبت واحدا منهما، فامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت الذي لا يعبر عن الحقائق. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الصنف الأول من هؤلاء الباطنية من يقول برفع النقيضين، قال: ومنهم من يقول: لا أثبت واحدا منهما، لا أقول: موجود، يعني لا أنفي فأقول: لا موجود ولا معدوم، ولا أثبت فأقول: موجود معدوم، ماذا إذن؟ يقول: أنا متوقف، حقيقة قولي أنه متوقف، لا أثبت شيئا ولا أنفي شيئا، ما حقيقة قوله؟ حقيقة قولي أني متوقف في هذا الأمر. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله: وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر، أي إما الوجود وإما العدم، قل: لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، واضح. يأتي إنسان يقول: أنا لا أستطيع أن أثبت شيئا ولا أنفيه، نقوله: إثباتك للشيء أو نفيه لا يغير حقيقة ذلك الشيء، واضح. مثلا رجل رأى الشمس فقال: أنا متوقف هل هذه الشمس أو لا؟ هل نقول له: إذن ليست هناك شمس؛ لأنك متوقف في أمرها؟ أم نقول: أن الشمس موجودة، وجهلك بأن هذه هي الشمس لا ينفي أن تكون هي الشمس، واضح. فكذلك يقال في حق هذا، كونك تجهل أن الله جل وعلا موجود لا يلزم من ذلك نفي وجود الله جل وعلا، واضح. فهذا خلاصة الكلام هنا، فيقول شيخ الإسلام: وامتناعه عن إثبات أحدهما أي الوجود أو العدم في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، إنسان جاهل لا يعلم شيئا، هل جهله بالمعلوم يلزم منه نفي ذلك المعلوم؟ الجواب: لا. قال: وسكوت الساكت الذي لا يعبر عن الحقائق، أي لا قدرة له على التعبير عن الحقائق، فهذا لا يغير الحقائق، الحقائق حقائق، وكونك تجهلها أو تسكت عن التصريح بها هذا لا يغير الحقائق، بل حقائق ثابتة، واضح. قال رحمه الله تعالى: وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعا مما يقدر قبوله لهما، فما يقدر لا يقبل الحياة ولا الموت إلى آخره. قوله رحمه الله تعالى: كما تقدر معنى فيهما مضى، يقول الشيخ الإسلام: وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم، هل هذا ممتنع أم ممكن؟ كون الشيء لا يقبل الوجود ولا العدم، هل هذا ممتنع أم ممكن؟ ممتنع، بل هو كما مر معنا أنه من أشد الأشياء امتناعا. فيقول الشيخ الإسلام رحمه الله: وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعا مما يقدر قبوله لهما، أي ما يقدر قبوله للوجود والعدم، معنى فيهما عنه، أي معنى فيهما عن ذلك الشيء، أي كونهما الوجود والعدم في آن واحد في الشيء ممتنع، كون الشيء الواحد موجودا معدوما في آن واحد ممتنع، لكنه أشد امتناعا من ماذا؟ أشد امتناعا من تقدير الشيء أنه لا يقبل لا الوجود ولا العدم، كما مر معنا. فيقول شيخ الإسلام: وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعا مما يقدر قبوله لهما، معنى فيهما عنه، قال: فما يقدر لا يقبل الحياة ولا الموت إلى آخره، قال رحمه الله تعالى: أقرب إلى المعدوم. يقول شيخ الإسلام: فما يقدر لا يقبل لا يقبل الحياة ولا الموت إلى غير ذلك، الآن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فرغ من مسألة الوجود والعدم، يعني يقول شيخ الإسلام: يقول الشيخ الإسلام رحمه الله: وإذا كان ما لا يقبل وجود ولا العدم أشد امتناعا مما يقبل الوجود والعدم، معنى فيهما. يقول الشيخ الإسلام: انتقل كالنتيجة، قال: فما يقدر لا يقبل الحياة ولا الموت، لا يقبلها، يقول: ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام والخرس، والعمى والبصر، ولا السمع ولا الصمم، قال: أقرب إلى المعدوم؛ لأنه أقرب إلى ما ذكر أولا من أنه لا يقبل الوجود ولا العدم، واضح. هذا؛ لأنه أقرب إلى أصله، ما هو أصله؟ الشيء الذي لا يقبل الوجود ولا العدم، فالشيء الذي لا يقبل الوجود ولا العدم كذلك فرعه أنه أشد الأشياء امتناعا، وفرعه أن ما لا يقبل السمع ولا الصمم، العلم ولا الجهل، الحياة ولا الموت هو كذلك من أشد الأشياء امتناعا، بالنسبة لماذا؟ بالنسبة للقابل لهما. ولذا قال الشيخ رحمه الله: قال: أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يقدر قابلا لهما، معنى فيهما عنه، واضح. قال رحمه الله: وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلا لهما أقرب إلى الوجود والممكن. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: وحينئذ، هذه نتيجة، يقول: وحينئذ فنفيهما، أي نفي النقيضين، نفي النقيضين، قال: مع كونه قابلا لهما، مع كون المحل قابلا للنقيضين، يقول: أقرب إلى الوجود والممكن، واضحة. يعني الآن نتصور هذا كما سمعتم، ما لا يقبل المحل، وهذا يقبل المحل، وهذا الممكن، أيهما أقرب إلى الممكن؟ هذا أم هذا؟ ما لا يقبل أو ما هو قابل؟ ما هو قابل أقرب إلى الممكن، واضحة. ماذا سنستفيد من هذا؟ وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلا لهما أقرب إلى الوجود والممكن، أقرب إلى الوجود والممكن، أن وضحها، عملا، فإذا كون المحل قابلا لوجود لوجود النقيضين، معنى فيهما أقرب إلى ماذا؟ أقرب إلى الامكان، وكلما كان أقرب إلى الامكان كان أقرب إلى ماذا؟ أقرب إلى الصواب. واضحها؛ لأن الله جل وعلا واجب الوجود، وواجب الوجود أقرب إلى الامكان أو أقرب إلى الامتناع؟ أيهما أقرب منه؟ الممكن، واضحها. الآن شيخ الإسلام كما يقال يسير مع هؤلاء خطوة خطوة، يسير معهم خطوة خطوة، الآن أثبت لهم أن ما لا يقبل المحل هذا أشد الأشياء امتناعا، فلا يتقابل مع ماذا؟ مع واجب الوجود، ما يقبل ما يقبل اتصاف أو قبول النقيضين هو أقرب إلى ماذا؟ إلى الممكن، واضح. وما كان قابلا للممكن، قال رحمه الله: وما جاز لواجب الوجود قابلا وجب له؛ لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود القبول وجب. الآن الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى بهذه النتيجة وصل إلى ماذا؟ إلى نتيجة أخرى، فيقول: الآن نتدرج بالأفكار، يا جماعة، نتدرج بالأفكار وننظر كيف هذا الإمام رحمه الله تعالى سهل الله جل وعلا له العلم ويسره له كيف يتدرج ويسير خطوة خطوة مع هؤلاء. فيقول: أنتم يا جماعة شبهتم الله جل وعلا بماذا؟ بالأشياء التي أشد الأشياء امتناعا، وهو ماذا؟ قلتم أن المحل غير قابل لماذا؟ للنقيضين، واضح. ثم أثبت لهم شيخ الإسلام أن ما يقبل نقيضين مع نفيهما عنه أقرب إلى ماذا؟ إلى الوجود والإمكان ممن لا يقبل الوجود، واضح. مما لا يقبل النقيضين، ثم انتقل أن ما كان كذلك هو ماذا؟ أقرب إلى إيش؟ إلى الإمكان، واضح. وما كان أقرب إلى إمكان أي أقرب إيش؟ إلى الجواز، أن يكون جائزا في حق الله أقرب أن يكون ماذا؟ جائزا في حق الله، واضح. ومعنى هذا أننا كما ذكرنا كما ذكر أولا في الوجود والعدم، أيهما أقرب إلى الحق؟ ما يقبل أو ما لا يقبل؟ ما يقبل، واضحة. طيب ننتقل الآن إلى ماذا؟ كونه حيا ليس بحي، أيهما؟ كونه عالم جاهل، أيهما أقرب إلى الحق؟ ما كان لا يقبل أو ما كان يقبل؟ ما كان يقبل، واضحة. فالآن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تسلسل فيقول: ما كان كذلك، معنى في معنى أقرب إلى ماذا؟ أقرب إلى الامكان والجواز، واضحة. أقرب إلى الامكان والجواز، فإذا كان أقرب إلى الامكان والجواز، انتقل إلى أمر آخر. فماذا قال رحمه الله تعالى؟ قال: وما جاز لواجب الوجود قابلا، أي ما جاز أن يتصف به واجب الوجود من الصفات قابلا، أي كون الرب جل وعلا قابلا لهذه الصفات، واضح. قال: وجب له، وجب له، واضح. انظروا كيف انتقل: ما جاز لواجب الوجوب، ما جاز أن يتصف به واجب الوجود من الصفات، ما جاز مثل الوجود، مثل العلم، مثل الحياة، مثل السمع، إلى غيرها من الصفات. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ما جاز لواجب الوجود أن يتصف به؛ لأنه ماذا؟ لأنه قابل لاتصاف به، يقول: وجب، وجب له، أي وجب أن يتصف به؛ لماذا وجب أن يتصف به؟ قال رحمه الله تعالى: لعدم توقف صفاته على غيره، هل صفات الله جل وعلا حتى يتصف بها سبحانه وتعالى متوقف على غيره أو متوقف عليه وحده سبحانه وتعالى؟ عليه، واضح. فليست متوقف على ماذا؟ على غيره. فإذا ما جاز في حق الله جل وعلا وجب له، ما جاز في حق الله جل وعلا ماذا؟ وجب له، واضح. فيقول الشيخ الإسلام رحمه الله: قال: لعدم توقف صفاته على غيره، قال: فإذا جاز القبول، أي قبول المحل للصفات وجب، قال: وإذا جاز وجود المقبول، أي وجود الصفات وجب، أي وجب اتصافه سبحانه وتعالى بالصفات. انظروا يا جماعة كيف تسلسل مع هؤلاء القوم من الممتنع الذي هو من أشد الأشياء امتناعا إلى الممتنع الذي هو أقرب من ماذا؟ الذي هو قريب من الإمكان، ثم انتقل من الإمكان إلى ماذا؟ إلى الوجوب، وهذا يا جماعة يدل على ما يدل على تسلسل أفكار، يدل على تسلسل أفكار هذا الإمام رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: وقد بسط هذا في موضع آخر، وبين وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجود، وحاصله: أن كل كمال أمكن أن يتصف به الخالق فماذا؟ فهو أحق به، وهو واجب عليه، وهو واجب أن يتصف به، كل كمال، واضح. كل كمال في الممكن جاز الخالق سبحانه وتعالى أن يتصف به، فاتصاف به ماذا؟ فاتصاف به واجب. وهذا ما يسميه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواطن من كتب رحمه الله تعالى، وله رسالة في ذلك سماها الأكملية، وهذه الرسالة الأكملية ذكر فيها أصلين، حاصله: أن كل كمال أثبت للمخلوق فهو ماذا؟ فهو أحق به، واضح؛ لأن معطي الكمال أحق بماذا؟ أحق بالكمال. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.