التعليق على كتاب التوحيد 104

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 104، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

النهي عن تعليق الدعاء بالمشيئة وبيان علته

يشرح المقطع حديث النهي عن قول «اللهم اغفر لي إن شئت» مبيناً أن تعليق الدعاء بالمشيئة يشعر بالتردد وينافي كمال سلطان الله ووجوده لأن لا مكره له. ويؤكد أن الواجب على الداعي أن يعزم المسألة ويجزم بالطلب ثقةً بوعد الله بالاستجابة.

أوجه النهي عن الاستثناء في الدعاء وآدابه

يذكر المقطع ثلاثة أوجه للنهي عن قول «إن شئت» في الدعاء: أولها إيهام تعظيم الأمر على الله وعجزه، وثانيها دلالة استغناء الداعي وسوء أدبه، وثالثها تضمن تردد في قدرة الله وهو محرم. ويفرق بين التردد المحرم في قدرة الله والتردد الناشئ عن موانع الاستجابة عند الداعي الذي لا حرج فيه.

معنى العزم في المسألة وحسن تعليم النبي ﷺ

يبيّن المقطع تحريم الاستثناء في الدعاء بقول «إن شاء الله» لكونه شرطاً على الله والعلة أن الله لا مكره له. ويوضح معنى «ليعزم المسألة» أي الجزم واليقين بالإجابة مع إعظام الرغبة في السؤال لأن لا شيء يعجز الله، مستدلاً بحسن تعليم النبي ﷺ بذكر العلة مع الحكم.

خاتمة الدرس والوداع

يعلن المحاضر انتهاء الباب الحالي من الشرح ويختتم الجلسة بالشكر للحضور على المتابعة والمشاهدة. يدعو المحاضر للحضور بالتوفيق والنجاح في ختام اللقاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام المجدد محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: «باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت». عقد المؤلف هذا الباب لما تضمنه هذا الحديث من كمال سلطان الله، وكمال وجوده وفضله، وكل ذلك من صفات الكمال. فلا يزال المؤلف رحمه الله يبين شيئاً من توحيد الأسماء والصفات. ومما ينافي التوحيد أن يتردد العبد ويعلق دعاءه بالمشيئة، لأن في ذلك استشعاراً باستغنائه عن الله، أن يشعر بأنه مستغن عن الله، وهذا نقص في توحيد الإنسان. وسيأتي معنا بيان ذلك فيما سيأتي إن شاء الله من ذكر هذا الحديث. قال في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له». وقوله: «في الصحيحين في صحيح البخاري وكذلك في صحيح مسلم». وقوله: «لا يقولن أحدكم»، فـ «ألا» هنا ناهية، والفعل «ما إعرابه؟» يا آدم، مجزوم بلا الناهية، أيها؟ لكنه هنا ماذا؟ مبني لاتصاله بنون التوكيد: «لا يقولن»، فالفعل المضارع يتصل به نون التوكيد فيبنى على الفتح، فيقوم مبنياً على الفتح في محل الجزم بلا الناهية. والنهي هنا الصحيح أنه للتحريم، يعني لا يجوز أن يدعو أحد بهذا الدعاء، فلا يقول: «اللهم اغفر لي إن شئت»، فهذا فيه تردد وتعليق لما أراد السؤال عنه أو السؤال لما أراد الدعاء به. «اللهم اغفر لي إن شئت» هذا تردد وتعليق، والغفران هو طلب الستر، ستر الذنوب ومحوها، فهذا فيه طلب المغفرة، وهذا فيه الخوف من المرهوب. وقوله: «اللهم ارحمني» فيه طلب المحبوب. فقوله: «اللهم ارحمني إن شئت» كذلك فيه تعليق وتردد، فلذلك قال: «ليعزم المسألة». ومعنى «ليعزم المسألة» يعني لا يتردد ولا يعلق مسألة، بل يجزم فيها ويقول: «اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني»، لأن الله عز وجل وعد بالاستجابة، وقال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾، فلماذا يتردد ويعلق ذلك بالمشيئة؟ فلذلك قال: «فإن الله لا مكره له». وهذا تعليل، تعليل للنهي: لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التردد والتعليق في الدعاء؟ لماذا نهى عن ذلك؟ لأن الله لا مكره له، يعني لا أحد يكرهه على ما يريد فيمنعه منه، أو على ما لا يريد فيلزمه بفعله. ألا لا يكرهه أحد، لا يلزمه أحد، فكيف أنت تقول: «إن شئت»؟ فالأمر كله لله وحده. وإذن قال العلماء: المحظور في هذا التعليق من وجوه ثلاثة، أو من وجوه ثلاثة، يعني: ما هو المحظور في قولك: «اللهم اغفر لي إن شئت»؟ لماذا لا يجوز؟ ما هو المحظور في هذا؟ المحظور في هذا التعليق من وجوه ثلاثة: الأول: أن قولك: «اللهم اغفر لي إن شئت» يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فكأن الداعي يقول: «أنا لا أكرهك، إن شئت غفرت لي، وإن شئت ما غفرت لي، أنا ما أكرهك على ذلك». من الذي يكره الله سبحانه وتعالى؟ هذا وجه. الوجه الثاني: أن قوله: «إن شئت» كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله، مثل ما تأتي - ولله المثل الأعلى - عند المخلوق: قل: «أعطني مليوناً إن شئت»، يعني: إن كان هذا سهل عليك، أما إن كان هذا عظيم عليك وكبير فالأمر إليك، الأمر إليك. فهذا لا يجوز في حق الله، كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله، فقد لا يشاؤه. كما جاء في الرواية الثانية قال: في رواية مسلم: «وليعظم الرغبة»، ومعنى «يعظم الرغبة» يعني يطلب بما شاء، فالله لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، ولا يمتنع في حقه شيء سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أنكم خرجتم في صعيد واحد، فسأل كل واحد مسألته، وأعطي كل واحد منكم مسألة، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً». فالله عز وجل لا يتعاظمه شيء، ولذا قال: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أن يعطيه» كما في رواية مسلم. فقولك: «إن شئت» هذا فيه ماذا؟ كأنك ترى أن هذا أمر عظيم على الله، وهذا لا يجوز. وأما الوجه الثالث: فهذا يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، فهو يقول: «إن شئت فعلت، وإن شئت ما فعلت، وأنا لا يهمني»، كأنه يقول هكذا، مثل ما تأتي عمك وتقول له: «إن شئت زرتني، وإن شئت ما زرتني»، وهذا الشيء لا يضرني ولا يهمني. لا، هذا سوء أدب مع الله، هذا سوء أدب مع الله. فلذلك نهي عن تعليق الدعاء بالمشيئة، أن فيه تردد، لأن فيه تردد، والله عز وجل أمرنا بالعزم والجزم في الدعاء، والجزم في الدعاء. وهل معنى ذلك؟ الوجه الثالث أن ذلك يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، وهذا لاشك أنه نقص في التوحيد، ولذلك ذكره شيخ الإسلام محمد عبدالله في هذا الموضع في كتاب التوحيد، في كتاب التوحيد. طيب، قد يقول قائل: قد الإنسان يتردد في الإجابة، يتردد في الإجابة، يكون عنده شيء: هل الله عز وجل يستجيب له أو لا يستجيب له؟ فهذا فيه تفصيل، هذا التردد فيه تفصيل. فإذا كان التردد عائداً إلى قدرة الله فهذا لا يجوز، حرام، يعني متردد: هل الله عز وجل يقدر على ذلك أو لا يقدر على ذلك؟ يشاء ذلك أو لا يشاء ذلك؟ هذا لا يجوز. لكن إذا كان هذا التردد من حيث دعائك أنت، باعتبار ما عندك مثلا من الموانع، فإن الدعاء له موانع، أو عدم كذلك توفر الأسباب، أسباب قبول الدعاء، فهذا لا يضر التردد. مثلا: تدعو الله وأنت جازم أن الله سيستجيب لك، لكن تقول: «لعل الله عز وجل لا يستجيب لي لأن عندي مانع من موانع عدم استجابة الدعاء»، كمثلا أكل الحرام، أو كذلك الظلم، أو الاعتداء في الدعاء، أو نحو ذلك. هذا كله من موانع استجابة الدعاء، فأنتم هذا الآن، فهذا أيضاً لا بأس به إذا كان بهذا الاعتبار. أما إذا كان التردد عائداً إلى قدرة الله فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز. وأحياناً الإنسان يدعو ويعلق بالمشيئة يعني اعتاد بدون قصد، فينبغي أن يعود لسانه. مثلا الآن: تكلم إنسان، تقول: «الله يسامحك إن شاء الله»، لا، هذا خطأ، كيف «الله يسامحك إن شاء الله»؟ هذا تعليق في الدعاء. أو مثلا تقول له، يقول لك: «ادعُ لي»، تقول: «لا، ربنا يوفقك إن شاء الله»، لا، هذا خطأ، هذا تعليق في الدعاء نفسه، كأنك تقول: «الله يغفر لي إن شاء الله»، لا، لا تعلق بالمشيئة. قال العلماء: هذا ليس تعليق في الدعاء، وإنما هو يعني إخبار من النبي عليه الصلاة والسلام. هذا بعض العلماء قال بذلك، وبعضهم قال: هذا مستثنى في هذه الحال فقط، مستثنى في حال المرض، فيتقيد بما جاء في السنة، ففي هذا الدعاء فقط يكون خاصاً، يكون خاصاً بالتعليق بالمشيئة: «إن شاء الله»، أما في غيره فلا. ومنهم من قال: هذا من باب الإخبار وليس من باب التعليق، والثاني كأنه هو الأقرب، أن هذا خاص بما جاء في العيادة، عيادة المريض، فيتقيد بهذا ولا يتجاوز، ولا يتجاوز. ومن رآه يقول ذلك نبهه، قال له: «لا تعلق الدعاء بالمشيئة، لا تعلق الدعاء بالمشيئة». قال المؤلف: فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء، يراد بالاستثناء هنا الشرط، لأن قولك: «إن شئت» كأنك تشترط على الله، يعني: «إن شئت غفرت، وإن شئت ما غفرت»، والشرط يسمى استثناء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ضباعة بنت الزبير في الحج، لما خافت أن لا تستطيع الوصول، قال: «حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت»، يعني تقولين بعد ما تلبين: «وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني»، هذا استثناء، صح، واشتراط، اشتراط في الحج. فقوله هنا: «النهي عن الاستثناء في الدعاء» يعني الاشتراط في الدعاء: «إن شئت، وإن شئت». الثانية: بيان العلة في ذلك، وما هي العلة؟ فإن الله لا مكره له. وبينا ثلاثة أوجه تبين المحظور في هذا التعليق، تبين المحظور في هذا التعليق. وهذا فيه كذلك أن العالم وطالب العلم إذا بين النهي عن شيء يذكر علته إن وجدت، فهذه العلة لها فوائد، منها الاطمئنان في قبول هذا الحكم الشرعي، ومنها زيادة الإيمان، ومنها غير ذلك من الفوائد. الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة»، ومعنى «ليعزم» يعني لا يتردد، يجزم في المسألة، فالله عز وجل هو القائل: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾، فوعد سبحانه وتعالى بالإجابة، فلماذا هذا التردد؟ الرابعة: إعظام الرغبة، أن يسأل ما شاء، فلا شيء عزيز على الله أو ممتنع على الله، وكما قال القائل: «وليس شيء عزيز على الله أن يجمع العالم في واحد»، يعني الله عز وجل قادر أن يجمع العالم في واحد، الله عز وجل على كل شيء قدير، وليس على الله بمستغرب أن يجمع العالم في واحد، فالله عز وجل على كل شيء قدير، فلا شيء يعجزه ولا يمتنع عليه شيء سبحانه وتعالى. فإعظام الرغبة: إذا سألت، اسأل بما شئت، اسأل بما شئت. الخامسة: التعليل لهذا الأمر، وما هو التعليل؟ فإن الله لا مكره له. وفي هذا حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا ذكر شيء قرنه بعلته، وهذا من حسن التعليم، وهذا من حسن التعليم. طيب، انتهينا من هذا الباب، وإن شاء الله نختم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى، شكراً لكم للمشاهدة.