الدرس في شرح العقيدة التدمرية 10، ألقاها
شيخ الإسلام يبين كيفية الرد على الغلاة والمعطلة الذين ينفون الأسماء والصفات عن الله، ويشرح أن نفيهم يؤدي إلى التعطيل وتشبيه الله بالمعدومات أو الممتنعات. يوضح أن هذا النفي يعتبر أقبح من التشبيه بالموجودات.
يتناول المقطع شبهة فلسفية تقول إن نفي النقيضين عن الله تعالى جائز، ويرد عليها بأن نفي النقيضين معًا ممتنع عقلًا. يشرح أن الوجود والعدم يتقابلان تقابل السلب والإيجاب، ونفيهما معًا مستحيل.
انتقد المقطع الفلاسفة على تناقضهم في اعتبار الوجود الواجب، مشيرًا إلى أنهم فروا من مشكلة وقعوا في ما هو أسوأ منها. ثم اختتم بالدعاء والاستغفار، مما يدل على انتهاء الدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وإن كان المخاطب من الغلاة نافين للأسماء والصفات، قال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، إذ هي مجاز؛ لأن إمام التشبيه بالموجود الحي العليم القدير. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما ترون، يتدرج من الفرقة التي أثبتت بعض الصفات ونفت بعضًا إلى فرقة أخرى نفت الصفات وأثبتت الأسماء، إلى الغلاة النافين للأسماء والصفات. وهؤلاء الغلاة، كما مرّ معنا في أول الدرس، يدخل فيهم الجهمية، ويدخل فيهم كذلك القرامطة، ويدخل فيهم كذلك الفلاسفة. فالكل معطلة تعطيلًا محضًا، وإن كان بعضهم أشد تعطيلًا من بعض. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى: وإن كان المخاطب من الغلاة نافين للأسماء والصفات، قال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، إذ هي مجاز. وهذا على أحد التفسيرين في مذهب الجهمية. فالجهمية تارة يقولون: نثبت لله جل وعلا الأسماء والصفات، وتعطيلًا محضًا، يقولون: هذه الأسماء المذكورة في الكتاب والمذكورة في السنة لا نثبت لله جل وعلا منها شيئًا أصلًا. لماذا؟ لأنها تستلزم التمثيل، والتمثيل في حق الله جل وعلا ممتنع. ومنهم من يدخل في باب آخر، فيقول: إن هذه الأسماء نثبتها في حق المخلوق حقيقة، وأما في حق الله جل وعلا فنثبتها مجازًا. فنثبتها مجازًا، أي لا حقيقة. قال رحمه الله تعالى: لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير. لماذا نفوا وعطلوا؟ قالوا: لأنه يستلزم إذا أثبتنا الله جل وعلا الأسماء أو أثبتنا له الصفات، لزم أن نمثله وأن نشبهه بالمخلوقات الموجودات. فقالوا: نحن علمنا ما أردتم به المعتزلة وما أردتم به كذلك الأشاعرة، فنحن لا نثبت بعض الصفات، بل ولا نثبت شيئًا لا من الأسماء ولا من الصفات؛ لأننا إذا أثبتنا شيئًا من الصفات فإنها تماثل الصفات المخلوقين، وإذا أثبتنا شيئًا من الأسماء فإنها تماثل أسماء المخلوقين، والله جل وعلا منزه عن ذلك كله. فقالوا: لا نثبت لله جل وعلا شيئًا من الأسماء ولا من الصفات؛ لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير. فإذا هم فرّوا من التمثيل أو من التشبيه، زعموا وقعوا في التعطيل. لذا يقول العلماء: كل معطل ممثل؛ لأنه مثل أولًا ثم عطل ثانيًا. قال رحمه الله: قيل له: وكذلك إذا قلت ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات. هذه أول حجة يدلي بها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مع هؤلاء، فيقول لهم: قيل له أن يقول المثبت: يقول المثبت من أهل السنة والجماعة لهؤلاء المعطلة: يقال لهم: وكذلك إذا قلت ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات. إذ من كان ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، إلى غير ذلك من الصفات والأسماء، هل هو له حقيقة أم هو في حيز العدم؟ الجواب: أنه معدوم. إذن أنتم فررتم من تشبيه الله جل وعلا بالموجودات، فشبهتموه بالمعدومات، وتشبيه واجب الوجود بالمعدومات أقبح من تشبيهه بالموجودات الممكنة. قال رحمه الله: فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات، قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات؛ فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف ذلك باجتماع الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو العلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل. ثم انتقل هؤلاء المعطلة من شبهة إلى شبهة أخرى، ما هي شبهتهم الأخرى؟ قالوا: نحن نقول إننا ننفي السلب وننفي كذلك الإثبات. في قولهم: أنا أنفي النفي، أي أنفي السلب، وأنفي كذلك الإثبات. قالوا: نقول: إن الله عز وجل لا نقول: موجود معدوم، ولا نقول: لا موجود ولا معدوم. قال: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات؛ لأن النقيضان يجتمعان في الممتنعات. النقيضان لا يجتمعان، لذا يقول العلماء: اجتماع النقيضين من الممتنعات. قال: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات. فإذا قلت في حق الله جل وعلا: لا أقول بأنه موجود معدوم، ولا أقول بأنه لا موجود ولا معدوم، شبهت الله جل وعلا بالممتنعات. قال: فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، هل يتصور في الشيء الواحد أن يكون موجودًا معدومًا في وقت واحد وفي آن واحد؟ لا يتصور. قال: أو لا موجود ولا معدوم، كذلك قولهم: لا موجود ولا معدوم في الشيء الواحد، هل هذا ممكن؟ هذا كذلك من الممتنعات. قال رحمه الله تعالى: ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، يقال: موجود معدوم، يقال: موجود معدوم. ونفي الوجود والعدم ممتنع، وإثبات الضدين معًا والنقيضين معًا كذلك ممتنع. قال: ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل. يعني: يمتنع في الشيء الواحد أن يقال فيه: موجود معدوم، أو يقال فيه: حي ميت، أو يقال فيه: عالم جاهل. قال: أو يوصف بنفي الوجود والعدم، يقال: لا موجود ولا معدوم، لا حي ولا ميت، لا عالم ولا جاهل. ثم قال رحمه الله: فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة، تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب؛ فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت؛ إذ ليس بقابل لهما. هذه شبهة ثالثة لهؤلاء، قالوا: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلا لهما. أي عما يكون قابلا للنقيضين. قالوا: وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة. المقصود بالعدم والملكة هنا: الملكة قبول الوصف، والعدم ضده. قالوا: لا تقابل السلب والإيجاب؛ فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت؛ إذ ليس بقابل لهما. قالوا: فهكذا كذلك نقول في حق الله جل وعلا: ننفي عنه النقيضين؛ لأن المحل غير قابل، فيصح أن ننفي عنه النقيضين. قال رحمه الله: قيل لك أولًا: هذا لا يصلح في الوجود والعدم؛ فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقل، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر. هذا أول جواب على هؤلاء، يقول: لو هب أننا سلمنا لك في الصفات الأخرى، لكن في الوجود والعدم لا يكون إلا من باب تقابل النقيضين. فقال: وأما ما ذكرته من الحياة والموت والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلًا على نفي الحقائق العقلية. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۖ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فسمى الجماد ميتًا. وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم، أنهم يسمون الجمادات أو يصفون الجمادات بهذه الصفات. قال: قيل لك ثانيًا: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر ونحو ذلك من المتقابلات، أنقص مما يقبل ذلك. فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما. فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، وصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك. قال: وأيضًا، فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم. قال: بل ومن اجتماع الوجود والعدم ونفيهما جميعًا، امتناع اجتماع الوجود والعدم أشد من امتناع عدم قابلية المحل للوجود والعدم. قال: ونفيهما جميعًا أيضًا، أن يقال في الشيء: لا موجود ولا معدوم، ممتنع، وأشد منه امتناعًا أن يقال في الشيء: إنه غير قابل للوجود والعدم. قال: فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم. يعني: فررتم من تشبيه الله جل وعلا بشيء، فوقعتم في تشبيه الله جل وعلا الذي هو واجب الوجود بشيء هو أشد امتناعًا. قال: وإذا كان هذا ممتنعًا في صريح العقول، فذاك أعظم امتناعًا. فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد. وهؤلاء كما سمعتم فروا من شيء، فوقعوا فيما هو شر منه. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.