شرح العقيدة التدمرية 42

الدرس في شرح العقيدة التدمرية 42، ألقاها

الرد على اعتراضات المتكلمين حول تقابل العدم والملكة

يرد شيخ الإسلام على اعتراض المتكلمين حول تقسيمهم لتقابل العدم والملكة، ويبين بطلان اعتبارهم للإمكان الخارجي في هذا التقسيم. يستدل باللغة العربية والقرآن الكريم على صحة وصف الجمادات بالصفات المعنوية.

بطلان اصطلاح الفلاسفة في وصف الجمادات

يتناول الرد على شبهة عدم إمكان وصف الجمادات بالحياة أو الموت، مستدلاً بالشرع واللغة على بطلان هذا الاصطلاح الفلسفي. يبين أن اللغة العربية تسمح بوصف الجمادات بأوصاف مثل الحياة والموت والنطق والسكوت.

إثبات الصفات الإلهية ودلالتها على استحقاق العبادة

يناقش دلالة اللغة والقرآن على إثبات الصفات الإلهية، ويستدل على إمكان اتصاف الله بالصفات الكمالية. يبين أن نفي صفات الكمال عن الله يلزم منه التنقص في حقه وعدم استحقاقه للعبادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الوجه الخامس أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الخارجي وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج كان هذا باطلا من وجهين. هذا الوجه الخامس الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ردا على من اعترض على أهل السنة والجماعة في الطريقة أو بالطريقة العقلية التي أثبت بها أهل السنة والجماعة ما أثبت من الصفات، ودللوا على أن العقل يوافق النقل ولا يناقضه ولا يخالفه. فأتى القوم بمسألة المتقابلات أنها أربعة أقسام، وأن ما ذكر عن أهل السنة والجماعة لا يستقيم على هذه التقسيمات الأربعة، فبين الشيخ رحمه الله تعالى ضعف هذا التقسيم أولا باعتبار أن التقسيم يتداخل إلى نقيضين حقيقة، ثم بين أوجه سبعة تبين بطلان هذا التقسيم. فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الوجه الخامس أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، يعني جعلوا الضابط في تقابل العدم والملكة أنه إنما يكون فيما يمكن اتصافه بثبوت تلك الصفات. فإن عنيتم بالإمكان الخارجي وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، أي في الواقع خارج الذهن، كان هذا باطلا من وجهين، أي كان تقسيمكم لتقابل العدم والملكة بهذا الاعتبار لم يكن هذا الاعتبار صحيحا بل هو باطل وباطل من وجهين. قال: أحدهما أنه يلزمكم أن تكون الجمادات لا توصف بأنها لا حية ولا ميتة ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، وإلا فالعرب يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت، وقد جاء القرآن بذلك. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۖ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت، والعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والموتان. قال أهل اللغة: الموتان أمواتان، يقال: اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان، أي اشتر الأراضي والدواب ولا تشتر الرقيق، وقالوا أيضا: المواد ما لا روح فيه. قال: فإن قيل: فهذا إنما سمي مواتا باعتبار قبوله للحياة التي هي إحياء الأرض، قيل: وهذا يقتضي أن الحياة أعم من حياة الحيوان، وأن الجماد يوصف بالحياة إذا كان قابلا للزرع والعمار. والخرس ضد النطق، والعرب تقول: لبن أخرس، أي خاثر، لا صوت له في الإناء، وسحابة خرساء ليس فيها رعد ولا برد، وعلم أخرس إذا لم يسمع له في الجبل صوت صدا، ويقال: كتيبة خرساء، قال أبو عبيد: هي التي صمتت من كثرة الجروح، ليس لها قعقاع. وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت، فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه، بخلاف الخرس فإنه عجز عن النطق، ومع هذا فالعرب تقول: ما له صامت ولا ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإبل والغنم، والصامت من اللبن الخاثر، والصموت الدرع التي إذا صبت لم يسمع لها صوت. ويقولون: دابة عجماء وخرساء لما لا ينطق ولا يمكن منه النطق في العادة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «العجماء جبار»، وكذلك في العمى تقول العرب: عمى الموج يعمي عميا إذا رمى القذى، والزبد والأعميان السيل والجمل الهائج، وعمي عليه الأمر إذا التبس. قال: وهذه الأمثلة قد يقال في بعضها: إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به كالصوت، ولكن فيها ما لا يقبل كموت الأصنام. الوجه الأول في الرد على هذه الشبهة الذي في الوجه الخامس الذي يبين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن القول بأن تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه، إن أريد به الإمكان الخارجي، هو باطل من وجهين. أحدهما أنه يلزمكم أن تكون الجمادات لا توصف بأنها لا حية ولا ميتة، والجماد هو ضد الحي، وهو ضد ما كان جامدا ليس فيه حياة، كالأراضي والأحجار والأشجار وما شابه ذلك. قال: وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، كما تقدم معنا في أوائل هذا الكتاب، أول من قال به الفلاسفة المشاؤون، ثم تتابع الناس عليه، حتى ظنوه اصطلاحا مستقرا لا عيب فيه، وإنما هو اصطلاح من اصطلاح الفلاسفة منقوض بالشرع واللغة. فالشرع دل على خلاف هذا الاصطلاح، وكذا اللغة التي هي لغة العرب، وهذا المبحث صراحة قد مر معنا في أن هذا الاصطلاح باطل، ويدل على بطلانه الشرع، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۖ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾، وصفهم الله جل وعلا بأنهم أموات غير أحياء. فأثبت لهم صفة الموت ونزع عنهم ضدها، وهو الحياة، ثم قالوا: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت. فاستحلالكم بأن الجماد لا يوصف بحياة ولا موت استحلال باطل، جاء القرآن بنقيضه، وببيان أن الجماد يوصف بذلك الوصف، وهذا أمر آخر أن اللغة لغة العرب بينت أن العرب نطقوا وتكلموا بهذا الأمر. فإنهم يطلقون على الأشياء الجامدة بأنها إما حية وإما ميتة، وإما ناطقة وإما ساكتة، وإما خرساء أو ناطقة أو ما شبه ذلك، فالحاصل أنهم ذكروها بأوصاف، والناظر في كلام العرب يجدونهم يصفون هذه الجمادات إما بوصف أو بنقيضه. ويكون لكل واحد منهما معنى، أحدهما معنى ثبوت والآخر معنى عدم أو معنى سلب، إما أن يصفوها كما جاء القرآن: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾، هذا أثبت لها الموت وسلب عنها الحياة، وأحيانا يذكر الوصف ويذكر نقيضه، يذكر الوصف ويذكر نقيضه. فيقول كما جاء يقال: بأنها صامت، ويقال بأنها ناطقة، كما جاء في ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من الأمثلة، قال: «اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان»، للموتان اشتر الحيوان، وقال: «اشتر الموتان»، وكذلك الحيوان بمعنى الأراضي والإبل والبقر والغنم إلى غير ذلك. فالحاصل أن اللغة دلت على ما دل عليه القرآن، ودل القرآن واللغة على ما قاله أهل السنة والجماعة من أن هذه الجمادات توصف بالوصف ونقيضه، بالوصف أو نقيضه، بمعنى إما أن نثبت لها الحياة أو عدم الحياة وهو الموت. وإما أن نصف لها الموت بالعكس وننفي عنها الحياة، فإذا إما أن نثبت لها الوصف وننفي عنها خلافه أو العكس، وهذا هو المقصود، أن إذا أثبتنا صفة نفينا عنها ضدها، فنقول في الجدار مثلا: ليس بحي، فهو ميت. وإذا نفينا أحد الوصفين أثبتنا ضده، وهذا هو المقصود، واضح، وإذا نفينا عن الله جل وعلا مثلا الموت أثبتنا له صفة الحياة، وإذا نفينا عنه العجز أثبتنا له صفة القدرة، وهكذا قل في بقية الصفات. لأن سلب أحد الوصفين المتضادين يستلزم إثبات الآخر، واضح، سلب أحد الوصفين يستلزم إثبات الآخر، وإثبات أحد الوصفين يستلزم سلب الآخر، وهذا هو المقصود. الوجه الثاني قال رحمه الله: الثاني أن الجمادات يمكن اتصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصى موسى حية تبلع الحبال والعصي. وإذا كان في إمكان العادات كان ذلك مما قد علم بالتواتر، وأنتم أيضا قائلون به في مواضع كثيرة، قال: وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة، ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها بذلك، فيكون الخالق أولى بهذا الإمكان. وإن عنيتم الإمكان الذهني وهو عدم العلم بالامتناع، فهذا حاصل في حق الله، فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع والبصر والكلام. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الوجه السادس أن يقال: هب أنه لا بد من العلم بالامكان الخارجي، فامكان الوصف للشيء يعلم تارة بوجوده له أو بوجوده لنظيره أو بوجوده لما هو أولى بذلك منه. ومعلوم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ثابتة للموجودات المخلوقة وممكنة لها، فإن كانت للخالق تعالى أولى وأحرى، فإنها صفات كمال وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في حقه فلو لم يتصف بها لاتصف بأضدادها. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الوجه السابع أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته، سواء سميت عماء وصمما وبكما أو لم تسم، والعلم بذلك ضروري. فإن إذا قدرنا موجودين أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم والآخر ليس كذلك، كان الأول أكمل من الثاني، قال: ولقد عاب الله سبحانه من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات. فقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾، وقال أيضا في قصته: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، وقال تعالى عنه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾. إلى آخر ما ذكر ربنا جل وعلا في هذه الآيات، وذكر عن موسى عليه السلام أنه قال في الذين عبدوا العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾، اتخذوه وكانوا ظالمين. وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فأن من لم يكن متصفا بصفات الكمال فلا يستحق أن يكون إلها، فمن نفي للرب جل وعلا صفات الكمال فقد تنقص الله جل وعلا، ويلزم من ذلك التنقص أن يقول بأن الله جل وعلا يستحق أن يكون إلها أن يعبد. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على