أعمال العشر من ذي الحجة

أعمال العشر من ذي الحجة

الخطبة بعنوان أعمال العشر من ذي الحجة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 25 ذو القعدة 1446هـ الموافق 23 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل العشر الأول من ذي الحجة وتأكيد أهميتها

يُبين الخطيب أهمية العشر الأول من ذي الحجة ويذكر فضائلها وفقًا للكتاب والسنة. يُوضح أن الله أقسم بهذه الأيام لعظم قدرها.

الأعمال الصالحة في الأيام العشر من ذي الحجة

ينبغي على المسلمين التسابق في الأعمال الصالحة مثل التوبة والفرائض والذكر وقراءة القرآن في الأيام العشر من ذي الحجة. يُشير الحديث إلى فضيلة هذه الأيام من جهتين: أن الأعمال فيها محببة لله وأن أجرها مضاعف.

الحرص على الطاعات في العشر من ذي الحجة

يُستحب صيام العشر من ذي الحجة ويُنصح بالإكثار من الطاعات والعبادات في هذه الأيام الفاضلة. يُعد هذا الموسم فرصة للمتعبدين لزيادة أعمالهم الصالحة وللمقصرين لتعويض ما فاتهم.

خاتمة بالدعاء على الأعداء ونصرة الدين

يتضمن المقطع دعاءً على الأعداء اليهود والنصارى، ويطلب من الله تفريق شملهم وتشتيت جمعهم ونصرة الدين. يُختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، في مثل هذه الليالي والأيام تتحرك الوفود والأفواج إلى بيت الله الحرام لتأدية فريضة من أعظم فرائض الإسلام، ومن مبانيه العظام، ألا وهي فريضة حج بيت الله الحرام. هذه الشعيرة التي بلغ من فضلها ومن عظيم أجرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه من الخطايا». ولما كان أكثر الناس وغالب الأنام غير قادرين على حج بيت الله الحرام في كل عام كما هو في هذه الأزمان، فإن الله سبحانه وتعالى جعل لنا زمنًا فاضلًا وموسمًا حافلًا مليئًا بالأجر والثواب، ويكأنها عوض لبقية أهل الإسلام، وأعني به العشر الأول من ذي الحجة، أيام فاضلات وليالي مباركات، حصها الله جل وعلا بالفضائل والتكرمات. قال كعب رحمه الله: «أحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول». وقال أبو عثمان النهدي رحمه الله: «كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من شهر الله المحرم، والعشر الأول من شهر ذي الحجة، والعشر الأخيرة من رمضان». عباد الله، ما كان من تعظيم هؤلاء الأجلة من الصحب الكرام ومن الأئمة لهذه العشر من ذي الحجة إلا لما علموه من أدلة الكتاب والسنة على فضيلة هذه الحقبة الزمنية. فحسبك أن تعلم أن الرحمن قد أقسم بها من سائر الليالي والأيام، قال ربنا جل في علاه: ﴿والفجر وليالي العشر﴾. قال جمهور المفسرين: إن الليالي العشر ها هنا هي الأيام العشر من ذي الحجة. أقسم بها الرب لعلو منزلتها وقدرها، ولا يقسم ربنا إلا على أمر معظم. ومن فضائل هذه الأيام ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام». قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء من ذلك». فهذا الحديث فيه إشارة لفضيلة هذه الأيام من جهتين اثنتين: الجهة الأولى في بيان أن الأعمال في مثل هذه الأيام يحبها الله جل في علاه، بغض النظر عن حجمها وعن قدرها وعن جنسها فقط، أداؤها فيها يحبه الله جل وعلا من عباده. والجهة الثانية فيه بيان على أن الأعمال في هذه الأيام أجرها مضاعف وثوابها متزايد. عباد الله، حينها سنعلم أننا أمام موسم شريف وزمن فاضل منيف يوجب علينا التسابق والتنافس على الأعمال بكل ما أوتينا من قدرة وما استطعنا من طاقة وقوة. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وخاصة ما يكون من تنافسنا في الأعمال التي دلت الأدلة العامة والخاصة عليها. فمن ذلكم علينا أن نحرص على التوبة إلى الله من سائر الذنوب والآثام، وعن كل مظهر من مظاهر الحرام. فالتوبة وإن كانت المطالبة بها على الدوام - ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ - إلا أن التوبة في المواسم الفاضلة أشد توكيدًا، لأن السيئات فيها يتضاعف حجمها، كما أن الحسنات في الأزمان الفاضلة يتضاعف عددها. فتب إلى الله فيما كان من تفريطك في جنب الله، وتب إلى الله فيما كان من سوء تعاملك مع عباد الله. فرب ذنب ابتليت به قد يكون مانعًا من قبول الأعمال، والله المستعان. فالبدار البدار إلى التوبة من سائر الذنوب والآثام. ومما ينبغي كذلك أن نحرص عليه الحرص على الفرائض والواجبات، فإنها أوكد الأعمال في كل حين وفي كل آن. وإنه لا يليق بمسلم أن يسارع إلى النوافل والسنن والمستحبات في حين أن يغفل أو يتجاهل المسارعة إلى الفرائض والواجبات. قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه». كن حريصًا على أداء الفرائض والواجبات. قال العلامة ابن رجب رحمه الله: «وفرائض العشر من ذي الحجة أجرها مضاعف عن غيرها من الفرائض، فلا تستهين بها، والجأ إليها، واحرص عليها». وهكذا مما ينبغي أن نحرص عليه في هذه الأيام ما يكون من الإكثار من ذكر الله جل في علاه، تسبيحًا وتهليلًا وتحميدًا وتكبيرًا. فإن هذه الأيام مما يشرع فيها الإكثار من ذكر الله. قال الله: ﴿واذكروا الله في أيام معلومات﴾. روى الإمام البخاري في صحيحه: «أن الأيام المعلومات هي الأيام العشر من ذي الحجة». فيها أزمان يستحب فيها الإكثار من ذكر الله. وروى الإمام أحمد في مسنده، ويحسنه جماعة من أهل العلم عن ابن عمر مرفوعًا قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام أحب إلى الله من هذه الأيام، فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد والتكبير». فأقبل يا عبد الله على ذكر الله. ويدخل في ذلك التكبير المطلق والذي يبتدئ بدخول العشر الأول من ذي الحجة. ومما يدخل في ذكر الله جل وعلا ما يقول من الإقبال على قراءة القرآن، فهي من أعظم الذكر كما صرح بذلك العلماء. فيا عبد الله، فليكن لك حظ في هذه الأيام من الذكر والأوراد، ومن قراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار. فإن ذكر الله من أسهل العبادات ومن أعظمها عند خالقنا رب الأرض والسماوات. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى ربه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. فمما مضى، عباد الله، علمنا ما يتعلق بعظيم هذه الأيام، وما ينبغي عليه من الحرص على بعض الأعمال، كالحرص على التوبة من سائر الذنوب والآثام، وما يكون من حرصنا على أداء الفرائض والواجبات، وهكذا الإقبال على ذكر الله وقراءة القرآن. وأيضًا مما ينبغي أن نحرص عليه من الأعمال ما يكون من كثرة الصيام، فالذي عليه جماهير العلماء من المذاهب والفقهاء على أن صيام العشر من ذي الحجة يستحب استحبابًا مؤكدًا، وذلك لثبوت فعله عليه الصلاة والسلام من الحرص على صيامه. فإذا استطعت يا عبد الله على صيام هذه الأيام فأنعم بها من عمل صالح، وإلا فلا أقل يا عبد الله أن تصوم بعضها. وهكذا عباد الله علينا بالإقبال على سائر الطاعات والعبادات، كحرصنا على الصدقات والنفقات، وعلى كثرة النوافل المندوبات، وعلى صلة الأرحام، وعلى حسن الجوار، وعلى ملازمة حلقات العلم والقرآن، وما يكون من حرصنا على صلاة القيام، وهكذا الإعانة للمساكين والفقراء، وغير ذلك من الأعمال من التحلي بالأخلاق والآداب. عباد الله، إن هذا الموسم الكريم وما أعده الله جل وعلا فيه من الأجر الوفير والثواب العظيم ليستوجب منا الحمد والشكر الكثير. فكيف إذا علمت أن بعض من أهل العلم والفضل والدين من يرى أن هذا الموسم الفضيل أفضل من شهر رمضان الكريم؟ فيا سبحان الله، فما من أحد إلا وهو يستذكر كيف كان حاله في رمضان في جده واجتهاده، وفي همته وتعبده ونشاطه. فما ظنك بأن يبلغك بأن أحدًا من أهل العلم أخبرك بأن ما يكون من أعمال في شهر ذي الحجة الأول توازي بالأفضل من رمضان؟ فحينها يا عبد الله سنستشعر جميعًا بعظيم الموسم العظيم والذي سيحل علينا قريبًا. عباد الله، إن مثل هذه المواسم لهي تعد فرصة للعابدين والمتعبدين من عباد الله الصالحين في أن يتنافسوا على الطاعات والعبادات، وأن يبلغوا أعالي الدرجات، وأن يرتقوا في عظيم المقامات، وذلك من عظيم إنعام الله على العباد. وفي هذه المواسم أيضًا فرصة للمقصرين والمفرطين وممن استهوتهم الشياطين فأبعدتهم عن رب العالمين، فهي فرصة لهم في أن يعوضوا عما فاتهم، وأن يستدركوا عما مضى من حياتهم. فالله الله عباد الله، علينا بالإقبال على هذه الأيام الفاضلات واستغلالها بما نستطيع من أعمال صالحات. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. يا مجيب الدعوات، اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم إن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل البلاد، يا رب العالمين. اللهم نجيهم في أرض غزة وفلسطين، اللهم آمنهم في ديارهم وأوطانهم. اللهم تقبل موتاهم، وداوي جرحاهم، وفك أسراهم. اللهم امجدهم بنصر من عندك، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الصليبيين الحاقدين. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم يا قوي يا متين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.