الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول التحذير من رواية الأحاديث الضعيفة والكذابين، ويشدد على أهمية التثبت في الرواية وعدم قبول رواية الضعفاء والمتهمين. يُظهر المقطع كراهية العلماء لرواية بعض الأشخاص لضعفهم في الحديث.
يُنتقد الحارث الأعور بسبب تشيعه المفرط وغلوه في علي رضي الله عنه، حيث تُتهم رواياته بالكذب وتُعاب عقيدته. يُفصل المقطع انتقادات العلماء له مثل النووي والقاضي عياض.
يُحذر المقطع من القصاص الذين يروون القصص المكذوبة وأهل الأهواء الذين يتبنون عقائد فاسدة، ويُشدَد على أهمية أخذ العلم من أهله الثقات. يُظهر استمرار تحذير العلماء منهم عبر الزمن.
يُذكر أثر مشهور عن ابن سيرين مع الإشارة إلى إسناده، ويُختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يدل على الختام والانتهاء من المواضيع المطروحة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج بن يسابور القشيري رحمه الله في مقدمة صحيحه: حدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن جبلة يقول: قلت لعبد الله بن المبارك: من هذا الرجل الذي رويت عنه حديث عبد الله بن عمر يوم الفطر يوم الجوائز؟ قال: سليمان بن الحجاج. انظر ما وضعت في يدك منه. قال ابن قهزاذ: وسمعت وهب بن زمعة يذكر عن سفيان بن عبد الملك قال: قال عبد الله -يعني ابن المبارك-: رأيت روح ابنه طيف صاحب الدم قد قدر الدرهم، وجلست إليه مجلسا، فجعلت أستحي من أصحابي أن يروني جالسا معه؛ كره حديثه. هذا الحديث الأول حديث عبد الله بن عمر: يوم الفطر يوم الجوائز، هذا الحديث كما قال النووي رحمه الله: هو ورد أو رواية بلوظ. إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أفواه الطرق ونادت: يا معشر المسلمين، أغدوا إلى رب رحيم يأمر بالخير ويثيب عليه الجزيل. أمركم فصمتم وأطعتم ربكم، فاقبلوا جوائزكم. فإذا صلوا العيد نادى مناد من السماء: ارجعوا إلى منازلكم راشدين، فقد غفرت ذنوبكم كلها. ويسمى ذلك اليوم يوم الجوائز. قال رحمه الله: وهذا الحديث رويناه في كتاب المستقصى في فضائل المسجد الأقصى، تصنيف الحافظ أبي محمد بن عساكر الدمشقي رحمه الله. وهذا الحديث لا يصح. ويريد بهذا الأثر المذكور الإنكار في رواية هذا الحديث. قال هنا: قال سليمان بن الحجاج: انظر ما وضعت في يدك منه. وهذا ثناء على سليمان بن الحجاج، والمراد بذلك التثبت في رواية الأحاديث، وأن المحدث ينبغي أن لا يروي إلا عن من كان ثقة، ولا يروي عن الضعفاء والمتهمين والمجروحين. والأثر الثاني وهو حديث صاحب الدم: قدر الدرهم. قال النووي رحمه الله: يريد بحديث رواه روح عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: تعاد الصلاة من قدر الدرهم -يعني من الدم-. والحديث من رواية روح بن غطيف، وروح بن غطيف هذا ضعيف. قال فيه البخاري في التاريخ: منكر الحديث. والحديث ذكره البخاري في التاريخ، وقال: حديث باطل لا أصل له عند أهل الحديث. وقوله: فجعلت أستحي من أصحاب أن يروني جالسا معه؛ كره حديثه -أي كراهية لحديثه لأنه ضعيف في الحديث-، فكره أن يراه أحدهم جالسا معه. قال: حدثني ابن قهزاذ قال: سمعت وهبا يقول: عن سفيان عن ابن المبارك قال: بقية صدوق اللسان، ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر -أي لا يتحرى الأخذ من الثقات-، فيروي عن الثقات ويروي عن الضعفاء. وإن كان صدوق اللسان -يعني ليس بكذاب ولا يتعمد الكذب-، لكن لا يتحرى في الرواية، ويتحرى الرواية عن الثقات وترك الضعفاء. وبقية من الوليد مدلس مع كون صدوق، فهو كثير التدليس، وبسبب هذا لم تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث. قال: وحدثنا قتيبة عن سعيد قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي -وهو عامر بن شراحيل، عامر بن شراحيل وهو إمام من أئمة أهل الحديث-. قال النووي رحمه الله: كان الشعبي إماما عظيما جليلا، جامعا للتفسير والحديث والفقه والمغازي والعبادة. قال الحسن رحمه الله: كان الشعبي والله كثير العلم، عظيم الحلم، قديم الإسلام بمكان. وهذا يدل على فضله ورفعة منزلته في العلم. وكما سمعنا كان ذا عبادة، وأيضا كان يحب المزاح. ذكر عنه أنه سأله رجل مرة وهو يمشي مع زوجته -ولعل هذا الرجل كانت عنده شيء من الحماقة أو الغباء- فقال: أيكم الشعبي؟ فأشار إلى زوجته. أشار له إلى زوجته. قال: حدثني الحارث الأعور الهمداني -وكان كذابا-، وكان كذابا حدث عنه وبين كذبه وأنه كذاب يكذب في الحديث. وهذا منه من باب التحذير وبيان حاله حتى لا يغتر به ولا يروى عنه. قال: وحدثنا أبو عامر عبد الله بن براد الأشعري قال: حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة، حماد بن أسامة حافظ من حفاظ الحديث- قال: عن مفضل -وهو ابن مهليل، وهو أيضا من أهل الحفظ والإتقان- عن مغيرة -وهو ابن مقسم- قال: سمعت الشعبي يقول: حدثني الحارث الأعور -وهو يشهد أنه أحد الكاذبين-، وهو يشهد أنه أحد الكاذبين. قيل: كان كذابا في رأيه، ولم يكن كذابا في الرواية. سيأتي معنى أنه كان عنده لوثة رافضية. وقد اتهمه غير الشعبي، اتهمه غير الشعبي بالكذب. قال: وحدثنا قتيبة عن سعيد قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: قال علقمة: قرأت القرآن في سنتين. فقال الحارث: القرآن هي الوحي أشد. علقمة وهم الأسود رحمه الله يذكر أنه قرأ القرآن في سنتين -يعني تعلمه أو حفظه في سنتين-، فقال الحارث: القرآن هي -يعني سهل-، الوحي أشد. وهذا مما أخذ على الحارث كما أشار النووي رحمه الله مما جرح به الحارث؛ لما فيه من غلو التشيع. كأنه يريد بذلك ما يعتقده الرافضة من أن الرسالة كانت لعلي فأعطاها جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان علي أولى بها من محمد عليه الصلاة والسلام. وبعضهم قال: المراد بقوله الوحي أشد أن المراد بالوحي هنا الكتابة ومعرفة الخط. وإذا كان هذا مراده فليس في هذا إشكال. لكن لما عرف من عقيدة الحارث وميوله إلى عقيدة التشيع أخذ العلماء رحمهم الله الإنكار عليه في هذه اللفظة، وجعل هذا من الأمور التي أنكرت عليه. قال القاضي عياض رحمه الله بعد أن ذكر أن هذا القول يحتمل الصواب إذا كان مراده بالوحي الكتاب ومعرفة الخط قال: ولكن لما عرف قبح مذهبه وغلوه في مذهب الشيعة ودعواهم الوصية إلى علي رضي الله عنه وسر النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الوحي وعلم الغيب ما لم يطلع غيره عليه بزعمهم؛ سيء الظن بالحارث في هذا، وذهب به ذلك المذهب -يعني بسبب هذه العقيدة الباطلة والعقيدة الفاسدة أنكر على الحارث في هذا القول في قوله الوحي أشد-. قال: وحدثني حجاج عن الشاعر -ما اسمه؟ حجاج عن الشاعر ما اسمه؟ حجاج عن الشاعر من يذكر مرة معنا في دروس مضت، وأن اسمه يشابه اسم رجل آخر مشهور من يذكره ها محمد ها حجاج بن يوسف الثقفي هذا، هذا حجاج من يوسف من حجاج الثقفي وذاك الوالي حجاج بن يوسف الثقفي- قال: قال حدثنا أحمد -يعني ابن يونس- قال: حدثنا زائدة عن الأعمش -سليمان بن مهران- عن إبراهيم أن الحارث قال: تعلمت القرآن في ثلاث سنين والوحي في سنتين -أو قال الوحي في ثلاث سنين والقرآن في سنتين-. قال: وحدثني حجاج قال: حدثني أحمد بن يونس قال: حدثنا زائدة عن منصور والمغيرة عن إبراهيم -أي إبراهيم النخعي- أن الحارث اتهم -أي في عقيدته-، ويريد بهذا الاتهام هو رأيه أو عقيدته في علي رضي الله عنه وغلوه فيه واعتقاده اعتقاد الرافضة. قال: وحدثنا قتيبة عن سعيد قال: حدثنا جرير عن حمزة الزيات قال: قال سمعت مرة الهمداني من الحارث شيئا فقال له: اقعد بالباب -يعني اجلس-. قال: فدخل مرة وأخذ سيفه. قال: وأحس الحارث بالشر فذهب -يعني أنه هم بقتله لما سمع منه من القول العظيم والقول الشنيع-، فأحس بذلك الحارث وهرب وذهب. قال: وحدثني عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- قال: حدثنا حماد بن زيد عن ابن عون -هو عبد الله- قال: قال لنا إبراهيم: إياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم؛ فإنهما كذابان. المغيرة بن سعيد قال: قال النووي رحمه الله: قال النسائي في كتابه كتاب الضعفاء: هو كوفي دجال أحرق بالنار زمن النخعي، ادعى النبوة. من هذين الرجلين لضعفهما؛ فيقول: إياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم؛ فإنهما كذابان -يعني لا تسمعوا لهما ولا تروا عنهما؛ فإنهما ممن يكذب في الحديث-. وهذا مما ثبت عن السلف رحمهم الله في التحذير من بعض الرواة لأجل الحفاظ على هذا الدين والدفاع عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل ما ليس منها، وأن ينسى بالنبي عليه الصلاة والسلام ما لم يقل. وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل هذا من النصيحة الواجبة. نعم قد علمنا أن ذكر الإنسان في ستة مواضع لا تكون من الغيبة؛ القدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومحذر، ومعرف، ومجاهر فسقا، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر. في هذه المواضع الستة ما يكون القدح فيها من الغيبة. ومنها التحذير؛ التحذير من أهل الباطل والتحذير من أهل الأهواء، وهكذا أيضا التحذير من مبتدعة وتحذير العلماء من الرواة الضعفاء؛ هذا كله لا يعد من الغيبة. قال: حدثنا أبو كامل الجحدري قال: حدثنا حماد -وهو ابن زيد- قال: حدثنا عاصم -وهو أبو النجود- قال: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي ونحن غلمة -أي فتيان، بمعنى قاربنا البلوغ- قال: فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص، وإياكم وشقيقا. قال: وكان شقيق هذا يرى رأي الخوارج، وليس بأبي وائل. أبو عبد الرحمن السلمي هو عبد الله بن حبيب، تابعي جليل. يقول عاصم: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي ونحن غلمة -أي فتيان، بمعنى قاربنا البلوغ أو قد بلغنا- فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص؛ القصاص الذين يقصون القصص على الناس. وكان الغالب في هؤلاء القصاص الكذب؛ أنهم يكذبون ويأتون بالقصص المكذوبة والغريبة. ربما يكذب ويحدث عن بعض الأئمة كذبا حتى يلتف الناس حوله، أو ربما يكذبون لأجل ترغيب الناس في الخير وترهيبهم من الشر. فحذر العلماء منهم. وهم كثر حتى في هذا الزمان تجد كثيرا من دعاة التحزب ومن ينهج منهج الإخوان المسلمين تجده يسير على هذه الطريقة قصاصا؛ يأتي للناس بالقصص قصة بعد قصة حتى يرغب الناس أو كذلك يخوفهم. وتجد في تلك القصص ما هو صحيح، منها ما هو ضعيف، منها ما هو مكذوب، ويروي الغث والسمين. فحذروا من هؤلاء القصاص إلا إذا كان من يقص يذكر للناس القصص الثابتة الصحيحة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وإن استدل بشيء من القصص الواقعية التي تكون ثابتة فيذكر من ذلك الشيء اليسير مع التثبت عن صحتها وثبوتها؛ فهذا لا غبار عليه ولا ينكر عليه. ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص؛ فهو عده منهم -يعني أنه كان ممن يقص لكن يتحرى يذكر القصص الثابتة في الكتاب والسنة-. وأبو الأحوص هو عوف بن مالك الجشمي، وقد قتله الخوارج أيام الحجاج بن يوسف. ثم قال: وإياكم وشقيقا -إياكم وشقيقا-. قال: وكان شقيق هذا يرى رأي الخوارج، وليس بأبي وائل -أي ليس المراد بشقيق هنا شقيق بن سلمة أبو وائل؛ فهذا معدود من كبار التابعين-، لكن المراد بشقيق في قوله وإياكم وشقيقا هو شقيق الضبي الكوفي القاص، قد ضعفه الإمام النسائي رحمه الله كما ذكر الإمام النووي رحمه الله. وقال هنا: وكان شقيق هذا يرى رأي الخوارج -يرى رأي الخوارج يعني رأي الخوارج بتكفير الأئمة ولاة الأمر، خروج عليهم بالسيف، تكفير أصحاب الكبائر، نحو ذلك من عقيدة الخوارج-. وهذا الأثر كذلك كما سمعنا فيه التحذير من أهل الأهواء ومن يضل الناس بما عنده من آراء منحرفة أو كذلك أيضا من عقائد فاسدة. ومن أمثال هؤلاء القصاص الذين يغتر بهم العوام وأشباه العوام إذا سمعوهم وهم يتكلمون ويتحدثون ويتولون بالقصص فالتفون حولهم وربما تأثروا بهم وبما عندهم من عقائد منحرفة وعقائد باطلة؛ بهذا حذر العلماء منهم. وهو كذلك ينبغي أن يحذر منهم في كل زمن يظهر هؤلاء القصاص؛ فينبغي الحذر منهم وينبغي أخذ العلم من أهله. إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. قال هذا: الشافعي. أنت لا ليس الشافعي. محمد بن سيرين. مر معنا في الآثار الماضية هذا الأثر مشهور عن ابن سيرين رحمه الله. مر معنا بإسناده إلى ابن سيرين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.