شرح العقيدة التدمرية 43

الدرس في شرح العقيدة التدمرية 43، ألقاها

مفهوم توحيد العبادات وعلاقته بالإيمان بالشرع والقدر

توحيد العبادات يتضمن إفراد الله بالعبادة والإيمان بخلق الله وأمره وقدرته. كما يشمل الإيمان بالقدر كجزء من توحيد العبادات.

مراتب الإيمان بالقضاء والقدر وتوحيد العبادات

الإيمان بالقضاء والقدر يشمل مراتب عند أهل السنة والجماعة، ويعتبر جزءًا من توحيد العبادات. الله أمر بعبادته وحده وأرسل رسله وأنزل كتبه لذلك.

حقيقة العبادة ومتطلباتها في الإسلام

العبادة تتطلب كمال الذل لله والحب له، وتتضمن طاعة الله وطاعة رسوله. العبادة الصحيحة خالصة لله وحده وتشمل الخوف والمحبة معًا.

تعريف دين الإسلام ومضمونه العام

دين الإسلام هو الدين المقبول عند الله تعالى، ويتضمن استسلامًا لله وعبادته وطاعته. جميع الأنبياء جاءوا بهذا الدين العام.

التفريغ النصي الكامل

أشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كثيرًا، وبعد، قال رحمه الله تعالى: وأمر أصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا. هذه العبارة أيضًا مما أشكل معناها على الشراح، باعتبار ما معنى هذه العبارة، وهو قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأمر أصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا. فذكر بعضهم أن المراد بهذا أن توحيد العبادة هو إفراد الله عز وجل بالعبادة، وهو أصل الشرع ومداره، فعبادة الله عز وجل وحده إثمًا جامعًا لما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال الظاهرة والباطنة، فهو بهذا الاعتبار جماع الشرع. قالوا: وأما ما تضمنه الإيمان بالقدر، فلأن إفراد الله تعالى بالعبادة يتضمن إفراد الله عز وجل بالربوبية، والربوبية يدخل فيها إفراد الله عز وجل في ملكه، في أمره، في خلقه وأمره وتدبيره، ويدخل في هذا عموم خلق الله سبحانه وتعالى لكل شيء، ويدخل فيها أفعال العباد، كما يدخل فيها عموم مشيئة سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن هذه الأمور كلها بقدر الله عز وجل وبعلم الله عز وجل، فيجب الإيمان بها. فمن هذا الباب أدخل القدر في باب توحيد العبادة، أن الله عز وجل قدره وخلقه، أن الله عز وجل قدر وشاء سبحانه وتعالى وخلق، فباعتبار هذا الأمر أن الإنسان يعلم أن الله عز وجل قدر مقادير السماوات والأرض وقدر مقادير كل شيء سبحانه وتعالى، فيعلم أن الله عز وجل هو المقدر بهذا الأمر، فيؤمن بذلك، فيدخل في توحيد العبادة باعتبار إيمانه بهذا الأمر، بالإيمان بأن الله عز وجل قدر مقادير السماوات والأرض وقدر كل شيء، وأن كل شيء حصل بقدر الله عز وجل، وأن الله خالق كل شيء سبحانه وتعالى ومليكه. قال رحمه الله تعالى: وأما الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا، فنقول: إنه لابد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون، وقدر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وهذا الحديث في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: فنقول: إنه لابد من الإيمان بخلق الله وأمره، أن الله عز وجل نؤمن بأن الأمر لله عز وجل، هو الذي خلق وقدر، على أو بسبب أو بقدرة وخلقة، بعلم النافذ سبحانه وتعالى، بعلم سابق ومشيئة النافذة. وكلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يشير إلى مراتب الإيمان بالقدر، وهي أربع مراتب، وهي الأربع مراتب عند أهل السنة والجماعة. المرتبة الأولى: العلم، وقد أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون. والعلم هذه الدرجة هي أول مراتب القضاء والقدر، فالله عز وجل علم ما سيكون إذا كان كيف سيكون، ثم أمر بالكتابة على وجه ذلك العلم، ثم أمر بكتابة ما سيكون على وفق ذلك العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. والمرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، أي ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يطل، أي ما شاء الله وجد ووقع، وما لم يشأ لا يجد ولا يقع، كما قال الله عز وجل: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. والمرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، ما قدره الله عز وجل، أي ما علمه الله عز وجل وكتبه وشاءه سبحانه وتعالى، فيخلق الله عز وجل ما شاء بما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فكل شيء مخلوق لله عز وجل، سواء كانت هذه السماوات والأرض أو كانت تلك المخلوقات أو أفعال تلك المخلوقات، كلها مخلوقة لله عز وجل. فهذا معنى ما أراد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من ذكره مبذدا في هذه الجملة من الإيمان بالقضاء والقدر، أن يؤمن الإنسان أن الله عز وجل أمره بأن يسلم لأقداره، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه مع جبريل: «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره»، أي أن تعلم أن الأمر كله من الله وإليه سبحانه وتعالى، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتؤمن بذلك. فأنت إذا آمنت بالله عز وجل وآمنت بالقدر، كنت بهذا الفعل متعبدا لله عز وجل، فدخلت تحت حيز العبادة، بهذا الاعتبار بإيمانك بالقدر خيره وشره، بأنك تعرف أن ما أصابك لم يكن ليفتئك، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، بهذا الإيمان وبهذا التسليم وبهذا الإذعان، هذا الفعل من أنواع عبادات قلبية، التي تقرب بها إلى الله عز وجل، فيدخل تحت توحيد العبادات. قال رحمه الله تعالى: ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه. هذا الأمر الثاني الذي يتضمنه توحيد العبادات، يتضمن أيضًا أن الله، أنه يجب على المؤمن الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، أمر بعبادة وحده لا شريك له، أي الإيمان بأن الله عز وجل أمر ونهى، هو المراد بهذا الأمر والنهي، والشرع مداره على ماذا؟ على الأمر والنهي، فما أمر الله عز وجل به ونهى عنه داخل تحت مسمى الشرع، ويجب الإيمان به. أي يجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده ولا شريك له، الإيمان بأن الله عز وجل أمر بإفراده سبحانه وتعالى وحده بالعبادة، ونهى أن يشرك به غيره، فالإيمان بهذا هو نوع من أنواع العبادات، لأنه نوع من أنواع العبادات، لأنك تؤمن بإخبارات الله عز وجل، وترضى بإخبارات الله عز وجل، بهذا الاعتبار وبهذا الأمر، أنك تسمع وتطيع وتدين بأمر الله عز وجل، هذا إيمان، والإيمان يدخل في توحيد العبادات. قال رحمه الله تعالى: كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فالله عز وجل جعل غاية الحميدة لأجلها خلق هذين الجن والإنس، لأجل عبادته سبحانه وتعالى وحده، لأجل عبادته وحده سبحانه وتعالى. قالوا: بذلك أرسل رسله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وفي آية أخرى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. قال: وأنزل كتبه كذلك، بماذا؟ لتقرير هذا المعنى العظيم، لذي هو توحيد الله عز وجل بإفراد العبادة لله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، هذا الدين هو الدين القيم الذي أنزله الله عز وجل على رسوله، وأمر عباده بأن يتعبدوا به، ولم يقبل ولا يقبل الله عز وجل دينًا سواه. قال رحمه الله تعالى: وعبادته ستضمن كمال الذل له والحب له، هذان الأمران يسميان بقطبي العبادة، وبركني العبادة، ما هما؟ غاية الذل وغاية المحبة لله عز وجل، فكل عمل دخل فيه هذان الأمران يسمى عبادة، وكل أمر لم يدخل فيه هذين الأمران لا يقال فيه أنه عبادة. وكذلك كل أمر انتفى فيه أحدهما وثبت الآخر، لا يقال فيه أنه عبادة، فالعبادة ما تضمن هذين الأمران، وبهذا يستطيع الإنسان أن يميز ويضبط المسائل في مسائل التوحيد، أن يضبط متى تكون المحبة شركية ومتى لا تكون شركية، ومتى يكون خوف شركيًا ومتى لا يكون شركيًا. فالحب المصحوب بخوف صرف لله عز وجل يكون ماذا؟ يكون عبادة، والحب المجرد من خوف، حب أو الحب المجرد من أحب الله عز وجل حبًا مجردًا دون خوف، هل يقال فيه أنه عبادة؟ لا، العبادة لا بد أن يكون مصحوبًا بماذا؟ بخوف، فإن كان هذا الحب مجردًا أيضًا لمخلوق، هل يقال أنه أشرك بالله عز وجل؟ لا، لأن العبادة يشترك فيها أن يستلزم فيها هذا الركنان، ما هو هذا الركنان؟ غاية المحبة وغاية الخوف، فإن سقط ركن من الأركان لا يقال فيه أنه عبادة، ولكن يقال فيه بحسب ذلك الحال. قال رحمه الله تعالى: وعبادته تتضمن كمال الذل له والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته، أي لا تكون أو لا قوامة لعبادة الله عز وجل إلا بطاعة الله عز وجل، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله عز وجل، لقول الله عز وجل: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ولقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، والآيات في هذا كثيرة معروفة. قال رحمه الله تعالى: وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. قال: وهذا الدين هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، والمراد بالإسلام هنا الإسلام لله عز وجل بالطاعة والانقياد له، بالقبول، وهذا هو الإسلام المراد، الإسلام العام الذي جاء به كل رسول، الذي هو عبادة الله عز وجل وحده، وكل رسول بشريعته. قال: فالإسلام يتضمن استسلامًا لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والإسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره.

شاركنا على