شرح كتاب الزكاة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 8

شرح كتاب الزكاة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 8

الدرس في شرح كتاب الزكاة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة الدرس وأهل الزكاة: الفقير والمسكين

يستهل الدرس بذكر حديث السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة مع التركيز على صدقة السر، ثم ينتقل إلى بيان الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة الواردة في آية سورة التوبة، مفصلاً الفرق الجوهري بين الفقير الذي لا يجد شيئاً والمسكين الذي يجد بعض الكفاية دون تمامها.

العاملون على الزكاة والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب

يوضح المقطع حكم إعطاء الزكاة للعاملين عليها من السعاة والكتبة وإن كانوا أغنياء لكونهم موظفين رسميين، ثم ينتقل إلى صنف المؤلفة قلوبهم من الكفار والمسلمين رجاء إسلامهم أو كف شرهم أو تثبيتهم، ويختم ببيان صرف الزكاة في فكاك الرقاب بإعانة المكاتب المسلم على أداء كتابته وشراء حريته.

الغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل وأحكام المسافر

يفصل المقطع في أحكام الغارمين مميزاً بين من تحمل حمالة للإصلاح ومن غرم لحاجته الشخصية مع شرط عدم كون الدين للمزكي، ويبين أن "في سبيل الله" تشمل المجاهدين وطلبة العلم المتفرغين، ويختم بتعريف ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به النفقة مع تفصيل شرط استحقاقه للزكاة وهو تعذر الوصول إلى ماله.

  • 19 جمادى الأولى 1446هـ - 20/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فانتهينا -أظن- من زكاة الفطر. صح؟ الآن عند قولي: وقال صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». طيب، ما مناسبة «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»؟ يريد المؤلف من هذا -والله أعلم- أن الأفضل في الصدقة أن تكون سرًا؛ ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، فصدقة السر تطفئ غضب الرب. فيحاول المتصدق -ولو كانت الصدقة واجبة- أن يخفي هذه الصدقة حتى لا يقع في شيء من الرياء، في شيء من الرياء. هذا والله أعلم مراد المؤلف بالذكر. هذا الحديث حديث أبي هريرة في هذا الموضع، المتفق عليه في هذا الموضع. ثم قال: «باب أهل الزكاة ومن تدفع لهم». باب أهل الزكاة ومن تدفع لهم، يعني الزكاة تعطى لمن؟ لأن الله عز وجل هو الذي تكفل في كتابه بذكر الأصناف التي تصرف لهم الزكاة الواجبة، التي تصرف لهم الزكاة الواجبة. فهذه الزكاة من شروطها -من شروط الزكاة- أن تعطى لمستحقيها، فمن أعطاها لغير مستحقيها فلا تقبل منه هذه الزكاة، لا تقبل منه هذه الزكاة، فلا بد أن تعطى لمستحقيها. قال: «لا تدفع الزكاة إلا للأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾». ثمانية أصناف: الفقراء واحد، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل. هذه ثمانية أصناف، لك أن تعطي هذه الزكاة لأي صنف منهم، لأي صنف منهم. وقد ذكر الشارح تفصيلًا بديعًا في بيان هذه الأصناف الثمانية أهل الزكاة، فقال: «أهل الزكاة ثمانية، ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة» -يشير إلى الآية المتقدمة- «أولهم الفقراء». وما هو الفرق بين الفقير والمسكين؟ قال: «الفقراء وهم أهل الحاجة الذين لا يجدون شيئًا، أو يجدون بعض الكفاية»، بمعنى أن الفقير أشد فاقة وأشد حاجة من المسكين، من المسكين. فالفقير ربما إذا وجد فطوره لم يجد عشاءه، بخلاف المسكين ربما يجد كفايته في يومه وليلته، أو في أسبوعه، أو في شهره، لكن يجد بعض النقص أو بعض كذلك الأزمات خلال سنته. كما قال هنا: «المساكين وهم الذين يجدون أكثر الكفاية أو نصفها». فلو قدرنا هنا ذكر مثالًا يبين الفرق بين المسكين والفقير، بين المسكين والفقير، فقال: «فلو قدرنا الكفاية لسنة مثلًا بإثني عشر ألفًا». طبعًا هو سعودي يتكلم هنا بالعملة، أيش السعودية؟ لكن مثلًا في اليمن هنا لو قدرنا الكفاية لسنة مثلًا مليون... ها، اثنا عشر ألف هنا كم يساوي؟ اثنا عشر ألف هنا باليمني الآن يعني الثنين يساوي مليون؟ لأ، ألفين فقط يساوي مليون. صح؟ لأن الألف الواحد الآن بكم؟ الألف الواحد بخمسمائة، والألفين بمليون. صح؟ الألفين السعودي الآن بمليون وزيادة، ربما زائد أربعة عشر ألفًا ونحوها، لأن الآن الصرف خمسمائة سبع وثلاثين. صح يا أبا طاهر؟ خمسة وثلاثين؟ ها، خمسة وثلاثين. يعني الألف بيساوي كم؟ خمسمائة وخمسة وثلاثين، ألف خمسمائة وخمسة وثلاثين ألف. يعني الألفين بيساوي مليون وسبعين ألف. تمام. فهذا مبلغ كبير، اثنا عشر ألف، لكن نمثل به لأن المؤلف سعودي. قال: «فلو قدرنا الكفاية لسنة مثلًا بإثني عشر ألفًا، يعني يكفيك سنة، كل شهر ألف ريال سعودي، كل شهر ألف ريال سعودي». قال: «فالفقير ما لديه أقل من ستة آلاف، يعني يجد في يومه أو يجد في شهره مثلًا ثلاثمائة سعودي». تمام. الآن رواتب الموظفين عندنا، المدرس ربما راتبه ميو خمسين ريال سعودي، ميو خمسين ريال سعودي، يحصل ثمانين ألفًا أو تسعين ألفًا، وإن حصل مية ألف فهو كم؟ مية ألف، ميتين ريال سعودي، هذا ناقص. طيب، في المهم لو مثلًا الشهر يحتاج إلى خمسمائة أو إلى أربعمائة ألف يمني، وهو يحصل مية ألف يمني، ما أقص ثلاثمائة كاملة في الشهر، هذا يقال له ماذا؟ فقير. يقال له فقير، يعني ما حصل نصف ما يكفيه في سنته، ما وجد نصف ما يكفيه في سنة. ولما هنا يعبر العلماء أو يجعل ضابط الحاجة لمدة سنة؟ لأن الزكاة مدتها سنة، الحول سنة. طيب، فهم جعلوا الحاجة للإنسان خلال سنته، مو خلال يومه أو شهره، لا، خلال سنته. يعني على سبيل المثال أنت مثلًا يمر عليك الشهر الأول ما إن شاء الله عندك ما يكفيه، الشهر الثاني عندك ما يكفيه، الشهر الثالث ما عندك، جاءتك أزمة تحتاج إلى أن تستدين، الشهر الرابع عندك أزمة تحتاج إلى أن تستدين، المهم انتهت السنة وعليك دين، ربما سبعمائة ألف أو خمسمائة ألف أو ستمائة ألف، تمر بك أزمات وما تستطيع أن تغطي هذه الأزمات، فهذا يسمى ماذا؟ خطير. إذا كانت هذه الأزمات أكثر من النصف، نصف ما تحتاجه في سنتك، نصف ما تحتاجه في ماذا؟ في سنتك، هذا الفقير. أما المسكين فهو الذي تعرض له الأزمات في سنته، وإن كانت هذه الأزمات ليست كبيرة، مثلًا ينقص في سنته قدر المليون أو قدر مثلًا المليونين أو أكثر من النصف، فهذا يسمى مسكين. فباختصار: أن الفقير أشد فاقة وحاجة من المسكين. واستدلوا على ذلك بما جاء في سورة الكهف: ﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِلْمَسَاكِينِ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، مع أنهم مساكين ومع ذلك يملكون ماذا؟ السفينة. فقد يكون المسكين معه سيارة، قد يكون كذلك معه وظيفة، قد يكون موظفًا، قد يكون عاملًا يعمل في البناء، لكن ما يكفي، هذا المال مال قليل ما يغطي حاجاته وحاجات أهله وذرية ومن يعول، فهذا يسمى مسكين، فهذا يسمى ماذا؟ مسكين. فهذا هو الفرق بين الفقير والمسكين. أهل اليمن تقريبًا ٩٠٪ الآن إما فقراء وإما مساكين، القليل ممن يكفيه راتبه أو يكفيه عمله الذي يعمل فيه. قال: «فمثلًا بـ ١٢، فالفقير من لديه أقل من ٦ آلاف، والمسكين من لديه ٦ آلاف أو أكثر ولم يبلغ ١٢ ألفًا». فنعطيهما ما يكفيهما لسنة، لأن الزكاة تجب في الحول. مثلًا قال: «أنا علي دين هذه السنة خمسة آلاف سعودي»، إن استطعنا أن نعطيه هذه نعطيه، أو قال: «ما عنده ديون مثلًا الآن ما عنده ديون، قال: السنة التي ستأتي ستعرض علي أزمات، وربما أحتاج إلى خمسة آلاف سعودي»، نعطيه، ولو مقدَّمًا لسنته نعطيه، ولو مقدَّمًا لسنته. المهم أنه تغطى كفايته، تغطى كفايته، بحيث أنه لا تمر به حاجة أو أزمة خلال سنته، فهذا يسمى المسكين، والفقير أشد فاقة منه. هذا الصنف الأول والثاني: الفقراء والمساكين. قال: «العاملون على الزكاة وهم جباتها وحفاظها والموكلون بقسمتها، يوليهم ولي الأمر، ولا يشترط فيهم وصف الفقر، بل يعطون منها ولو كانوا أغنياء». هذا فيه إذا كان انتظمت الدولة، انتظمت الدولة وتعمل بتلك تعاليم الإسلام ومنها أحكام الزكاة، أن أهل الأموال يجب عليهم أن يعطوا زكاتهم لولي الأمر، لولي الأمر، لأنه أدرى برعيته، لأنه أدرى برعيته. فولي الأمر يوظف، يوظف عمالًا، هؤلاء العمال وظيفتهم أن يذهبوا إلى أرباب الأموال، إلى التجار، ويحصون أموالهم: كم عندك أنت من المال دار عليه الحول، سواء كان كما مر معنا من النقدين الذهب والفضة، أو كذلك من الزروع والثمار، أو من الحيوان، من الغنم، من البقر، من الإبل. إذا وجبت على أحد منهم الزكاة يأتي هؤلاء الجباة ويحصرون هذا المال. مثلًا أنت معاك تجارة في الذهب، معاك محلات في الذهب، يذهبون وينظرون: كم جرام معاك؟ والله طلع معاك مليونان جرام، الجنين جرام، هذا يضربونها في ٢.٥٪، كم تساوي؟ المليون يساوي مثلًا ٢٥ جرام، داك ٢٥ جرام، ٥٠ جرام من الذهب، يأخذونه، هذا ٥٠ جرام من الذهب. طيب، يأخذونه. وهكذا يذهبون عند التجار، عند أرباب الأموال، يجمعون هذا المال كله. طيب، ثم يوزعونه على المستحقين، على المستحقين. طيب، هذا الذي يوظف ويدور، هل يشترط أن يكون فقيرًا؟ لا يشترط أن يكون فقيرًا، قد يكون غنيًا، لأن إعطاؤه للزكاة لا لأجل فقره، وإنما لأجل ماذا؟ وظيفته. هذه فيعطى من نفس هذا المال الذي يجمعه كزكاة، له يجوز أن يأخذ منه كزكاة. فهؤلاء هم العاملون عليها. لكن الآن مثلًا في بعض البلاد، ومنها بلادنا، ربما ما تعتني الدولة بهذا، فالتاجر يخرج ما له بنفسه، فهنا خلاص يخرجه بنفسه وتبرأ ذمته، تبرأ ذمته، والواجب عليه أن يخرج ما يجب عليه، لا ينقص، لا ينقص. فإذا نقص من زكاته يأثم على ذلك، يخرج من الزكاة ما يجب عليه، ما يجب عليه. واضح؟ طيب. هذه الآن الجمعيات والمؤسسات الخيرية، هل حكمها؟ حكم ما يوكلهم الإمام من الجباة والعمال؟ الجواب: لا. وإنما هذه المؤسسات وهذه الجمعيات تتفق مع التاجر، فتقول لهذا التاجر: «أنت توكلنا، أنت توكلنا في توزيع هذه الصدقة، فنحن نريد منك راتبًا وأجرة». لا يجوز لهم أن يأخذوا من هذا المال، لأن هذا المال ما أتاهم بسبب جمعهم له، وإنما بسبب توكيل، أن صاحب المال لهم يوكلهم وكالة، والوكيل لا يجوز له أن يتصرف في مال الموكل إلا بإذنه، إلا بإذنه. ولا يجوز للموكل أن يعطي هذه المؤسسات، أي العمال، يعطيهم من الزكاة. لماذا لا يجوز أن يعطيهم من الزكاة؟ يعني مقابل عملهم. لأن هذه الوكالة إنما هي جهد من هؤلاء مقابل ماذا؟ مقابل عمل لهذا التاجر، مقابل عمل لهذا التاجر. فهذا العمل يحتاج إلى أجر من التاجر نفسه، لا من الزكاة، إلا إذا كان هؤلاء العمال من إحدى الأصناف الثمانية، كانوا فقراء أو مساكين أو كذلك غرماء أو نحو ذلك، فهذا يأخذون مقابل أنهم من أهل الزكاة. لكن أن يأخذوا بحجة أنهم من العاملين عليها، فقد أفتى علماء بعدم جواز ذلك. مثلًا الآن أنا عندي زكاة، أوكلك عليها، هل يجوز لك أن تأخذ من هذه الزكاة؟ لا يجوز إلا بإذنه، لأنك أنت مؤتمن، أنت وكيل مؤتمن، أنت من تعامل عليها، أن تعامل عليها. إذا وكلك الإمام كما ذكر هنا، هم الموكلون، يوليهم ولي الأمر، معهم وجهة رسمية من ولي الأمر، يذهبوا عند التجار، يفتح مكتب، مكتب الزكوات، موظفون، ويعني حصر، وكذلك جهد ونحو ذلك، فهنا يجوز لهم أن يعطوا من هذه الزكاة. أما هذه المؤسسات فالصحيح أن يطلبوا من التاجر إذا أراد أن يوكلهم في هذه الزكاة أن يطلبوا منه مالًا آخر غير الزكاة مقابل قيامهم بهذا الجهد له، فهم كالعمال عنده، فهم كالعمال ماذا عنده؟ فإن أعطاهم من غير الزكاة فيجوز لهم أن يأخذوا ذلك مقابل عملهم، مقابل عملهم. قال: «المؤلفة قلوبهم». هذا الرابع، من هو المؤلفة قلوبهم؟ قال: «من يرجى إسلامه»، إنسان كافر، لكن هذا الكافر نرجو أن يسلم. وتعرفون الإحسان إلى الغير بالمال سبب لي ماذا؟ تأليف قلبه، وسبب لي كذلك جلب محبته. فلا بأس إن رأينا أن هذا الكافر يمكن أن يسلم، لكن يحتاج إلى شيء من المال، عنده ظروف، عنده يعني حاجة، أو حتى ما عنده حاجة، يحب المال، نعطيه من الزكاة كي يعني نجذبه، أو كي نرغبه في الإسلام، نرغبه في الإسلام. أو كف شره: إنسان آذى المسلمين، كافر آذى المسلمين، طيب، و يعني ضيق عليهم، فلو أعطيناه مال استحى وكف عن شره، لا بأس، يجوز أن يعطى من هذه الزكاة. أو كذلك قوة إيمانه: يعني هو مؤمن لكنه ضعيف الإيمان، تخشى عليه من النفاق، أو تخشى عليه من الكفر أو الردة، فأنت تريد أن تقوي إيمانه، تريد أن تقوي إيمانه، فلا بأس أن يعطى من هذا المال، أن يعطى من هذا المال، أي من الزكاة. هذا هم المؤلفة قلوبهم: من يرجى إسلامه، أو كف شره، أو قوة إيمانه، ثلاث أوصاف. وكما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يعطي، أعطى من لا يخشى الفقر، ربما أعطى مئة ناقة، ربما أعطى يعني من الإبل ما بين الواديين، كل ذلك ترغيبًا لبعض الناس في الإسلام، وربما يترك أهل الإيمان الذين قد قوي إيمانهم، الذين قد قوي إيمانهم، لأنه يعلم أنهم لا يؤثر فيهم العطاء أو المنع لقوة إيمانهم. قال: «الخامس: في الرقاب». ومعنى في الرقاب هنا قسمه إلى ثلاثة أقسام: المكاتب المسلم، وهو الرقيق يشتري نفسه من سيده، يعني يكون عبدًا رقيقًا وهو مسلم، فيريد أن يكون حرًا، فيجوز له أن يتفق مع سيده على مبلغ معين، يعمل هذا الرقيق ويعطي مثلًا هذا السيد في الشهر عشرين ألفًا أو ثلاثين ألفًا لمدة سنة مثلًا أو لمدة سنتين، فإذا انتهى هذا المال الذي تفق عليه صار حرًا، هذا يسمى إيش؟ المكاتب. وهذا ورد في القرآن، ورد في القرآن كما في سورة النور. فهذا لا بأس أن يعان من الزكاة، كاتب سيده مثلًا على مليونين، لا بأس أن نعطي سيده مليونين، قل له: خلاص، هذه المكاتبة بينك وبين هذا الرقيق حتى يكون هذا المسلم حرًا. هذا أيضًا يدخل في الرقاب. وكذلك عتق الرقيق المسلم، هذا من غير مكاتبة، يعني فلان رقيق عند فلان، فيقال له: نشتري منك هذا الرقيق، لأن الرقيق يباع ويشترى مثل البضاعة، فيقال لهذا السيد: نشتري منك هذا الرقيق، كم تريد؟ قال: أريد خمسة ملايين، نعطيه من الزكاة خمسة ملايين، ثم نجعل هذا الرقيق حرًا لوجه الله. أيش الفرق بين الأول والثاني؟ الأول: أن الرقيق هو الذي يشتري نفسه من سيده، يعني يتفق مع سيده على مبلغ معين يعطيه شهريًا، تمام. وأما العتق فهو الشراء، كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يشتري الأرقاء من المسلمين ثم يعتقهم. يعني لذا اشتريت الرقيق يجوز لك أن تجعله رقيقًا عندك، ويجوز لك أن تقول: أنت حر لوجه الله، خلاص أنت حر. وهذا معنى قال الله عز وجل في سورة البلد: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، فك رقبة، يعني شراء الرقيق ثم فكه وعتقه، هذا من الأعمال الصالحة الجليلة. فيجوز لنا من الزكاة أن نعطي هذا السيد، أو أن نشتري من هذا السيد هذا الرقيق ثم نعتقه لوجه الله. والأخير: الأسير المسلم، يعني كان حرًا ثم أسر، مسلم أسره الكفار، فلا يفك أسره حتى يعطوا شيئًا من المال، فيعطون من الزكاة. حرب بين المسلمين وبين اليهود، فأسر اليهود أحد المسلمين، قالوا: لا نفك حتى تعطون كذا وكذا من المال، هو حر ليس رقيقًا، هو حر لكنه أسير، فهنا يجوز أن يعطى أيضًا من الزكاة، فهو داخل في الرقاب. قال: «ولا يدخل فيهم رقيق يعتقه سيده فيحسبه من الزكاة»، فهذا لا يجوز. أيش معنى هذا؟ يعني أنت الآن عندك رقيق، تمام، وعندك مال، هذا المال وجبت فيه الزكاة، فتقول: خلاص، الرقيق هذا بكم يباع في السوق؟ قالوا: والله يباع بخمسة ملايين، قال: خلاص، سأخصم زكاة هذا العام خمسة ملايين، سأخذها مقابل أن يكون هذا العبد حرًا لوجه الله. هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. لماذا؟ لأنه هو المنتفع من هذه الزكاة. ومثل ذلك مثلًا عندك، أو لك دين، لك دين من محمد، محمد أخذ منك حاجة من دكانك مثلًا بخمسمائة ألف، وأنت في رمضان تخرج الزكاة، تقول: خلاص، محمد هذا عنده خمسمائة ألف، سأخصمها من الزكاة، أنا عندي زكاة بقدر أن تساوي خمسمائة ألف، خلاص، هذا سيجعلها تسديد دين محمد. هذا لا يجوز، أنت المنتفع من ماذا؟ من الزكاة. وهذا لا يجوز أن تنتفع أنت من زكاتك، لا يجوز أن تنتفع من زكاتك. وهذا نفس الشيء: لا يدخل فيهم رقيق يعتقه سيده فيحسبه من الزكاة، فهذا لا يجوز. يقول: خلاص، هذه الزكاة السنة أنا سأخذها مقابل عتقي لهذا الرقيق، هذا لا يجوز. واضح هذا؟ أما السادس: الغارمون، وهم: غارم لإصلاح ذات البين، يعني يجوز لمن يصلح ذات البين أن يتحمل الحمالة، كما جاء في الحديث: «لا لا يجوز السؤال إلا للثلاثة»، وذكر منهم: الذي يتحمل الحمالة للإصلاح بين الناس. فمثلًا يتدين مئتي ألف، ثلاثمائة ألف، من أجل أن يصلح بين قبيلتين، أو بين شخصين، أو بين مسؤولين، أو نحو ذلك، يجوز له ذلك، تحله المسألة، تحله المسألة، فهو غارم لا لإنفاق هذا المال في مصالحه الخاصة، لا، وإنما من أجل الإصلاح بين الناس، فهذا يجوز أن يُعطى من الزكاة. يقول: «أنا عندي مال دين أخذته من أجل أن أصلح بين فلان وفلان»، فيُعطى من الزكاة. أو غارم لنفسه، غارم لنفسه يعني لحاجاته الخاصة، أخذ دين، مرت به أزمة، صار عنده ديون، مليون، مليونان، عشر ملايين، فيُعطى من الزكاة، ويُسدد له من هذا الدين. لكن نقول بشرط ماذا؟ ألا يُخصم هذا الدين من نفس المزكي، يعني أن هذا الدين للمزكي نفسه فيقصمه من زكاته، هذا لا يجوز، كما مر معنا. قال: «ولا يجوز إبراء الغريم الفقير بنية الزكاة»، ويشمعنا هذا الكلام ما تقدم، يعني لا يأخذ الغني المال الذي له من هذا الفقير بنية أنه زكاة، بنية أنه زكاة، هذا لا يجوز. هذا هو الغارم. السابع: في سبيل الله، وهذا يشمل الغزاة وما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، يعني المجاهدين، المجاهدين يعطون من الزكاة، سواء كان فيما يحتاجونه من إصلاح للسلاح، أو من شراء السلاح، يريدون أسلحة، يريدون سيارات، يريدون ذخائر، يريدون كذلك يعني تغذية للمعسكرات، كل ذلك يجوز أن يعطون من الزكاة. وذكر الشيخ عثيمين أيضًا أنه يدخل في سبيل الله طلبة العلم الذين قد تفرغوا لطلب العلم ولحفظ العلم والدين والشرع، فهؤلاء حكمهم حكم المجاهدين في سبيل الله. فالجهاد جهادان: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبيان، فيجوز أن يعطى طالب العلم إذا احتاج إلى كتب مثلًا، احتاج إلى كتب وما عنده ما يشتري به الكتب، يجوز أن يعطى من الزكاة، أو كذلك أراد أن يتزوج، يجوز أن يعطى من الزكاة. نعم، وهو يدخل في الحقيقة في الفقير، هو ما ما استطاع أن يتزوج لأنه فقير، وما استطاع أن يشتري الكتب لأنه فقير. فكما قال أحد السلف: «نعم، لا ينال العلم براحة الجسد»، وأيضًا يعني أن طالب العلم يشتري له نعلين من حديد، بمعنى أنه سيكون فقيرًا بتفرغه لطلب العلم، لطلب العلم. فهذا يدخل إن شاء الله في سبيل الله بضوابطه، إذا كان حقًا يحتاج وما عنده من يدعمه، وما عنده من يكفله، أو من كذلك ينفق عليه، واحتاج إلى شيء من المال في سيره في طلب العلم، فيجوز أن يعطى من الزكاة. والثامن: ابن السبيل، وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى بلده. يعني إنسان يمشي فانتهت عليه النفقة، انتهت عليه النفقة، فيجوز هنا أن يعطى من الزكاة، وإن كان غنيًا في بلده وعنده مال، لكنه في بلده وبلده بعيد، وهو مسافر، وهو مسافر ابن سبيل، فهنا يجوز أن يعطى من الزكاة ولو كان عنده مال في بلده. هذا إذا لم يستطع أن يعني أن يتحصل على هذا المال الذي في بلده. فمثلًا في العصر الحديث إذا مر مسافر مر على بلد، وهذا البلد فيها بنوك، وفيها يعني مصارف، يستطيع أن يتصل بأحد من أقاربه فيرسل له بعض المال، فهنا لا يجوز له أن يسأل، لا يجوز له أن يسأل، أو أن يعطى من الزكاة. لماذا؟ لأنه يستطيع أن يجد ماله، أو أن يرسل له هذا المال. وإنما ابن السبيل الذي يتعذر عليه الحصول على المال، الحصول على المال، فهنا يجوز أن يعطى من هذا المال. لسي ما في الزمن القديم ما كان عندهم هذه التقنيات الحديثة من الاتصالات ومن كذلك البنوك، الآن الناس يمشون من غير فلوس، فلوسك في البنك، أي وقت تريد مال تذهب إلى البنك وتسحب من مالك في أي بلد، صح؟ ما عندك يعني مال في هذا البنك، تتواصل مع أهلك ويرسلوا لك من مالك الذي معك في بلدك إلى أي بنك أو إلى أي مصرف وتأخذ هذا المال. فإذا كان الأمر كذلك فلا يعطى من الزكاة، إذا كان يستطيع أن يعني يصل إلى ماله، فلا يجوز حينئذ أن يعطى من الزكاة. وإنما المنقطع، المنقطع الذي ما عنده مال وهو محتاج إلى المال في سفره، فحينئذ يجوز أن يعطى من الزكاة. أو شخص عنده مال، ضاع عليه هذا المال، ومسافر، ضاع عليه هذا المال، فصار لا مال له، فهنا انقطعت به النفقة، فيجوز حينئذ أن يعطى من الزكاة. هذا التفصيل في مسألة أهل الزكاة كما ذكرها المؤلف وبينها الشارح، وبهذا نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم.