فضائل التوحيد وخطورة الشرك

فضائل التوحيد وخطورة الشرك

الخطبة بعنوان فضائل التوحيد وخطورة الشرك، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

فضائل التوحيد وأثره في نيل رضا الله والنجاة

التوحيد هو أعظم ما أمر الله به وسبب لدخول الجنة والنجاة من النار، وهو الطريق الذي بعثت من أجله جميع الرسل. من حقق التوحيد خففت عليه الطاعات، ونال الشفاعة يوم القيامة، ودخل الجنة بغير حساب وتحرر من رق المخلوقين.

خطورة الشرك بالله ووجوب التوحيد الخالص

الشرك أعظم الذنوب التي تحبط الأعمال وتوجب الخلود في النار، وقد حذر الله منه في آيات صريحة. يجب على المسلم تعلم التوحيد الخالص والاقتداء بإبراهيم عليه السلام خاصة في زمن كثرت فيه الشبهات.

النجاة من الشرك والدعاء بالهداية والثبات

السلامة والأمن الحقيقيان يتحققان بتجنب الشرك والتمسك بالتوحيد، وهو سبيل النجاة في الدنيا والآخرة. يختم الخطيب بالدعاء أن يجعل الله المستمعين من الذين يتبعون أحسن القول، ويختتم بالحمد والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: فضائل التوحيد وخطورة الشرك، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن أعظم ما أمر الله عز وجل به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾. وأعظم ما نهى الله عز وجل عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه، أو صرف شيء من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. فربنا تبارك وتعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق السماوات والأرض، وأقيمت المعالم، وكانت المفاصلة بين الرسل وخصومهم لأجل هذا الأمر العظيم، وهذا الأمر الكبير: إفراد الله عز وجل بالعبادة. نعم عباد الله، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾، ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾. وهكذا في آيات وسور القرآن النصيب الأوفر لهذا الأمر الجليل، وهكذا في دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ الحق الأكبر في هذا الأمر العظيم. فلقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بدء دعوته أن الله عز وجل أرسله لأجل هذا. روى الإمام مسلم من حديث عمر بن عبسة قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس ليسوا على شيء، وأنهم على ضلالة، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل يخبر أخبارا، فقدمت، أو فركبت راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفٍّ جراءَ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه، فقلت: ما أنت؟ قال: «نبي». قلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله». قلت: وبأي شيء أرسلك الله؟ قال: «بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء». هذه خلاصة دعوة الأنبياء والمرسلين: أنهم يدعون الناس إلى تحقيق العبادة لله تبارك وتعالى، أن يكون العبد عبدا لله عز وجل بكل معاني العبودية، كما أن الله تبارك وتعالى ربه بكل معاني الربوبية: عبدا متذللا لله، خاشعا لله، طائعا لله، ممتثلا للأوامر، مجتنبا للنواهي، عبادة بالمحبة والتعظيم والإجلال والرغب والرهب والخشوع، وصرف جميع العبادات والقربات القلبية إلى الله سبحانه وتعالى. هذه زبدة الرسالة، وهذه خلاصة الدعوة النبوية. فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث الرسل أمر بالدعوة إلى ذلك، كما بعث معاذا إلى اليمن، قال: «إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله»، وفي رواية: «إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله». فلا غنى للعباد عن توحيد الله، لا سعادة ولا طمأنينة إلا بأن يعرف ربه وخالقه ومعبوده سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، وأن يصرف جميع العبادات لله عز وجل. فهو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو المدبر، وهو المقدر للأشياء، وهو المتصرف في الكون، هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يرفع ويخفض، وهو الذي بيده الأمر سبحانه وتعالى. فلهذا عباد الله كان للتوحيد شأن عظيم، ومنزلة عالية، وحسنات كثيرة، ونتائج حميدة، وخيرات متعددة في الدنيا والآخرة. ليس لشيء من الأمور ما لهذا الأمر وهو التوحيد من الحسنات والخيرات والفضائل في الدنيا والآخرة. فمن فضائل التوحيد: أنه سبب في وقاية العبد من الخلود في النار، إذا كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل. أما إذا كمل التوحيد فإنه يمنعه من دخول النار أصلا. روى الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار». وروى الإمام البخاري من حديث ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يدعو من دون الله ندّا دخل النار». قال ابن مسعود: وأنا أقول: من مات وهو لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. وهكذا في مسلم من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فقال: بشر أمتك أن من مات منهم لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». قال أبو ذر: قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». وهكذا عباد الله، وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». وهكذا من فضائل التوحيد: أنه من أعظم الأسباب في تكفير الذنوب والسيئات ورفع الدرجات. روى الإمام الترمذي وحسنه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى قال: «يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك. يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض أي ملأ الأرض من الخطايا والذنوب، لكنقيت الله سبحانه وتعالى فهو سالم من الشرك، قليله وكثيره، صغيره وكبيره، ظاهره وخفيه، فإن الثواب من الله سبحانه وتعالى أنه قال: لأتيتك بقرابها مغفرة». هكذا ربنا تبارك وتعالى يتجاوز لأهل التوحيد ويعفو عنهم ما لا يتجاوز ويعفو عن غيرهم. هذا في دلالة على فضل توحيد الله سبحانه وتعالى. وهكذا من فضائل التوحيد: أنه من أعظم الأسباب في نيل رضا الله سبحانه وتعالى والوصول إلى مرضاة الله عز وجل. فقد روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه». ومعلوم أن الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا بعد إذن الله، والله لا يأذن بالشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله لأهل التوحيد والإخلاص، كما قال الله: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾. فإذن من أعظم الأسباب في جلب محبة الله والوصول إلى مرضاة الله هو توحيد الله عز وجل. ومن فضائل التوحيد: أنه من أعظم الأسباب في الوقاية من الشرور والخروج من الأزمات. نجى الله ونصر عبده ونبيه نوحا عليه السلام وأغرق الكفار من قومه. وهكذا نبي الله إبراهيم، أرادوا إحراقه فنجاه الله. وهكذا نبي الله موسى، أغرق الله فرعون وجنوده. وهكذا عيسى، رفعه الله إلى السماء. وآخر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حينما تمالؤوا عليه قومه، نجاه الله ونصره على أعدائه وخصومه. وآخر عباد الله، من فضائل التوحيد: أنه السبب في حصول الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. بالإيمان بالله والحذر والبعد من الشرك تكون الولاية، ويكون الأمن، وتكون الهداية في الدنيا والآخرة. بقدر تكميل التوحيد تكون الهداية، ويكون الأمن. فإذا كمل التوحيد كانت الهداية تامة، وكان الأمن تاما في الدنيا والآخرة. وبقدر التقصير في التوحيد يحصل التقصير في الأمن والتقصير في الهداية. فمنهم من يكون له مطلق الهداية والأمن، ومنهم من يكون له الهداية المطلقة والأمن المطلق. والناس يتفاوتون في تحقيق التوحيد لله سبحانه وتعالى. روى البخاري من حديث ابن مسعود أن الصحابة لما سمعوا قول الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾، شق ذلك عليهم، يعني قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ ظن أن المراد بالظلم هو ظلم العبد لنفسه بالخطايا والذنوب. من هذا الذي لا يظلم نفسه؟ من هذا الذي لا يقصر؟ من هذا الذي لا يذنب؟ كلنا فيه تقصير وخطأ وزلل ونقص. والصحابة أدركوا الخطورة: إذا كان لا ينجو ولا يأمن ولا يفوز ولا يسلم إلا من لقي الله وهو سالم من جميع الذنوب والمعاصي، فهذا أمر كبير. قالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: «ليس هذا الذي تعنون، ليس هو الذي تعنون، وإنما هو الشرك. ألم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾». فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة: الظلم الذي هو الشرك، وظلم العبد لنفسه باقتراف الذنوب والمعاصي، وظلم العبد لغيره في دمه أو ماله أو عرضه، فله الهداية التامة، وله الأمن التامة. ومن قصر حصل التقصير في ذلك. وهكذا عباد الله، من فوائد وحسنات التوحيد: أن العبد ينتفع بتوحيده وإيمانه وإخلاصه لله تبارك وتعالى في الوقت الذي يوقن بالخسارة ويظن الهلاك. روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، فيقال له: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقال له: ألك حسنة؟ فيقول: لا يا رب. فيقال له: بلى، إن لك عندنا حسنة، فلا ظلم عليك اليوم. فتخرج بطاقة فيها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟ فيقال: إنه لا ظلم عليك اليوم. فتوضع البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء». هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا العبد الذي ينجيه الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أنه قال هذه الكلمة ثم تاب ثم مات على إثرها. هذا يدلنا على فضل التوحيد عباد الله. ومما يدل على فضل التوحيد: أن من حقق التوحيد لله سبحانه وتعالى كما حققه الأنبياء وكما حققه الصالحون، فإن الله مدح إبراهيم بأنه حقق التوحيد، فقال: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. إن إبراهيم كان أمة، كان إماما، قدوة، معلما للناس الخير. ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ ﴾ أي خاشعا لله، مطيعا لربه سبحانه وتعالى. ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. بأبلغ صور النفي، نفى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم الشرك قليله وكثيره. وهذا ما كان إلا بعد تكميل مراتب الصبر واليقين، الذين بهم تنالوا الإمامة في الدين: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. من حقق التوحيد لله سبحانه وتعالى فإنه يدخل الجنة من غير حساب ولا عذاب، كما في حديث ابن عباس الطويل: أن النبي عليه الصلاة والسلام عرضت عليه الأمم، فرأى النبي ومعه الرهط، والنبي معه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد. إذ رفع لهم سواد عظيم، فقيل له: هذا موسى وقومه. ثم رفع له سواد عظيم، فقيل: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب. ثم دخل ودخل منزله عليه الصلاة والسلام، فخاض الناس في أولئك، قال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا. وقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله. وذكروا أشياء. فخرج عليهم فسألوه، فقال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون». هكذا عباد الله، من حسنات وفضائل التوحيد: أن التوحيد من أعظم الأمور التي تعين على أداء ما أمر الله، وترك ما حرم الله، والصبر على أقدار الله. فإن العبد الموحد تسهل عليه الطاعات لما يرجو من ثواب الله، وتسهل عليه أو يسهل عليه أيضا ترك المحرمات لما يخشى من ربه سبحانه وتعالى، وتخف عليه المصاعب والآلام لما يرجو من ثواب من الله عز وجل. وهكذا من أعظم حسنات التوحيد: أنها تحرر العبد من رق المخلوقين، أنه يخافهم، وأنه يرجوهم، وأنه يطمع فيما عندهم، وأنه يعمل لأجلهم، بل يكون عبدا لله سبحانه وتعالى. هذه عباد الله شيء من حسنات وفضائل التوحيد، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فقد سمعتم عباد الله شيئا من فضائل التوحيد، فاسمعوا أيضا شيئا من خطورة الشرك بالله سبحانه وتعالى. الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، وأشد على أشياء مقت عند الله تبارك وتعالى. فالله يقول: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾. كان الشرك بالله أعظم الذنوب لأن فيه تشبيه، لأن فيه تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الألوهية. والله يقول: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾. كان الشرك بالله من أسوأ الذنوب لأن الله سبحانه وتعالى قد أخبر في كتابه الكريم أنه لا يغفر لمن لقيه مشركا، مع أن الله سبحانه وتعالى كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء. ومع ذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾. المشرك المصر على ذنبه إذا مات وهو كذلك لا ترجع له مغفرة، وليس له نصيب من رحمة الله سبحانه وتعالى، مهما عمل من الأعمال التي ظاهرها الصلاح والخير. إذا قدم على ربه بأعمال كأمثال الجبال من صلاة وصوم وصدقات وبذل وإحسان، ولكنه لقي ربه سبحانه وتعالى مشركا، فالله يجعل هذه الأعمال هباء منثورا، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾. شبّه الله سبحانه وتعالى أعمال هؤلاء المشركين في ذهابها وبطلانها وعدم الانتفاع بها برماد جاءت عليه ريح شديدة في يوم عاصف فذهبت ذات اليمين وذات الشمال. وهكذا لا ينتفع بهذه الأعمال في أمس الحاجة إليها. وهكذا من خطورة الشرك: أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن من مات مشركا فإنه يدخل النار ويخلد فيها ولا يدخل الجنة. قال الله: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾. ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ﴾. إذا حرم الله على الجنة، هل يصير جنبا؟ هل يصير عظما؟ ليس يكون كذلك، ولكن ﴿ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾. لماذا عباد الله؟ لأن الجنة تحتاج إلى عمل، بعد توفيق الله ورحمة الله وفضل الله سبحانه وتعالى، كما قال الله: ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾. أما الشرك فإنه يأتي على جميع الأعمال فيجعلها هباء منثورا، تحبط الأعمال، إن كانت كأمثال الجبال. قال الله بعد أن ذكر جماعة كبيرة من الأنبياء في سورة الأنعام: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. هؤلاء الأنبياء الذين لهم المنزلة والجاه والرفعة والقرب من الله سبحانه وتعالى، يخبر الله أنهم لو أشركوا، وحاشاهم من أن يقعوا في الشرك، لحبط عنهم ما كانوا يعملون. ويقول الله مخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، أكرم الخلق وخير من وطئت قدمه الأرض، وسيد الأولين والآخرين، صاحب المقام المحمود: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾. هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود به هذه الأمة. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو معصوم من وقوعه في الشرك، لو حصل منه ذلك لحبط عمله، فكيف بغيره عباد الله؟ وهكذا أخبر ربنا تبارك وتعالى أن دماء المشركين وأموالهم وأولادهم حلال لأهل التوحيد والإسلام. قال الله: ﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فهذا أو هذه عباد الله بعض من مفاسد وخطورة الشرك بالله سبحانه وتعالى. فهذا يجب علينا عباد الله جميعا أن نعتني بأمر التوحيد: تعلما وتعليما وعملا. فالله يقول: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾. متى نزلت هذه الآية؟ بعد مدة مديدة من بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، ومع هذا يقول الله له: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾. ومن هو النبي عليه الصلاة والسلام؟ في كمال إيمان وقوة توحيد وعظمة علمه بالله سبحانه وتعالى، ومع هذا يقول الله له: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾. فأنت بحاجة أيها العبد إلى أن تتعلم دينك، وأن تتعرف على ما بعث الله عز وجل به نبيك صلى الله عليه وسلم من هذا التوحيد الخالص، وهذه العقيدة السليمة. فإننا في زمن كثرت فيه تيارات الانحراف، هذه التيارات المختلفة والمتنوعة: تيارات الإلحاد والزندقة، تيارات التشيع والرفض، تيارات التصوف والانحراف، تيارات الميل إلى الشهوات. كثر دعاة الباطل، كثر الأدعياء، وقل العلماء، وكثر هؤلاء المروجون للباطل. فأنت على خطر إذا لم تتسلح بسلاح العلم، إذا لم تتسلح بسلاح العقيدة السليمة والتوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. لا تأمن على نفسك، ولا تزكي نفسك. فهذا إمام الحنفاء، إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، هو القائل: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾. ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴾. من القائل: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾؟ إنه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، الذي واجه أمة من الناس وحده، الذي كسر الأصنام بيده، الذي كان مستعدا وأوشك على ذبح ولده طاعة لله تبارك وتعالى وامتثالا لأمره، مع ذلك خاف على نفسه الوقوع في الشرك. فالمؤمن لا يزكي نفسه، ولا يأمن على نفسه الفتنة، ﴿ وَاللَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾. فما هو الحل، وما هو العلاج؟ أننا نتعلم ديننا، وأننا نقبل على توحيد ربنا، ولا ندعو معه سواه، ونخلص التوحيد لربنا، ونتبرأ من كل معبود غير الله سبحانه وتعالى. وهذه ملة الأنبياء، وهذه طريقة إمام الحنفاء، سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي أمرنا الله بأن نسير على طريقته. فالله يقول: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. فهذا هو المطلوب مننا عباد الله: أن نهتم بديننا، وأن نتعلم هذا الدين الذي بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بهذا تكون النجاح، وبهذا تكون السلامة، وبهذا يكون الأمن من الوقوع في هذا الذنب الكبير والمعصية الخطيرة، ألا وهو أن يشرك بالله سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وآله وصحبه.